شؤون خليجيةملفات مميزة

الاجتماع الرباعي: استمرار الجهود السعودية – الإماراتية لإحلال الاستقرار في أفغانستان

6 نقاط توضح الأسباب وراء المساعي الخليجية لحل الأزمة الأفغانية

خاص كيو بوست –

عقد في أبو ظبي، في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، اجتماع رباعي ضم دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية وأفغانستان، يأتي في إطار الجهود المبذولة لإعادة الأمن والاستقرار والدفع بعملية السلام في أفغانستان[1]. ويلاحظ أن الجهود التي تبذلها المملكة السعودية ودولة الإمارات ليست الأولى من نوعها، بل تأتي في إطار حرص كل منهما على استعادة الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في بلدان الصراعات، فقد وافقت الرياض وأبو ظبي في مارس/آذار 2018 على طلب الحكومتين الأفغانية والأمريكية على التوسط في الأزمة الأفغانية وإقناع حركة طالبان بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، لإيجاد حل سلمي للصراع الدائر في أفغانستان، فضلًا عن لعب دور الضامن لما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين.

اقرأ أيضًا: الإمارات والسعودية: علاقات أخوية استرتيجية ترتكز على وحدة المصير

ومنذ الاجتماع الأول للحوار الرباعي في 23 مارس/آذار 2018 بين مستشاري الأمن القومي للدول الأربع، تم الاتفاق على إنشاء “مجموعة عمل” تنعقد بشكل دوري لمتابعة الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب، وإيجاد تسوية سلمية للأزمة الأفغانية، ولذلك عقد الاجتماع الثاني في أبو ظبي في 24 يوليو/تموز 2018. ويعد الاجتماع الذي تم في 13 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري في أبو ظبي الثالث في هذا الإطار، ويجيء في ظل عدد من التطورات التي يشهدها ملف الأزمة الأفغانية، خصوصًا ما يتعلق بنجاح موسكو في استضافة اجتماع سلام لمناقشة الأزمة الأفغانية، وبروز محور روسي – صيني مناوئ للمصالح الأمريكية في أفغانستان، بالإضافة إلى استمرار المحاولات الإيرانية لعرقلة أي مساع للتوصل إلى تسوية للأزمة.

وفي هذا السياق، يمكن رؤية الحوار الرباعي في إطار سعيه إلى تحقيق عدد من الأهداف، ومواجهة التحديات التي لا تزال تعترض طريق عملية التسوية السلمية، وهو ما سيتم تفصيله في النقاط الست التالية:

 

  • أولًا: استغلال النفوذ السعودي – الإماراتي

تسعى واشنطن إلى استغلال ما تتمتع به المملكة العربية السعودية من مكانة دينية من جانب، واحتفاظ كل من الرياض وأبو ظبي بعلاقات طيبة مع حركة طالبان قبل أن تقطعا علاقتهما بها في عام 2001 من جانب آخر. وعلى الرغم من قطع هذه العلاقات، فإن الحركة ما زالت حريصة على علاقاتها بالمملكة، وهو ما اتضح في مطالبة طالبان بافتتاح مكتب لها في الرياض في عام 2009، وقابلته المملكة بمطالبتها بقطع علاقاتها بالقاعدة أولًا[2]. ومن جهة ثانية، نجحت الرياض في التوصل إلى مصالحة في عام 2016 بين بعض السياسيين الإسلاميين والحكومة الأفغانية[3].

وقد هاجمت الرياض الحركة في عام 2017، معتبرة إياها حركة إرهابية، غير أن الحركة طالبت الرياض بلعب دور إيجابي، الأمر الذي يكشف عن حرص الحركة على الاحتفاظ بعلاقات إيجابية مع الرياض، وعلى قبولها المبدئي لدور المملكة في مفاوضات السلام[4].

اقرأ أيضًا: التعاون السعودي مع أفغانستان يقض مضاجع طهران

ومن جهة ثانية، تأمل واشنطن أن تمارس الرياض ضغوطًا على باكستان، التي تستضيف كبار قادة حركة طالبان، والتي تتهمها واشنطن بعدم ممارسة ما يكفي من ضغوط على الحركة للجلوس إلى طاولة المفاوضات. وتتمتع الرياض وإسلام أباد بعلاقات قوية، وليس أدل على ذلك من موافقة السعودية على منح إسلام أباد حزمة مساعدات بقيمة 6 مليارات دولار، عقب الزيارة الثانية لرئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، في أكتوبر/تشرين الأول 2018[5].

 

  • ثانيًا: المشاركة في تأهيل القوات الأمنية

تحتفظ دولة الإمارات العربية المتحدة بقوة عسكرية تقدر بنحو 200 جندي في أفغانستان[6]، وهي تشارك في تدريب قوات الجيش الأفغاني لدعم الجهود الرامية إلى استعادة الاستقرار هناك. كما يمكن لهذه القوات أن تضطلع بدور مماثل في إعادة بناء القوات الأمنية المنهارة على أسس احترافية، في أعقاب التوصل لأي تسوية سلمية بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، بما يساعد في تحقيق الاستقرار على المدى البعيد.

 

  • ثالثًا: التفرغ لمواجهة داعش في أفغانستان

تسعى الجهود السعودية – الإماراتية إلى إحلال السلام في أفغانستان، بما يساعد على التفرغ للتهديدات النابعة من تصاعد خطر داعش أفغانستان، أو ما يعرف باسم “ولاية خراسان”، وهو الخطر الذي لا يطال أفغانستان فقط، بل يمتد إلى دول الجوار الإقليمي أيضًا، خصوصًا مع تحذير وزير الخارجية الروسي من محاولة تنظيم داعش تحويل أفغانستان إلى “رأس جسر للتوسع في آسيا الوسطى وروسيا”[7]. وما يزيد من هواجس دول المنطقة أن أغلبية المنتسبين لتنظيم داعش أفغانستان ينتمون إلى دول آسيا الوسطى، وصولًا إلى شمال القوقاز ومنطقة الفولجا في روسيا[8].

 

  • رابعًا: مواجهة الدور التخريبي لإيران

تمثل أحد المؤشرات الدامغة على حجم الدور التخريبي الذي تلعبه إيران في أفغانستان وحجم التورط الإيراني في دعم طالبان، قيام الولايات المتحدة في 21 مايو/أيار 2016، بتصفية الملا “أختر محمد منصور”، قائد حركة طالبان أفغانستان، باستخدام درونز، وذلك أثناء عودته من إيران إلى باكستان، إذ كان يتلقى العلاج في الأولى، وذلك على الرغم من أن هذه الحادثة، تمت في أعقاب توقيع إيران اتفاقًا نوويًا مع الولايات المتحدة[9] كان يهدف إلى رفع العقوبات الدولية على إيران، وينص على إعادة دمجها في النظام الدولي من جديد.

اقرأ أيضًا: كيف تمكنت طهران من إغواء وتجنيد الأفغان الشيعة للقتال في سوريا؟

لقد تورط فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في دعم حركة طالبان عسكريًا منذ عام 2006، وفقًا لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية الصادر عام 2012[10]. وازداد حجم الدعم من قبل طهران إلى حد قيام عناصر إيرانية بالقتال إلى جانب حركة طالبان، فقد أكد الجيش الأفغاني في أكتوبر/تشرين الأول 2016 أنه قتل 4 عناصر من القوات الخاصة الإيرانية، أثناء قتاله ضد حركة طالبان في “ولاية فرح” المحاذية للحدود الإيرانية[11].

وفي ظل تصعيد الولايات المتحدة الأمريكية لضغطها الاقتصادي ضد إيران، مع فرض المجموعة الثانية من العقوبات ضدها، التي دخلت حيز التنفيذ مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2018، فإنه يتوقع أن تعمد إيران إلى تصعيد دعمها العسكري لطالبان، بغرض زيادة التورط الأمريكي هناك، بما يحد من الخيارات الأمريكية تجاهها.

 

  • خامسًا: الرد على المفاوضات الروسية الموازية

سعت موسكو نحو الدخول على خط دعم مفاوضات السلام بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية منذ عام 2017، وتمكنت في جولة الحوار الثالثة التي استضافتها موسكو في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني 2018 -في إطار ما بات يعرف باسم “صيغة موسكو”- من عقد محادثات خلف أبواب مغلقة بين طالبان ونواب ووزراء خارجية البلدان الفاعلة، وهي تضم بالإضافة إلى روسيا وأفغانستان كلًا من الصين وباكستان وإيران والهند. كما أنها نجحت كذلك في عقد لقاء بين أطراف محسوبة على الحكومة الأفغانية، وحركة طالبان[12].

وعلى الرغم من أن هذه الجولة من المحادثات لم تنجح في تحقيق أي إنجاز على مسار التسوية السلمية، فقد ترتب عليها نتائج عدة، تمثل أولها في نجاح طالبان في الحصول على اعتراف إقليمي، خصوصًا مع عقدها لقاءات مع ممثلي الدول آنفة الذكر، الأمر الذي قد يغري الحركة بالتشدد في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، على أساس نجاحها في انتزاع اعتراف إقليمي بشرعية وجودها.

اقرأ أيضًا: كيف تعمل روسيا على زيادة نفوذها وتأثيرها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

على الجانب الأخر، تبدو واشنطن قلقة من الدور الروسي، الأمر الذي اتضح في عدم حضور واشنطن اجتماع موسكو، على الرغم من دعوتها لحضوره، ولذلك فإن استعانة واشنطن بالدور السعودي – الإماراتي يهدف إلى محاولة توظيف نفوذ الدولتين في مسعى لاستعادة مفاوضات السلام وإنعاش فرصها من جديد.

 

  • سادسًا: المشاركة في جهود إعادة الإعمار

يتطلب التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة الأفغانية ضرورة بذل جهود موازية على صعيد إعادة الإعمار بعد سنوات من الحرب الأهلية وما خلفته من دمار، وذلك لمساعدة الشعب الأفغاني على التخلص من تبعات الحرب، فضلًا عن محاربة الاتجار غير المشروع في المخدرات. ونظرًا لتراجع القدرات الاقتصادية لأفغانستان، فإن أهم أدوات النهوض الاقتصادي سوف تتمثل في الاستثمارات الخارجية.

ولا يمكن إغفال أن تحقيق الاستقرار يفتح الباب أمام ضرورة الاستثمار في أفغانستان، وتتعدد المشاريع في هذا الإطار، فهناك الحرص الصيني على التواجد هناك، خصوصًا في إطار مشروعها الحزام والطريق، الذي يمر بدول عدة تصل إلى 70 دولة منها أفغانستان[13]. وفي المقابل، تعمد الهند إلى إيجاد ممر تجاري يربطها بأفغانستان دون المرور بباكستان. وفي هذا الإطار، استثمرت الهند 500 مليون دولار في ميناء تشابهار الإيراني على خليج عُمان، الذي تهدف من خلاله إلى إقامة خطوط تجارية تربطها مباشرة بوسط آسيا وأفغانستان من خلال الأراضي الإيرانية[14]. ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذه المشاريع الاقتصادية المتنافسة، ولذلك وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على استثناء ميناء تشابهار من الحزمة الثانية من العقوبات[15]؛ إذ تدرك واشنطن جيدًا أن هناك محورًا إقليميًا مناوئًا لها يتشكل في أفغانستان، يتمثل في الصين وروسيا وباكستان[16]، ولذلك تسعى إلى مواجهة هذا المحور المناوئ عبر دعم المشاريع المنافسة له.

ومن ثم يمكن القول إن الاجتماع الرباعي يهدف إلى مواصلة الجهود الإقليمية لاستعادة الاستقرار الإقليمي في بلدان الصراعات، والتوصل لتسوية سلمية للأزمة الأفغانية، ووقف الأدوار التخريبية التي تضطلع بها بعض الدول مثل إيران، على نحو يكفل تفرغ الأفغانيين لجهود إعادة الإعمار بعد سنوات من الدمار.

 

المراجع:

[1]) اجتماع رباعي في أبو ظبي لبحث الجهود المبذولة لإعادة الأمن والاستقرار إلى أفغانستان، وكالة وام، 14 نوفمبر 2018، متاح على الموقع التالي: http://wam.ae/ar/details/1395302720569

[2]) Saudi Arabia and Afghanistan, Center for Strategic and Regional Studies, https://bit.ly/2DFvBDx

[3]) Margherita Stancati and Jessica Donati, Saudi Arabia Agrees to Help Reboot Peace Talks with Taliban, Wall Street Journal, March 30, 2018, https://on.wsj.com/2E7l13H

[4]) Saudi Arabia and Afghanistan, Center for Strategic and Regional Studies, https://bit.ly/2DFvBDx

[5]) Kamran Haider and Ismail Dilawar, Pakistan Secures $6 Billion Aid Package from Saudi Arabia, Bloomberg, October 23, 2018, https://bloom.bg/2JdUNkj

[6]) Competition over Kabul: Eager to please America, the Gulf states want a role in Afghanistan, The Economist, August 18, 2018, https://econ.st/2wqPR5Q

[7]) Russia Hosts Meeting on Afghanistan, The New York Times, November 9, 2018, https://nyti.ms/2Tdkwhq

[8]) دبلوماسي روسي: أغلبية “داعش” بأفغانستان من القوقاز وآسيا الوسطى، البوابة نيوز، 12 نوفمبر 2018، https://www.albawabhnews.com/3364586

 [9]) Michael Kugelman, What Was Mullah Mansour Doing in Iran?, Foreign Policy, MAY 27, 2016, http://goo.gl/s1abMp

[10]) Thomas Joscelyn, Analysis: Iran has supported the Taliban’s insurgency since late 2001, Long War Journal, May 29, 2016, http://goo.gl/zEXvdt

[11]) The Odd Couple: Why Iran Is Backing the Taliban, Stratfor Assessments, March 8, 2018,  https://bit.ly/2S6QoDN

[12]) رائد جبر، موسكو تستضيف «طالبان» بحضور «شبه رسمي» لكابل، الشرق الأوسط، 10 نوفمبر 2018، https://bit.ly/2PwwV1S

[13]) What does China want to achieve in Afghanistan?, DW, June 25, 2017, https://bit.ly/2TfH5SA

[14]) Iran Sanctions Threaten India’s Plans for Chabahar Port, The Maritime Executive, August 16, 2018, https://bit.ly/2QKM38q

[15]) بومبيو يوافق على استثناء ميناء إيراني من العقوبات، روسيا اليوم، 6 نوفمبر 2018، https://bit.ly/2QJWDN1

[16]) What does China want to achieve in Afghanistan?, op.cit.

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة