الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربيةمقالات

الإمارات العربية المتحدة تستعد للاحتفال بعيد ميلادها الخمسين

كيوبوست – خاص

د. دينيس ساموت

عندما يتحدث المرء عن دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم، ببعثتها إلى المريخ وإنجازاتها المتطورة في مجالات البيئة والمحميات الطبيعية، وبأبراج دبي الساحرة والنهضة الثقافية في الإمارات السبع، فسيكون من الصعب، بل من المستحيل، مجرد التفكير في أن هذه الدولة لم تكن موجودة قبل خمسين عاماً؛ بل إن الإمارات السبع الصغيرة التي تشكَّل منها الاتحاد لم تكن في حينها سوى قرى صيد صغيرة هزيلة الاقتصاد، غالباً ما تتناحر في ما بينها.

في عام 1971 بدأت أبوظبي بالحصول على بعض العائدات المالية من النفط، وكان تجار دبي نشيطين ومبتكرين؛ ولكن حتى مع أكبر شطحات الخيال، لم يكن بوسعك أن تتخيل إمارات اليوم من خلال النظر إلى ما كان موجوداً في ذلك الحين.

من السهل، ومن الخطأ الفادح في آن معاً، أن نقول إن معجزة الإمارات هي معجزة أموال؛ فالمال يساعد من دون شك، ولكنه لا يمكن أن يكون هو الحل النهائي. وبالتعمق أكثر يمكننا أن نرى أن نجاح الإمارات العربية المتحدة يرجع إلى أربعة أسباب مختلفة؛ ولكن أحدها يعزز الآخر:

  • القيادة السليمة
  • الحكم الرشيد
  • سياسات خارجية واقتصادية متوازنة
  • طموح وطني جامع

ولا ينبغي المبالغة والقول إنه لم يكن هنالك من أخطاء قد ارتكبت خلال السنوات الخمسين الماضية، بالطبع كانت هنالك أخطاء؛ ولكن من الموضوعي والمثير للاهتمام أكثر أن نبحث في الوصفة التي أوصلت البلاد في نهاية المطاف إلى هذا النجاح الكبير.

اقرأ أيضاً: فرحة عارمة مع بلوغ مسبار «الأمل» الإماراتي مدار المريخ

القيادة السليمة

كثيراً ما قيل؛ ولكن يجب تكرار القول بأن حكمة وشخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، قد جعلت إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة ممكناً، وحددت ماهيتها خلال السنوات التكوينية الأولى الحاسمة من خلال الموازنة الدقيقة بين العوامل المختلفة الداخلية منها والخارجية.

فعلى الصعيد الداخلي، حافظ المغفور له الشيخ زايد، على الاتحاد، في حين اعتقد كثيرون أنه لن يقوم أو أنه سينهار خلال أسابيع قليلة. كان هنالك الكثير من الأمثلة على فشل اتحادات وفيدراليات قامت القوى الاستعمارية بتجميعها على عجل قبل مغادرتها، وهذا ما برر التوقعات بفشل الاتحاد بين الإمارات السبع. ومن خلال أبحاثي التاريخية، التقيت بعضاً ممن كانوا قريبين من العملية في تلك السنوات المبكرة، وراجعت المئات من الوثائق؛ وكلها كانت تشير إلى حقيقة أن شخصية الشيخ زايد هي التي رجحت كفة الميزان نحو النجاح.

داخلياً كان الجزء الأساسي من الصورة يتمثل في دبي، وقائدها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. البريطانيون الذين دفعوا باتجاه الاتحاد -على الرغم من شكوكهم في إمكانية نجاحه- تفاجأوا من قدرة الشيخ زايد والشيخ راشد على وضع الخلافات جانباً، والعمل معاً على تأسيس الإمارات العربية المتحدة. كانت الإمارات الأخرى أصغر وأضعف من أن تبقى بمفردها، وقد حرص الشيخ زايد على أن يسهل (لقادتها) اتخاذ القرار الصحيح أيضاً.

الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة- أرشيف

أما خارجياً؛ فالتحديات كانت أكبر بكثير. ونظرت القوى الإقليمية إلى الاتحاد الجديد؛ بعضها بنيَّاتٍ طيبة والبعض الآخر كان غير ذلك. وهنا أيضاً كانت قدرة الشيخ زايد على موازنةِ العلاقات مع الدول المجاورة في تلك السنوات الأولى الحاسمة أمراً حيوياً للغاية.

بدا أنه في تلك السنوات لم يكن لدولة الإمارات العربية المتحدة أعداء؛ بل أصدقاء فقط، وهذا ما أكسب الاتحاد الوقت ليقف على قدمَيه، غير أن ظهور الثورة الإيرانية عام 1979 قد غير كل ذلك، وفجأة أصبحت هنالك قوة مزعزعة في دولة مجاورة، وأصبحت إدارة هذا الجوار واحدة من أكبر التحديات التي واجهت الدولة منذ نشأتها. وكانت هنالك تحديات أخرى؛ كالحرب العراقية- الإيرانية، وحرب الخليج الأولى ثم الثانية، على سبيل المثال. وأصبح لزاماً على البراءة السياسية، التي تميزت بها الإمارات العربية المتحدة في سنواتها الأولى، أن تفسح المجال أمام البراغماتية. كان على الإمارات أن تصبح قوة إقليمية بحد ذاتها، وقد استغرق ذلك بعض الوقت، ولم يكن بالأمر السهل.

اقرأ أيضاً: بطولات وإنجازات عسكرية وإنسانية.. عودة الجنود الإماراتيين من اليمن

ومع ذلك يمكن القول إن ذلك قد تحقق في ظل قيادة الشيخ محمد بن زايد، وأصبحت البلاد الآن تلعب دورها في الدفاع عن نفسها وعن أصدقائها. وبالطبع كانت لذلك الأمر تكلفة أيضاً؛ انخرطت الإمارات في أولى حروبها عام 2015 عندما انضمت إلى التحالف لإعادة الحكومة الشرعية في اليمن، بعد أن أطاحت بها حركة الحوثي المدعومة من إيران. لا شك أن وصول جثامين الشهداء من تلك الحرب كان من أصعب اللحظات في تاريخ الإمارات العربية المتحدة الفتي؛ ولكن البلاد تعاملت مع الأمر بشجاعة وكرامة.

الإمارات العربية المتحدة تعاملت مع ألم استشهاد جنودها بشجاعة وكرامة- أرشيف

ولكنْ هنالك شيء غالباً ما لا يستطيع الأجانب فهمه بالشكل الصحيح عندما ينظرون إلى الإمارات؛ وهو العلاقة بين الأسر الحاكمة والشعب، فليس من السهل الحفاظ على هذه الرابطة التي تعود جذورها إلى التقاليد القبلية العريقة في ظلِّ ضغوط العالم الحديث. وقد نجحت الإمارات في هذا الشأن حتى الآن، وستكون المحافظة عليه وتطويره هما التحدي الأكبر للخمسين سنة القادمة.

اقرأ أيضاً: مؤشر القوة الناعمة 2021: تقدم عربي وتراجع أمريكي.. والإمارات ضمن العشرين الأوائل

الحوكمة

وهذا ما يقودني إلى النقطة الثانية؛ وهي الحوكمة، يتفاجأ الكثيرون ممن يزورون الإمارات بمدى كفاءة العمل الحكومي فيها؛ صحيح أن المرء يمكن أن يقول إن الحكومة لديها المال اللازم لتطبيق أفضل الممارسات، ولكن مرة أخرى المال وحده لا يصنع الحكم الرشيد الذي يتطلب الإرادة السياسية والقيادة والإخلاص والرؤية. حققت الإمارات سمعة طيبة بوجود نظام قانوني سليم وقوي؛ وهذا أمر أساسي لنجاح الدولة كلاعب اقتصادي. ويحظى مبدأ المساواة للجميع أمام القانون باحترام كبير.

ويبدي كثيرون إعجابهم بالابتكارات التي أُدخلت في حكومة الإمارات منذ أن تولى الشيخ محمد بن راشد، منصب رئيس الوزراء؛ خصوصاً بعدد الشباب الذين يشغلون مناصب وزارية.

مركز محمد بن راشد للابتكار الحكومي- أرشيف

موازنة السياسات الخارجية والاقتصادية للبلاد

الإمارات العربية المتحدة بلد صغير في محيط صعب؛ لذلك يجب على سياستها الخارجية أن تأخذ بعين الاعتبار عوامل عديدة، ويجب أن تسير جنباً إلى جنب مع سياساتها الاقتصادية. في السنوات المبكرة كانت الركيزتان الأساسيتان لاقتصاد البلاد هما النفط في أبوظبي، والتجارة والخدمات في دبي؛ ولكن هذا التوصيف ليس دقيقاً أو قاطعاً، وأصبح التفكير بهذه الطريقة غير صحيح في الوقت الراهن؛ فأبوظبي تبذل جهوداً ضخمة لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط، وتبدو آفاق هذا التوجه مشجعة جداً.

اقرأ أيضاً: فك شيفرة دبلوماسية الإمارات في جنوب آسيا

على مدى السنوات الخمسين الماضية ظلت الإمارات راسخة بقوة في المعسكر الغربي. في عام 1971 حلَّ الأمريكان محل البريطانيين كقوة قيادية في الخليج، وأقاموا علاقات وثيقة مع قيادة الإمارات. ومن المرجح أن تستمر هذه العلاقات في ظل التهديدات الإقليمية؛ خصوصاً من إيران، ولكن الإمارات قد طورت أيضاً علاقات قوية مع روسيا والصين والهند. وإدارة هذه العلاقات ستكون من التحديات الرئيسية خلال العقد المقبل؛ خصوصاً بعد أن أصبح الغرب ينظر إلى الصين على أنها منافس استراتيجي، ولم تعد شريكاً. وفي مرحلة ما سيتعين على الإمارات العربية المتحدة أن تختار، وهذا الاختيار سوف يحدد المستقبل. من الحكمة المحافظة على نهج الشيخ زايد في وجود أصدقاء في كل مكان؛ ولكن لسوء الحظ، نحن نعيش في عالم أكثر تعقيداً، ولذلك فإن موازنة العلاقات قد لا تكون أمراً سهلاً.

الإمارات العربية المتحدة والصين تعززان علاقاتهما الاستراتيجية- “شينخوا”

طموح وطني جامع

لكل دولة خطابها الوطني الخاص، وسبب وجودها، وميزاتها الرئيسية، ورؤيتها. والإمارات العربية المتحدة ليست استثناءً؛ ولكن الأمر المختلف هو أن الإمارات كانت في السنوات الأخيرة تبني طموحاً وطنياً قائماً على السعي للتميز والنجاح. إنها رؤية تجمع بين القيادة والشعب على مساحة الإمارات السبع، وعلى مستوى المجتمع ككل. والأهم من ذلك هو أن هذا الطموح الوطني يتبناه جيل جديد من الشباب الإماراتي الذين جعلوا منه طموحهم الشخصي. ويجب ألا نقلل من أهمية هذا الأمر. قبل نحو خمسين عاماً ربما توقع البعض أن الثروة النفطية الجديدة ستؤدي إلى انتشار الكسل والبدانة بين الإماراتيين؛ ولكن هذا لم يحدث. يستيقظ الشباب الإماراتي صباحاً للذهاب إلى العمل؛ سواء أكان ذلك العمل في التجارة أو في وظيفة حكومية أو في صناعة الخدمات التي تنمو بسرع كبيرة. وأصبح الطموح الوطني بالنجاح والتميز مزروعاً في الروح الوطنية في البلاد، وربما هذا الأمر يشكل الضمان الأفضل من أي شيء آخر لتحقيق النجاح في المستقبل.

اقرأ أيضاً: تشغيل المفاعل الثاني في براكة يعزز مسيرة الإمارات العلمية

يحق للإماراتيين الاحتفال بيوبيل بلادهم هذا العام، ويمكن أن تكون هذه فرصة رائعة لتقييم ما حدث في العقود الخمسة الأخيرة، والنظر في ما نجح وفي ما لم ينجح، والتعلم من الأخطاء والاحتفال بالنجاحات. كما أن هذا الوقت هو أيضاً الوقت المناسب للتفكير في المستقبل، وللتعبير أكثر عن الرؤية الوطنية ولرسم طموح وطني يوحد جميع فئات المجتمع على مساحة الإمارات السبع.

♦الدكتور دينيس ساموت: قدم أطروحة دكتوراه في جامعة أكسفورد بعنوان “نهاية الفترة البريطانية في الخليج (1951- 1972)”. وهو أيضاً مدير مؤسسة “لينكس يوروب” في لاهاي. ([email protected])

لقراءة الأصل الإنكليزي: UAE at fifty

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة