شؤون خليجية

الإمارات والسعودية: علاقات أخوية استرتيجية ترتكز على وحدة المصير

ما سر التقارب الكبير في الرؤى والأهداف المشتركة؟

 خاص كيو بوست – كتب: أحمد أمين نمر

تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تناغمًا وانسجامًا يشكلان نموذجًا فريدًا للتعاون والتفاهم المشتركين، بين قيادتين نجحتا في تأسيس تحالف قوي ووثيق يمكنه من مواجهة التحديات والتغيرات الإقليمية والحفاظ على وحدة الشعوب وحماية المنطقة بشكل عام مما يحاك ضدها من مؤامرات في ظل التجاذبات والتعارضات التي تفرضها المصالح الإقليمية والدولية، فما سر نجاح العلاقات السعودية – الإماراتية؟ وكيف توحدت الرؤى والأهداف المشتركة بين البلدين؟ 

 

شراكة حقيقية

تجاوزت العلاقات بين البلدين التوافق السياسي والأطر التقليدية للعلاقات، حتى وصلت إلى الشراكة الحقيقية في الارتباط الفعلي والوثيق في التجارب المتشابهة إلى حد كبير، فقد بدأت قصة التوأمة بين المملكة وشقيقتها الإمارات منذ مرحلة التأسيس. في عام 1932، جاء إعلان قيام المملكة العربية السعودية التي جسدت معاني الوحدة الوطنية بين مختلف القبائل، نحو بناء دولة حديثة ذات خطط تنموية في أبرز حيز جغرافي في شبه الجزيرة العربية.

وبعد قرابة 30 عامًا، وبالتحديد عام 1971، شهدت المنطقة حدثًا تاريخيًا ومحوريًا جديدًا لاتحاد حقيقي مشابه جمع 7 إمارات تحت كيان وحدوي، يعتبر أنجح مثال للوحدة والاتحاد، لتُكونا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة نموذجين لبلدين وحدويين يتشابهان الأثر والنتيجة.

 ومنذ قيام الاتحاد في الإمارات على يد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بدأت العلاقات الثنائية بين البلدين في ترسيخ أسس صلبة على روابط الدم والمصير، وتحكمها وحدة الرؤى والمصالح في التعامل مع جميع القضايا الخليجية والعربية والعالمية، لتستمر في نهج التنسيق والتعاون والتشاور المستمر حول المستجد من القضايا، بما يكفل الانسجام التام والكامل للقرارات المتخذة من البلدين كافة، في الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وهذا ما أكده الشيخ زايد في حديث متلفز له: “إن دولة  الإمارات مع السعودية قلبًا وقالبًا، وعلينا  أن نقف وقفة رجل واحد، وأن نتآزر فيما بيننا، ونؤمن بأن المصير واحد”.

وجاء تكامل العلاقات بين السعودية والإمارات ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي الذي أسس في 25 مايو/أيار 1981، حيث أسهم التجانس بين دول المجلس في تمكينها من تبني مواقف موحدة تجاه العديد من القضايا السياسية، كان من أهمها قضية الاحتلال الإيراني لجزر الإمارات الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى)، والعلاقات مع إيران، والملف النووي الإيراني، إلى جانب القضية الفلسطينية، وقضايا العراق، ولبنان، والصومال، وباكستان، والسودان، وليبيا، ومصر، واليمن، وغيرها من الدول.

فعلى صعيد قضية الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران، ظلت المملكة العربية السعودية بجميع لقاءات قمم مجلس التعاون الخليجي المتعددة ومجالسه الوزارية وفي المحافل الدولية، تدعم حق سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من دولة الإمارات العربية المتحدة، كما ظلت تدعو الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى الاستجابة لمساعي الإمارات العربية المتحدة والمجتمع الدولي لحل القضية، من خلال المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، مؤكدة على موقفها الدائم والمستنكر لما تتعرض له الإمارات من ممارسات غير مقبولة من دولة مجاورة، دأبت على تجاهل حق الإمارات المشروع في جزرها الثلاث.

وبعد التدخل الإيراني في المنطقة بمحاولة نشر نفوذه وتعزيز تواجده وتهديد الاستقرار الأمني والقومي لدول الخليج العربي، برزت جليًا مواقف البلدين المشتركة تجاه القضايا السياسية المختلفة، والتعامل مع العالم كتجمع واحد، انطلاقًا من الأسس والثوابت التي ترتكز عليها السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي؛ التي من أهمها حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فتحملت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية مسؤولية الحفاظ على كيان ووحدة الدول العربية وحماية شعوبها، وذلك عبر تبنيها مواقف حازمة تجاه التدخل الإيراني، عبر أذرعها  العسكرية في عواصم بعض الدول العربية، فقد أدرك البلدان أهمية الوقوف في وجه المخططات الإيرانية في زعزعة أمن المنطقة، خصوصًا بعد انقلابها على الشرعية في الجمهورية اليمنية ودعم الميلشيات الحوثية عسكريًا ولوجستيًا، لبسط نفوذها وسيطرتها على المحافظات والمدن اليمنية، بعد محاولتها الفاشلة في زعزعة أمن مملكة البحرين.

 

مرحلة الشمولية

تنامت في السنوات الأخيرة العلاقات بين الرياض وأبوظبي لتكون في أوج توهجها، ولتدخل مرحلة الشمولية السياسية والاقتصادية والتنموية والعسكرية؛ ففي مارس/آذار 2015، شاركت الإمارات في التحالف العربي بقيادة السعودية ضمن عاصفة الحزم منذ بداية العملية العسكرية، وأدت القوات المسلحة الإماراتية أدوارًا إستراتيجية، حققت خلالها نجاحات تمثلت في تحرير مناطق حيوية وحساسة من قبضة الحوثيين.

ومنذ الأيام الأولى للعملية العسكرية، شاركت 30 مقاتلة إماراتية في العمليات باليمن، بالإضافة إلى المروحيات المقاتلة من طراز أباتشي، التي لعبت دورًا حاسمًا في المعارك التي دارت بالمناطق الجبلية، كما استمرت مشاركة القوات الإماراتية بجانب السعودية في أبريل/نيسان من العام ذاته بعملية إعادة الأمل، بعدما أعلنت وزارة الدفاع السعودية عن توقف عملية عاصفة الحزم، وبدء عملية إعادة الأمل، بعد إزالة جميع التهديدات التي تشكل تهديدًا لأمن السعودية والدول المجاورة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2015، كانت الإمارات من أولى الدول المشاركة في تأسيس التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب بقيادة المملكة العربية السعودية، الذي ضم 41 دولة مسلمة.

وفي شهر مايو/أيار عام 2016، أثمرت متانة العلاقات المشتركة إلى تأسيس المجلس التنسيقي السعودي الإماراتي، بتوجيهات العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزير آل سعود، ورئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، الذي يمثل بعدًا إستراتيجيًا في الطريقة التي تسعى بها الدولتان لمعالجة التحديات، بالاعتماد على مصادر القوة بين البلدين، فقد أعلن خلال اجتماعه الأول في جدة بداية شهر يونيو/حزيران 2018، الذي ترأسه ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، عن الهيكل التنظيمي للمجلس، الذي تم تشكيله بهدف تكثيف التعاون الثنائي ومتابعة تنفيذ المشاريع والبرامج المرصودة، بالإضافة إلى توقيع 20 اتفاقية و44 مشروعًا مشتركًا.

وجاءت الاتفاقيات حصيلة عمل 350 مسؤولًا من البلدين خلال 12 شهرًا لصياغة “إستراتيجية العزم” لترسيخ التكامل بين السعودية والإمارات، علمًا أن حجم اقتصاد البلدين يمثل ناتجًا محليًا يبلغ تريليون دولار “الأكبر في الشرق الأوسط”، فيما تصل صادراتهما المشتركة في الترتيب الرابع عالميًا بقيمة 750 مليار دولار، أما استثماراتهما السنوية في البنية التحتية فتقدر بـ150 مليار دولار، ما يشير إلى أن هناك فرصًا استثنائية للتعاون بينهما.

 

منظومة أمن واستقرار

وفي ظل هذه التفاهمات الكبيرة بين قيادة البلدين، يؤكد الخبراء والمحللون أن السعودية والإمارات تمكنتا من خلق نموذج مثالي للتعاون والتبادل المشترك، تطمح إلى تحقيقه أي دولتين متحالفتين في العالم. كما شكلت الدولتان مثالًا للوعي المشترك بطبيعة المتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة، وأهمية التعامل معها بسياسات ومواقف متسقة ومتكاملة، إذ تتعاطيان بشكل موحد مع القضايا والمستجدات، من خلال مبدأ التكاتف في مواجهة التحديات والصعوبات التي تواجه العالم العربي، مما دشّن منظومة أمن واستقرار في المنطقة.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة