الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دوليةمقالات

“الإمبراطورية البارثية” والتلفيق الأكاديمي لتاريخ وحضارة مزعومَين

كيوبوست- تيسير خلف♦

استكمالاً لمقالَينا السابقَين حول مصطلح “الحضارة الفارسية”، وتاريخ السلالة الإخمينية وفضل العرب عليها، نتناول في مقالنا الثالث هذا الحقبة الوسيطة من تاريخ الفرس القديم؛ أي ما اصطلح على تسميتها حقبة “الإمبراطورية البارثية”، والتي يحلو للمؤرخين والآثاريين الغربيين منذ القرن التاسع عشر تصنيفها كوريثة سياسية وحضارية لإمبراطورية الإخمينيين، في سعي دؤوب للبرهنة على ديمومة الدولة والثقافة الفارسيتَين لأكثر من ألف عام متصلة.

ولكن هذا التصنيف التعسفي يفتقر إلى الكثير من الواقعية، ولا تدعمه المكتشفات الآثارية حتى الآن؛ فما تُسمى “الإمبراطورية البارثية” لم تكن أكثر من كيان هلامي خاضع للشد والجذب، ارتبط ذكره في المصادر اليونانية والرومانية بالحملات العسكرية، وبمدى قوة أو ضعف الدول المجاورة له.

اقرأ أيضًا: فضل العرب على الفرس الإخمينيين

غموض الأصل والنشأة

يسود الغموض أصل أسرة الحكام البارثيين، الأرشاكيين؛ وهي أسرة بدوية كانت تتزعم قبيلة غامضة الأصل تُدعى بارني تنتشر في مناطق تركمانستان الحالية، وهو ما يرجح أصلها الطوراني؛ خصوصاً أن اسم مؤسس السلالة “إرشاك”، يبدو تركياً أكثر منه فارسياً، ومع ذلك ثمة مَن يرجح أنها مجموعة إيرانية شرقية، علماً بأن هذه القبيلة البدوية أخذت اسمها المعروف في المصادر الرومانية “بارثيا” من اسم الإقليم الذي غزته في شمالي شرقي إيران الحالية.

ويستبعد الشاعر أبو قاسم الفردوسي (935- 1020 ميلادية) من ملحمته “الشاهنامة” أي أخبار تتعلق بدولة البارثيين الذين يُسميهم المؤرخون الفرس المسلمون بـ”دولة الأشكانيين”؛ فهو يعتبرهم حكاماً أجانب لا يمتون إلى الأمة الفارسية بصلة.

أبو قاسم الفردوسي

وبالإضافة إلى هذا الغموض، ثمة غموض آخر يحيط بتاريخ نشأة هذه السلالة وسيطرتها على المقاطعات الشرقية للإمبراطورية الإخمينية السابقة. فحسب التقسيمات الأكاديمية الغربية؛ يبدأ تاريخ الإمبراطورية البارثية من عام 247 قبل الميلاد، وهو تاريخ افتراضي من دون أي دليل نصي أو آثاري، على اعتبار أن هذا التاريخ هو نهاية السيطرة السلوقية على المنطقة، وثمة نقاشات حامية الوطيس بين الأكاديميين المتخصصين حول دقة هذا التاريخ؛ إذ يرجعه البعض منهم إلى 238 قبل الميلاد، لأسباب تتعلق بتاريخ الإجهاز النهائي على الحاكم السلوقي المتمرد على أنطاكية.

إمبراطورية فيدرالية!

ولكن المعطيات التاريخية لا تتحدث عن سلطة فعلية للبارثيين إلا في عهد ميثريدات الأول (171- 138 قبل الميلاد)، حيث تمددت سلطته في إيران القديمة وشمالي شرقي شبه القارة الهندية، ولم تكتمل إلا في عهد ميثريدات الثاني (123- 88 قبل الميلاد) بالسيطرة على حوض الفرات، وهي أوسع منطقة تصلها هذه الدولة، علماً بأن “الإمبراطورية البارثية” كانت تضم أكثر من عشرة ممالك محلية؛ بعضها يسك عملات خاصة به، وهو ما أوقع الباحثين المتحمسين لمصطلح الإمبراطورية في ارتباك، وجعلهم ينحتون مصطلحاً آخر متناقضاً بذاته؛ وهو “الإمبراطورية الفيدرالية”!

وحتى الآن لا توجد قائمة موحدة للسلالة البارثية، والسبب غياب المصادر الأصلية؛ من نقوش ووثائق ملكية، وسيادة الفوضى والحروب البينية في مناطق سيطرتها المزعومة. ووحدها العملات اعتمدها الباحثون في وضع التسلسل المعروف حالياً، والذي لا تدعمه النصوص التاريخية اليونانية والرومانية والحوليات الفلكية البابلية؛ إلا بجزء يسير.

اقرأ أيضًا : مصطلح “الحضارة الفارسية” حقيقة أم وهم؟!

الدور الصيني

ومن الأمور اللافتة في تاريخ السلالة البارثية؛ تزامن توسعها مع تحرك لافت للمبعوث الإمبراطوري الصيني “تشانغ تشيان”، الذي زار أقطار آسيا الوسطى وإيران والهند وشبه الجزيرة العربية ووداي الرافدين؛ للبحث عن حلول جذرية لطرق نقل الحرير الصيني التي عطلتها الاضطرابات في أواسط آسيا. وقد استغرقت رحلة المبعوث الصيني عشر سنوات، ختمها بجملة من المقترحات قدمها على شكل تقرير إلى إمبراطوره “وو دي” (140- 87 قبل الميلاد)؛ الذي هنأه على حسن إعداد تقريره الرسمي، وتبنى توصياته التي تدعو إلى إقامة العلاقات الودية مع سادة تلك المناطق المختلفة؛ ما أسهم جدياً في تسهيل انسياب قوافل الحرير عبر أراضيها بكل أمن وأمان. بالإضافة إلى فتح طريق جديد يمر عبر الأراضي الغربية لشبه القارة الهندية، وإيران وبلاد ما بين النهرَين.

وتبين الوثائق العائدة إلى سلالة هان الغربية الملكية، أن الإمبراطور “وو دي” أرسل بعثة دبلوماسية في عام 122 قبل الميلاد، إلى ملك البارثيين ميثريدات الثاني، عقدت معه اتفاق طريق الحرير البحري، وضمنت له عائدات طائلة أسهمت في انتعاش السلالة البارثية لثلاثة قرون قادمة. وقد عدَّد الجغرافي العربي إزيدور الميساني (نسبة إلى كرك ميسان) في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، محطات هذا الطريق باستفاضة في كتابه “المنازل البارثية”، وبيَّن أهميتها في طريق الحرير المذكور.

صفحة من إحدى نسخ الشاهنامة أشهر مؤلفات الفردوسي

حاجة تجارية

ولكن هذه العلاقة بين الصينيين والبارثيين لم تكن على خير ما يرام في بعض مراحلها؛ فالوثائق الصينية العائدة إلى نهاية القرن الأول الميلادي، تشير إلى شكوك صينية بقدرة البارثيين على حماية بعض مراحل ومناطق شبكة طريق الحرير العابرة لأراضيهم، وبحثهم عن وسائل للاتصال المباشر مع الرومان لتأمين طرق أكثر أماناً. ففي عام 97 ميلادي، حاول مبعوث صيني يُدعى “غان ينغ” الوصول إلى روما، فزار الملك البارثي باكوروس الثاني، وكذلك ملك ميسان العربي أتامبيلوس (لعله التيم بل)، قبل أن يسعى للوصول إلى عاصمة الرومان، غير أن سلطات البارثيين اختلقت له الكثير من العراقيل، وأوهمته بأن الرحلة إلى بلاد الرومان تحتاج إلى سنوات من السفر، وطافت به حول الجزيرة العربية في رحلة عبثية هدفها تيئيسه ومنعه من الوصول إلى غايته، فعاد خائب الرجاء إلى بلاده.

ولعل مبعث القلق البارثي من هذه الزيارة كان سيطرة الصينيين في تلك المرحلة على أجزاء واسعة من آسيا الوسطى؛ مما أشعر البارثيين بخطر سحب البساط من تحت أقدامهم، والاتفاق مع الرومان على وسائل جديدة لإيصال الحرير إلى العالم الغربي؛ خصوصاً أن الرومان باتوا أكبر مستهلك لهذه السلعة الاستراتيجية منذ القرن الأول الميلادي، إذ كان مطلوباً بشدة في عاصمتهم روما؛ في عصر تميز بالإقبال على متع الحياة.

اقرأ أيضًا :  الإمبراطوريات الإسلامية.. مدن الحضارة من مكة إلى دبي 1-2

ولا تشير المعطيات التاريخية إلى محاولات صينية أخرى لتغيير تلك المعادلة، رغم احتفاظ أرشيف أسرة هان الملكية الغربية بأخبار عن وصول مجموعة من التجار الرومان، إلى العاصمة هان لويانغ في عام 166م خلال عهد ماركوس أوريليوس (161- 180 ميلادية)، والإمبراطور “هوان هان” (146-168 ميلادية).

وهكذا نرى أن ظهور أخبار البارثيين في المصادر اليونانية والرومانية ارتبط بمرحلة ضعف وانحلال السلطة السلوقية من جهة، وصعود روما وسيطرتها على الأقاليم العربية من جهة أخرى، وهو ما يؤكد أن الفترة الطويلة نسبياً في استمرار حكم هذه السلالة ناتج بالدرجة الأولى عن توازنات القوى في العالم القديم، ورغبة الصينيين في استمرار تدفق تجارتهم إلى روما.  

صور للعملة البارثية القديمة (دراخما)

حضارة ملفقة

ذلك كان ما يخص التاريخ؛ أما ما يخص الحضارة فالمزاعم هنا كبيرة جداً، إذ ترِد في الموسوعات مصطلحات من قبيل “كتابة بارثية”، “عمارة بارثية”، “أزياء بارثية”، “فنون بارثية”، من دون مراعاة أي معيار أكاديمي أو علمي؛ فلو أخذنا اللغة الرسمية التي كانت معتمدة في البلاط البارثي سنجد أنها اللغة اليونانية، حتى إن ملوك هذه السلالة حتى عهد ميثريدات الثاني كانوا يُتبعون أسماءهم في عملاتهم بعبارة “محب الهيلينيين”؛ أي محب اليونانيين. ولا يقتصر التشبه باليونانيين على هذا الأمر؛ فقد اعتمدوا الكثير من عادات وألقاب الملوك الإغريق، ومنها حضور المسرحيات في المدرجات. ورغم ذلك كانت اللغة الثانية من حيث الاستخدام هي اللغة الآرامية، تليها لغات محلية في بعض المناطق المغلقة، ولذلك يبدو الحديث عن لغة أو كتابة بارثية بعيداً عن الدقة.

اقرأ أيضًا: الإمبراطوريات الإسلامية.. مدن الحضارة من مكة إلى دبي 2-2

ولا تخرج العمارة، التي عثر عليها في بعض المدن البارثية؛ مثل نيسا وفولوغياس وسلوقية.. وغيرها، عن أنماط العمارة الإغريقية، مع وجود تفاصيل محلية مطورة؛ مثل تفصيل “الإيوان” المقتبس عن الفترة الإخمينية، والمأخوذ بدوره عن أقواس بوابات بابل.

أما الأزياء التي تُسمى بارثية، فغالبية أمثلتها من مدينة تدمر والحضر والرها؛ وهي مدن عربية بشكل أو بآخر، تبعيتها للبارثيين مشكوك فيها، وإن حصلت فلفترات قليلة نسبياً، يضاف إلى ذلك أن فنون الفريسك المنسوبة إلى البارثيين كلها مأخوذة من مدينة دورا أوروبوس السورية، قرب دير الزور الحالية، وهي مدينة هلنستية تأسست في زمن الإسكندر، وكانت خارج سلطة البارثيين طوال تاريخها.

وبعد هذا كله؛ هل بقي شك في أن قصة هذه الإمبراطورية وحضارتها المزعومة، ليست أكثر من تلفيق أكاديمي معاصر لم يتورع عن السطو على عمارة وفنون لا علاقة للبارثيين بها أصلاً، ونسبتها إليهم؟

♦كاتب سوري

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

تيسير خلف

كاتب سوري

مقالات ذات صلة