الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الاحتجاجات في إيران تحيي مظالم سيستان بلوشستان

التوتر في سيستان بلوشستان هو في الواقع صراع مستمر بين الحكومة الإيرانية والجماعات البلوشية التي تشكل نحو ثلث سكان المحافظة

كيوبوست- منير بن وبر

على الرغم من مقتل ما لا يقل عن 80 شخصاً من سكان محافظة سيستان بلوشستان في إيران، في سبتمبر الماضي؛ فإن المئات خرجوا من جديد، الجمعة 11 نوفمبر، لمواصلة الاحتجاج والتذكير بيوم “الجمعة الدامي”. هتف المتظاهرون بالموت لـ”خامنئي”، مثل جميع الاحتجاجات في مناطق إيران المختلفة.

يتعرض المحتجون الإيرانيون إلى القمع من قِبل السلطات منذ انطلاق الاحتجاجات قبل ثمانية أسابيع. قامت قوات الأمن، بما في ذلك المتطوعون شبه العسكريين مع الحرس الثوري، بحملة قمع أدت إلى مقتل أكثر من 300 شخص؛ من بينهم عشرات الأطفال. كما أعلنت السلطات القضائية توجيه اتهامات إلى مئات الأشخاص في محافظات إيرانية مختلفة. وقد اتُّهم البعض بـ”الفساد في الأرض” و”الحرب على الله”؛ وهما جريمتان يُعاقب عليهما بالإعدام.

اقرأ أيضاً: كيف يبدو موقف الإخوان المسلمين من التظاهرات في إيران؟

يعتقد مراقبون أن الاحتجاجات المستمرة تمثل أحد أكبر التحديات للطبقة الحاكمة من رجال الدين منذ سنوات الاضطرابات التي أعقبت الثورة الإسلامية عام 1979.

وفي حين أن مقتل ما لا يقل عن 300 شخص هو حقيقة مخيفة، إلا أن مقتل ما لا يقل عن 80 شخصاً منهم في مكان واحد وزمن متقارب يجعل من تلك الحقيقة أكثر رعباً. وَفقاً لتقرير صادر عن منظمة العفو الدولية، فقد قتلت قوات الأمن الإيرانية ما لا يقل عن 66 شخصاً، من بينهم أطفال، وجرحت مئات آخرين خلال حملة قمع ضد المتظاهرين والمارة والمصلين بعد صلاة الجمعة في 30 سبتمبر في زاهدان، بمحافظة سيستان بلوشستان.

يسكن سيستان بلوشستان في إيران عرقية بلوشية يُنظر إليها كأقلية مضطهدة منذ فترة طويلة. تقع المحافظة على الحدود الجنوبية الشرقية مع باكستان. ولطالما اشتكى البلوش، الذين يشكلون غالبية السكان في سيستان بلوشستان، من التمييز والإهمال الاقتصادي من قِبل الحكومة الإيرانية. تفاقم هذا الشعور بالتهميش بسبب الوجود المتزايد للشيعة بين البلوش السُّنة.

اقرأ أيضاً: ما دلالات وعواقب تجنيد إيران مقاتلين أفغان في اليمن؟

هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تُسهم في الاضطرابات العرقية أو الدينية في بلد ما؛ الأول هو تاريخ الصراع أو العنف بين المجموعات المختلفة. والآخر هو التمييز أو التهميش لمجموعة من قِبل أخرى. عندما يشعر الناس أنهم لا يُعاملون بإنصاف لفترة طويلة جداً، أو أن أصواتهم لا تُسمع، فيمكن أن يؤدي ذلك إلى الإحباط والغضب، ثم يتطور -بمرور الزمن- إلى عنف.

الجمعة الدامية

يُعرف يوم 30 سبتمبر بأنه اليوم الأكثر دموية على الإطلاق، حتى ذلك الحين، منذ انطلاق الاحتجاجات في إيران. في تلك الجمعة، عبَّر سكان مدينة زاهدان، عاصمة محافظة سيستان بلوشستان، عن تضامنهم مع الاحتجاجات المنتشرة في جميع أنحاء إيران، وللمطالبة بالمساءلة في جريمة اغتصاب فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً من قِبل قائد شرطة في المحافظة، حسب ما نقلته منظمة العفو الدولية.

من مظاهرات زاهدان- وكالات

بعد صلاة الجمعة، تجمع آلاف المصلين في مصلى زاهدان الكبير، ثم ما لبث أن انفصل عنهم عدد من الشبان الذين بدؤوا يرددون شعارات مناهضة بالقرب من مركز للشرطة. سرعان ما تحول الاحتجاج ليصبح حملة قمع وحشية؛ حيث أطلق رجال الأمن النار على المتظاهرين والمصلين على السواء من فوق سطح مركز الشرطة ومبانٍ أخرى. تعرضت الحشود إلى إطلاق نار أيضاً من قِبل عناصر مرتبطة بالحكومة ترتدي ملابس مدنية حسب وسائل إعلام وشهود عيان.

الحصيلة كانت مقتل ما لا يقل عن 66 شخصاً خلال ذلك اليوم، وجرح مئات آخرين. ثم قُتل 16 شخصاً آخر في حوادث منفصلة في زاهدان وسط قمع مستمر للاحتجاجات.

تصعِّد الحكومة الإيرانية من استخدام القوة المميتة منذ صدور أمر من أعلى هيئة عسكرية في البلاد، في 21 سبتمبر؛ لمواجهة مَن أُطلق عليهم “المناهضون للثورة”. ويبدو أن الأوامر تُطبق بوحشية أكبر في مناطق الأقليات العرقية؛ مثل بلوشستان، وكذلك كردستان في غرب إيران؛ حيث بدأت الاحتجاجات. لطالما كان لكل من كردستان إيران وسيستان بلوشستان تاريخ من الصراع مع الحكومة الإيرانية؛ إذ غالباً ما يجدان نفسيهما على خلاف مع الحكومة في طهران.

خريطة توضح توزيع عرقية البلوش (باللون الوردي) بين إيران وباكستان وأفغانستان

التوتر في سيستان بلوشستان هو في الواقع صراع مستمر بين الحكومة الإيرانية والجماعات البلوشية، التي تشكل نحو ثُلث سكان المحافظة. من بين الجماعات المسلحة الرئيسية المنخرطة في الصراع جماعة جند الله وجيش العدل.

منذ الثورة الإيرانية عام 1979، عادت القومية البلوشية للظهور في منطقة سيستان بلوشستان في جنوب شرق إيران. البلوش هم من المسلمين السُّنة الذين يشعرون بالتمييز ضدهم من قِبل الحكومة الإيرانية الشيعية. لطالما اشتكى البلوش من الإهمال الاقتصادي من قِبل الحكومة الإيرانية.

بالإضافة إلى البلوش، هناك أيضاً عدد من العرب والأكراد في المحافظة، والذين يشعرون أيضاً بالتهميش من قِبل الحكومة الإيرانية. أدت هذه الانقسامات العرقية والدينية إلى اضطرابات ونزاعات دورية في سيستان بلوشستان.

يتوزع إقليم بلوشستان على ثلاث دول؛ هي: إيران وباكستان وأفغانستان. أدى ذلك التوزيع العرقي بين ثلاث دول إلى جعل الإقليم منطقة حدودية مضطربة، ومصدر قلق في المنطقة.

تصاعد أعمال العنف

عندما لا تحصل مجموعات عرقية أو دينية في بلد ما على معاملة عادلة، أو عندما لا تُحترم حقوقها؛ فإن ذلك يؤدي إلى التوتر والاضطراب. عندما تشعر إحدى المجموعات أنها تُعامل بشكل غير عادل؛ فقد يؤدي ذلك إلى الاستياء، أو حتى الرغبة في قلب النظام الحالي. في بعض الحالات، يمكن أن تؤدي الاختلافات العرقية والدينية أيضاً إلى العنف.

اقرأ أيضاً: كيف تخلق إيران الإرهاب والعنف في إقليم بلوشستان؟

الشعور القوي بالاستياء بين البلوش في إيران دفعهم، في كثير من الأحيان، إلى العنف؛ في محاولة لتحقيق أهدافهم. ردت الحكومة الإيرانية على ذلك بحملة قمع شديدة، والتي لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من تنفير الشعب البلوشي. بدأ الصراع في التصعيد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما اندلعت سلسلة من الهجمات ضد أهداف عسكرية وأمنية إيرانية.

تتهم إيران عدة دول أجنبية وجماعات إرهابية بالوقوف خلف أعمال العنف والجماعات السُّنية في المحافظة، إلا أن هذه المزاعم يُنظر إليها كمحاولة إيرانية لتغطية إخفاقها وممارساتها في الإقليم.

في السنوات الأخيرة، توسع الاضطراب ليشمل الاتجار بالمخدرات وتهريب الوقود والأنشطة الإجرامية الأخرى، فضلاً عن العنف الطائفي بين المسلمين الشيعة والسُّنة. لا تلوح في الأفق نهاية للصراع؛ حيث يتمسك كل طرف بموقفه. لم تُظهر الحكومة الإيرانية أي استعداد للتفاوض مع البلوش، كما تواصل الجماعات البلوشية شن هجمات ضد أهداف عسكرية ومدنية.

من الواضح أنه لا يوجد حل سهل لقضية سيستان بلوشستان. ومع ذلك، فمن الضروري ألا يغض المجتمع الدولي الطرف عن محنة الشعب البلوشي. تتمثل الخطوة الأولى نحو إيجاد حل دائم في الاستماع إلى مظالم البلوش ومعالجة مطالبهم المشروعة؛ فمن أجل منع الاضطرابات، من المهم دائماً معالجة الأسباب الكامنة وراء التوتر والاستياء. وهذا يشمل ضمان حصول جميع المجموعات على فرص متساوية في التعليم والتوظيف والموارد، كما يعني تنفيذ سياسات وبرامج تعزز التسامح والتفاهم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة