الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربية

الإمارات.. تقدّم مستمر في مؤشر القوة الناعمة

كيوبوست- منير بن وبر

حازت دولة الإمارات العربية المتحدة المركز الخامس عشر في تصنيفِ مؤشر القوة الناعمة العالمي في العام 2022، وهو أعلى مركز تصل إليه أي دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

تأتي هذه المرتبة المتقدمة بعد تحسن بمقدار درجتين مقارنة بالعام 2021؛ حيث كانت دولة الإمارات في المرتبة 17 في مؤشر القوة الناعمة الصادر عن “براند فاينانس”، الشركة الأمريكية الرائدة في العالم في مجال تقييم العلامات التجارية والاستشارات الاستراتيجية. 

أفضل المحاور والمقاييس التي ضمنت للإمارات هذه المكانة كانت مجالات التجارة والأعمال، والقدرة على التأثير، ومجال التعليم والعلوم. تُعرَّف القوة الناعمة بأنها قدرة الدولة على التأثير على سلوك الدول الأخرى من خلال جاذبية ثقافتها ومُثُلها السياسية، وسياستها الخارجية؛ لذلك، وضعت شركة “براند فاينانس” أحد عشر مقياساً يندرج تحته 37 من الضوابط المهمة لقياس القوة الناعمة لـ 120 أمة حول العالم.

اقرأ أيضاً: الإمارات ترسم نهاية تنظيم خطير لتجارة البشر

تُعد الكيفية التي يتصور بها الآخرون دولةً ما أحد أهم مقاييس القوة الناعمة. يمكن أن تتأثر تصورات الآخرين حول أي دولة بأشياء مثل دبلوماسية الدولة، والاستقرار الاقتصادي، وسجل حقوق الإنسان، ومستوى التعليم. يُعتقد أن الدولة التي تتمتع بسمعةٍ حسنة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها دون اللجوء إلى القوة، كما يصبح لديها قدرات أفضل على بناء الثقة والتعاون الدولي. زيادةً على ذلك، يمكن للقوة الناعمة أن تؤدي إلى تغييرٍ إيجابي في المجتمعات، وتجعل العالم مكاناً أفضل للعيش.

تحسن مستمر

وفقاً لبيانات شركة “براند فاينانس” فقد حققت دولة الإمارات أداءً أفضل في العديد من المقاييس في مؤشر القوة الناعمة لسنة 2022 مقارنة بـ 2021. من بين ذلك، أفضل أداء في مجال الأعمال والتجارة، حيث حازت على المرتبة العاشرة على مستوى العالم. جاءت الإمارات في المرتبة العاشرة عالمياً أيضاً في مقياس التأثير. كما سجَّلت أسرع تحسن لها في مجال التعليم والعلوم.

يندرج تحت مقياس الأعمال والتجارة عدد من المعايير، منها سهولة تنفيذ الأعمال التجارية مع الدولة أو فيها، حيث حصلت الإمارات على المرتبة الرابعة عالمياً في هذا الشأن. كما نالت المرتبة الثامنة عالمياً فيما يتعلق بالاستقرار والقوة الاقتصادية.

كان التنظيم الناجح والتعامل المثالي مع جائحة كوفيد 19 عوامل مهمة في تحقيق الإمارات مكانة تجارية واستثمارية متفوقة.

افتتاح معرض إكسبو 2020 في دبي- Getty Images

تقدمت الإمارات من المرتبة 12، في العام 2021، إلى المرتبة العاشرة في العام 2022 في مقياس التأثير. وهو مقياس يتأثر بقدرة الدولة الدبلوماسية، وقدرتها على بناء علاقات حسنة مع الدول الأخرى، ونشاط الدولة فيما يتعلق بتقديم المساعدات إلى الدول المحتاجة. كان لاتفاقية “ابراهام”، وتبرعات الإمارات خلال جائحة كوفيد 19 دور مهم في تحسين علاقاتها وصورتها الخارجية.

حققت الإمارات أخيراً تقدماً لافتاً للنظر في مجال التعليم والعلوم؛ حيث تقدمت عالمياً من المرتبة 19 إلى 17. يُعزى ذلك إلى حدٍّ كبير إلى تركيز الدولة في مجال تبني التقنيات الحديثة، وتحسين التعليم، واستكشاف الفضاء. 

اقرأ أيضاً: المغرب والإمارات: التسامح والإسلام المعتدل بوابة لمكافحة التطرف العنيف

شملت المجالات الأخرى -التي شهدت تحسناً كذلك- المجالات الثقافية والتراثية، والإعلام والاتصال، والقِيم والناس. حيث تُؤخذ بعين الاعتبار ضوابط مثل جاذبية معالم الدولة، وتأثير وموثوقية وسائل الإعلام، ومدى سخاء ورحابة الشعوب.

أهمية القوة الناعمة

صاغ مصطلح “القوة الناعمة” جوزيف ناي من جامعة هارفارد الأمريكية في أواخر الثمانينيات. ومنذ ذلك الحين أصبح مصطلحاً شائع الاستخدام في مجال العلاقات الدولية والأمن.

تصف القوة الناعمة قدرة الدولة على التأثير في الدول الأخرى من خلال الجاذبية الثقافية والقِيم السياسية وحُسن العلاقات الخارجية. إنها الطرف النقيض للقوة الصلبة، التي تعني استخدام الدول القوة والإكراه من أجل الحصول على ما تريد من الدول الأخرى.

تكتسب القوة الناعمة أهمية كبيرة لعدة أسباب. من الناحية الاستراتيجية، تمكن القوة الناعمة الدول من تحقيق أهدافها الخارجية دون اللجوء إلى العنف أو الإرغام، كما تجعلها أكثر قدرة على عقد التحالفات وجذب الشُركاء الذين يساهمون في ازدهار واستقرار الدولة.

من ناحيةٍ أخرى، تساعد القوة الناعمة الدول على تحمل الضغوط الدبلوماسية في عالم اليوم المعولم والمتقلب. في نهاية المطاف، يؤدي كل ذلك إلى جعل الدولة شريكاً فعّالاً في تحقيقِ نظامٍ عالمي مستقر قائم على القِيم والمعايير المشتركة، كما يقول جوزيف ناي.

مسجد الشيخ زايد في أبوظبي- Getty Images

يمكن القول إن مقاربات القوة الصارمة للأمن لم تعد كافية في زمن الاعتماد المتبادل. بل، لتحقيق أقصى قدر من الأمن، أصبح على الدول الاعتماد بشكلٍ متزايد على القوة الناعمة. في حين أن القوة الصارمة، أو الصلبة، تتعلق بالقوة العسكرية والضغط الاقتصادي، فإن القوة الناعمة تتعلق بالجاذبية والإقناع. عندما تكون الدول قادرة على إبراز قيمها ومُثلها بطريقة تروق للآخرين، فإنها تصبح أكثر فعالية في تشكيل تفضيلاتهم وجذبهم إلى جانبها؛ وبذلك تصبح القوة الناعمة أداة أساسية في تحقيق أقصى درجات الأمن للدولة، وتقليل الحاجة إلى أساليب القوة الصلبة مثل الإكراه والقوة.

التجارة، الاقتصاد، والسياسات الخارجية

يعتبر الاقتصاد والممارسات التجارية والسياسات الخارجية عناصر مهمة في الاستخدام الفعّال للقوة الناعمة. إن الدولة ذات الاقتصاد القوي والمستقر قادرة على إبراز قوتها من خلال التجارة والاستثمار. 

يُنظر إلى الدولة التي تنخرط في ممارساتٍ تجارية عادلة ومفتوحة على أنها جهة فاعلة ومسؤولة، وشريك موثوق به، ويُعتمد عليه. كما أنه من المرجح احترام الدولة التي تنتهج سياسة خارجية نشطة وقائمة على المبادئ والتعاون. يُنظر إلى مثل هذه الدول بإعجابٍ شديد، وقبولٍ عالمي، بسبب سياساتها الخارجية العادلة والخيرية.

اقرأ أيضاً: سفطلوفا لـ”كيوبوست”: الإمارات تتطور بوتيرة سريعة تتسق مع أهدافها

يعتبر الاستقرار الاقتصادي للبلاد ضرورياً لتعزيز أهداف سياستها الخارجية. يسمح الاقتصاد القوي للدولة بمتابعة أهدافها بشكلٍ أكثر كفاءة، كما يعتبر الاستقرار الاقتصادي مصدر قوة ومصداقية على الساحة الدولية. إن الدولة التي تتمتع باقتصادٍ قوي ومستقر يتم التعامل معها بجدية أكبر من قبل الدول الأخرى، كما أنها تصبح أكثر قدرة على تشكيل نتائج المفاوضات.

تتأثر السياسة الخارجية أيضاً بالعوامل الاقتصادية مثل التجارة والاستثمار. غالباً ما تكون البلدان التي تعتمد اقتصادياً على دول أخرى أقل قدرة على ممارسة سياساتها الخارجية المستقلة. أخيراً، يمكن أن يساعد الاستقرار الاقتصادي في منع النزاعات أو حلّها؛ فالبلدان القوية اقتصادياً أقل عرضة للاضطرابات الداخلية أو العدوان الخارجي.

توقيع اتفاقية اقتصادية بين الإمارات والهند في نيودلهي- PTI

إضافةً إلى كل ذلك، لا يمكن تخطي الدور المهم لرؤية القيادة السياسية، والإلهام في تشكيل القوة الناعمة لأي دولة. إذا كان يُنظر إلى القادة على أنهم مصدر إلهام وكفاءة، وأن لديهم رؤية واضحة وملهمة للمستقبل، فيمكن أن يساعد ذلك بشكلٍ حاسم في بناء سمعة الدولة، وجعلها أكثر جاذبية للآخرين. علاوةً على زيادة القدرة على توليد الدعم المحلي والخارجي. 

يجب أن يكون لدى الدولة الطامحة إلى مستوى عالٍ من القوة الناعمة قيادة سياسية ذات رؤية، وقادرة على التعبير عن هذه الرؤية بطريقةٍ مقنعة وجذابة للآخرين. كما يجب أن تكون قادرة على وضعها موضع التنفيذ لكي تُظهر للعالم أنها قوة إيجابية من أجل التغيير.

لقد عملت القيادة الإماراتية، طوال عقود، جنباً إلى جنب مع شعبها المتفاني، لتحقيق مكانة عالمية طموحة متفوقة على كل دول المنطقة، وسيكون التحدي التالي هو الحفاظ على كل تلك المكتسبات، وتحقيق المزيد، من خلال سياسةٍ خارجية حكيمة، واقتصادٍ مزدهر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة