الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربيةمشاريع الخمسينمقالات

الإمارات العربية المتحدة، ما هو آت سيكون أفضل

كيوبوست

د. دينيس ساموت♦

تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الأيام بالذكرى الحادية والخمسين لتأسيسها، وهي المناسبة التي دائماً ما تكون فرصة لمراجعة تاريخ هذه الدولة الفتية، أصولها المتواضعة ورؤية والدها المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإنجازاتها خلال نصف قرن من تأسيسها. لكن هذا العام شهد أيضاً تولي الشيخ محمد بن زايد منصبه حاكماً لإمارة أبوظبي، كما تم انتخابه، وفقاً لدستور الإمارات، من قبل المجلس الأعلى للاتحاد رئيساً للدولة.

وقد كان الشيخ محمد بن زايد في طليعة قيادة الإمارات منذ أكثر من عشر سنوات، حيث ترك بصماتٍ ناصعة في البلاد في العديد من المجالات. وفور توليه قيادة الدولة شرع الشيخ محمد في عملية تحويل البلاد إلى دولة رائدة عالمياً في مجالات متعددة، على الرغم من صغر حجمها، وقلة عدد سكانها.

الإمارات قصة نجاح خلال نصف قرن

أساسات متواضعة ولكنها متينة شكلت قاعدة للنجاح

من الصعب على المرء -حتى الإماراتيين الذين ولدوا بعد تأسيس دولة الإمارات- أن يتخيل كم كانت الحياة مختلفة فيها. كانت المشيخات السبع تدار كمحميات بريطانية لمدة قرن من الزمان بموجب معاهدات قديمة وفرت الحماية البريطانية لها مقابل الولاء المطلق واحتكار الموارد. وقد كانت هذه المعاهدات تخدم مصالح البريطانيين بشكلٍ كبير، حيث وفرت لهم سيطرة فعلية كاملة على المشيخات السبع دون أن يتحملوا أية مسؤولية عن رفاهية شعوبها، وحملوا مسؤولية ذلك لحكامها المحليين الذين كان يتمتعون بالسيطرة على الشؤون الداخلية في مشيخاتهم، بينما كان البريطانيون يسيطرون على كل ما هو مهم فيها.

كانت الحياة صعبة للغاية، وكان الفقر هو السمة السائدة بين الناس. ولم يكن هنالك من بيوت من الحجر سوى منزل الحاكم، وعدد قليل من المنازل الأخرى، وكان معظم الناس يعيشون في أكواخ من سعف النخيل. وقد وصف المسؤول السياسي البريطاني في أبوظبي الوضع هناك بإيجاز شديد في مقابلة له مع متحف الحرب الإمبراطوري في عام 2001، بقوله: “كان الفقر مذهلاً للغاية، ولكنه لم يكن مهيناً، فقد كان الناس هنالك يحتفظون بكرامتهم دائماً”.

تحولت الحياة في الإمارات بشكل جذري وبات التطور سمة بارزة

وفي دبي وبعض الإمارات الشمالية كان الغوص بحثاً عن اللؤلؤ هو المصدر الرئيسي لأرزاق الناس حتى منتصف القرن العشرين، عندما بدأ إنتاج اللؤلؤ المستنبت، الأمر الذي كان له عواقب وخيمة على الناس هناك.

أسهمت التطورات الجيوسياسية واكتشاف النفط في تغيير الوضع مع نهاية الخمسينيات، ولكن بوتيرة بطيئة للغاية في بداية الأمر.

الروابط بين العائلات الحاكمة والشعب

كمؤرخ يبحث في شؤون الخليج العربي تحت الحكم البريطاني، دائما ما أثارت دهشتي ميزة واحدة تجمع المشيخات السبع، وهي الروابط المتينة بين الحكام والشعوب، الأمر الذي أصبح في نهاية المطاف عاملاً رئيسياً في استقرار المنطقة وقدرتها على مخالفة كل التوقعات بفشل الاتحاد، وكذلك في النجاح الكبير الذي تحققه دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم.

صحيح أن عدد سكان المشيخات السبع كان قليلاً، وكان هنالك عائلات حاكمة متعددة مثل آل نهيان في أبوظبي، وآل مكتوم في دبي، والقاسمي في الشارقة، إلا أن علاقة هذه العائلات مع السكان كانت متداخلة وعميقة، مما جعل الجميع عائلة واحدة كبيرة. وقد كان السخط الشعبي الصريح أمراً نادراً للغاية، واقتصر الأمر على شكل من أشكال التذمر الذي يمكنك أن تجده في أي عائلة كبيرة، وفي اللحظات الصعبة دائماً ما التف الناس حول حكامهم. ولا تزال هذه الرابطة، من نواحٍ عديدة، الأساس الذي يقوم عليه المجتمع والحوكمة في الإمارات، وعاملاً رئيسياً من عوامل نجاحها.

العدد التقديري لسكان الإمارات السبع في عام 1965:

الإمارة

عدد السكان

دبي

60,000 نسمة

أبوظبي

25,000 نسمة

الشارقة

15,000 نسمة

رأس الخيمة

12,000 نسمة

الفجيرة

3,500   نسمة

أم القيوين

3,000   نسمة

عجمان

2,500   نسمة

زوبعة التغيرات

بدأت الحياة تتغير تدريجياً بحلول عام 1971. بدأت عائدات النفط بالظهور وظهرت معها طفرة البناء، وتم افتتاح مطار دبي الذي حوّلها من قرية صيد نائمة إلى مدينة عالمية كبيرة من خلال الرؤية إن لم يكن من خلال الحجم وعدد السكان. في السنوات الأولى كان البعض يخشى من تفكك الاتحاد بمجرد مغادرة البريطانيين، كما حدث في الهياكل السياسية البريطانية الأخرى في الشرق الأوسط ووسط إفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي وغيرها. ولكن الإمارات -على عكس كل تلك الهياكل- لم تكن هيكلاً بريطانياً، فقد وضع البريطانيون تصوراً مختلفاً لاتحاد يضم البحرين وقطر، ومن المرجح أنه كان سينهار في نهاية المطاف. وفي الفترة الواقعة بين عامي 1969 و1971 ارتقى حكام الإمارات المتصالحة إلى مستوى المناسبة ووضعوا خلافاتهم جانباً، واتخذوا ما كان في حينه خطوة تاريخية جريئة تمثلت في إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة.

وفي جميع وثائق هذه المرحلة يبرز عامل مشترك واضح هو دور شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في بناء الإجماع وحشد الزخم من أجل الاتحاد. وأولئك الذين يطلقون على الشيح زايد لقب “أبو الأمة” لديهم ما يبرر ذلك تماماً؛ فحكمته وكرمه جعلا من الإمارات العربية المتحدة دولة على أرض الواقع.

إن إنجازات نصف القرن الماضي موثقة بشكلٍ جيد، فقد صاحب الانتعاش الاقتصادي عملية بناء الدولة، وتغيرت حياة المواطن الإماراتي العادي إلى ما هو أبعد من الخيال، فقد تحوّل صياد وبدوي الأمس إلى رائد أعمال ومبدع اليوم. وقد بدأت هذه التغيرات بعد الاستقلال مباشرة، ولكنها تسارعت كثيراً خلال العقد الماضي.

الركائز الخمس لنجاح الإمارات وطموحاتها المستقبلية

عند النظر إلى الإمارات العربية المتحدة خلال العقد الماضي، يمكن للمرء أن يحدد خمسة مجالات رئيسية أصبحت الركائز التي يقوم عليها مصير الدولة. ولا شك في أن نجاح قيادة الإمارات في تحديد هذه الركائز وضمان نجاحها في هذه المجالات هو المحرك الدافع الذي أوصل الإمارات إلى الفصل التالي من تاريخها بهذه الثقة الكبيرة.

لا يمكن الاستهانة بالدور المركزي للشعب في نجاح مشروع الإمارات العربية المتحدة

الشعب

لا يمكن الاستهانة بالدور المركزي للشعب في نجاح مشروع الإمارات العربية المتحدة، فالدولة التي بدأت بعدد سكان قليل، غالبيته من الأميين، أصبحت اليوم قادرة على إطلاق بعثات إلى المريخ، والتفاعل بثقة مع الدول الكبرى على المسرح العالمي.

إن مجموعة من الكوادر الشابة الواثقة والحائزة على درجات تعليمية عليا هي المحرك والقوة الدافعة لمشروع الإمارات العربية المتحدة. وقد عبر لي مؤخراً أحد الدبلوماسيين في إحدى العواصم الغربية عن مدى إعجابه بالدبلوماسيين الإماراتيين الشباب الذين كان يتعامل معهم. وهذه القفزة النوعية هي ثمرة الاستثمار المتسق والمستمر في العنصر البشري وغرس الطموح لتحقيق الأفضل في نفوس الشباب. وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في خطابه الأول كرئيس للدولة أهمية دور الشباب في بناء الإمارات العربية المتحدة، ولا يزال هذا الموضوع شعاراً لعهده إلى اليوم.

من المؤكد أن الاستثمار في الناس يعني التعليم، ولكنه يعني أيضاً تمكين الشباب من خلال منحهم وظائف مهمة في وقتٍ مبكر، ولا شك في أن الإمارات تقوم بهذين الأمرين معاً.

تعتبر التركيبة السكانية لدولة الإمارات العربية المتحدة استثنائية إلى حد كبير، فمن أصل 10,081،782 شخصاً يعيشون على أراضيها، هنالك 1,16 مليون مواطن إماراتي فقط، والباقي هم من الوافدين، وكثير منهم ولدوا في الإمارات. وحتى الآن نجحت الإمارات في حشد طاقات ومواهب كل شرائح سكانها، وهي تتمتع بنسبة مشكلات أقل بكثير من دول أخرى لديها تركيبة سكانية مشابهة، وكثيراً ما يشيد قادة الإمارات بدور المغتربين في تنمية بلادهم. ولكن إدارة هذا المزيج السكاني سيبقى تحدياً مستقبلياً للدولة.

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، حاكم دبي مع فريق مسبار الأمل- ذا ناشيونال

الابتكار

الابتكار هو السمة المميزة التي يراها المرء في دولة الإمارات العربية المتحدة. فالدولة لا تقبل بكونها متأخرة بخطوة واحدة وتشعر براحة أكبر في أن تكون متقدمة بخطوة. وهذا لا يتعلق بالعلوم فقط، بل يتعداها إلى القيم. والابتكار يتطلب تفكيراً حراً ودولة الإمارات منفتحة ومتسامحة في العديد من القضايا.

كانت دبي تتصدر المسيرة في مجالات الأعمال والتجارة، بينما قادت أبوظبي عملية الترويج لأفكار جديدة في التعامل مع تغيرات المناخ والقضايا البيئية الأخرى، وتشجع الشباب على التفكير المبدع خارج إطار المألوف والتوصل إلى أفكار مبتكرة.

صورة ليلية لمتحف المستقبل في دبي- “سي إن إن”

النجاح الاقتصادي

تُعتبر الإمارات العربية المتحدة واحدة من أغنى دول العالم، ومن السهل رؤية أن هذا لا يرجع فقط إلى النفط والغاز، وفي الواقع فإن هذا القطاع يساهم اليوم في نحو ربع إجمالي الناتج المحلي فقط. لقد سعَت الإمارات منذ وقت مبكر إلى تنويع اقتصادها، وأصبحت دبي منذ الثمانينيات مركزاً اقتصادياً عالمياً مهماً، ثم ما لبث هذا التنوع أن ازداد على مرِّ السنين، حيث أدى نجاح مطار دبي الدولي، وشركة طيران الإمارات، وموانئ دبي، ونشاط قطاع التجارة والخدمات، كل ذلك أدى إلى توفير قوة دافعة للديناميكية الاقتصادية للبلاد.

لا شك أن النفط والغاز قد ساعدا في بناء احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي، وصندوق ثروة سيادي كبير، ولكن هذا الازدهار الاقتصادي الكبير يمكن أن يُعزى أيضاً إلى نظام قانون تجاري سليم يثق به المستثمرون الأجانب، وهو ما يفسر المليارات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تتدفق إلى البلاد سنوياً.

تصدرت أبوظبي صدارة المدن الأكثر ملاءمة للعيش في الشرق الأوسط وإفريقيا- وكالات

الأمن والدفاع

الركن الرابع من أركان نجاح الإمارات يقوم على الأمن والدفاع. فجيش الإمارات اليوم بعيد كل البعد عما كانت عليه قوة كشافة ساحل عمان المتصالح التي شكلت أول قوة دفاع اتحادية.

تقع الإمارات العربية المتحدة في منطقة جغرافية صعبة، ومع وجود دولة مثل إيران في جوارها ينبغي للإمارات أن تتوخى الحذر دائماً. وعلى الرغم من القيود التي يفرضها عدد السكان القليل على قدرات الدولة الدفاعية، فقد نجحت الإمارات بتخطي هذه القيود من خلال امتلاكها لأحدث المعدات العسكرية والتقنيات، كما أن سياسة التجنيد الإلزامي التي تم اتباعها منذ عام 2016 أتاحت للمجهود الدفاعي أن يصبح وطنياً خالصاً.

نجاح الإمارات يقوم على الأمن والدفاع

ومن ناحيةٍ أخرى، حاكت الإمارات العربية المتحدة مجموعة معقدة من الترتيبات الدفاعية مع العديد من القوى العالمية والإقليمية.

الوصول إلى العالم

الركيزة الخامسة والأخيرة من ركائز دولة الإمارات العربية المتحدة المعاصرة هي انتشارها العالمي. فمنذ اليوم الأول لاستقلالها لم تكن الإمارات انعزالية، وسعَت لإقامة علاقاتٍ جيدة مع الدول الأخرى. وقد دعمت أدوات مثل صندوق أبوظبي للتنمية مشاريع التنمية في جميع أنحاء العالم، حيث كان الصندوق مساهماً سخياً في المناشدات من أجل المساعدات الإنسانية.

صحيح أن النفوذ السياسي للإمارات كان ضعيفاً في البداية، لكنه اليوم لم يعد كذلك، فالإمارات اليوم لاعب عالمي مسموع الصوت، وله حضوره في المحافل الدولية، وهي تشغل حالياً واحداً من عشرة مقاعد غير دائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وأصبحت بصماتها مرئية بوضوح في العديد من السياقات الدولية.

الجمعية العامة تنتخب كلاً من الإمارات العربية المتحدة وألبانيا والبرازيل والغابون وغانا لعضوية مجلس الأمن الدولي- أرشيف

بالنسبة للإمارات هذه هيبة ونفوذ، ولكن بالنسبة لدول العالم فهي أمر جيد. فالإمارات لا تسوق لأجندة أيديولوجية وليس لديها مخططات بشأن دول أخرى، ويمكن النظر لمشاركتها كنموذج لكيفية قيام الدول الصغيرة باللعب بفعالية على المسرح الدولي. وقد اعتادت الدول الإسكندنافية أن تلعب هذا الدور في الماضي، ولكنها الآن أصبحت جزءاً من الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، وتقلصت مساحة المناورة التي كانت تتمتع بها.

الرؤية والمخاطر

لقد طرحت قيادة الإمارات العربية المتحدة رؤية طموحة للمستقبل. والركائز الخمس التي تم العمل عليها بشكلٍ كبير في الفترة الماضية أصبحت تشكِّل الأساس المتين للمضي قدماً إلى المستقبل. إن كل عوامل النجاح متوفرة، ولكن ذلك لا يعني أن الدولة ليست معرضة، مثل أي دولة أخرى في العالم، للمخاطر والأخطار المحتملة. إن التطورات العالمية والإقليمية الجارية تثير قلق قيادة أي دولة، والإمارات لديها الكثير مما يمكن أن تخسره بسبب الاضطرابات في النظام الدولي.

وكما أظهرت جائحة كوفيد-19 فإن الأزمات غير المتوقعة يمكن أن تكون مكلفة للغاية من نواحٍ عديدة. وربما تكون سرعة التغيير في الإمارات جعلت بعض مواطنيها يعانون في سبيل مواكبة هذا التغيير. يعتمد نجاح الإمارات في المستقبل على الابتكار المستمر للتعامل مع التحديات الناشئة التي يخففها الإحساس بالإنسانية. هذه هي الصيغة التي ساعدت الإمارات على تحقيق نجاحاتها في الماضي، والتي من المؤكد أنها ستستمر في ذلك في المستقبل.

ساعدت الإمارات العالم على مواجهة تداعيات جائحة كورونا – وكالات

ما هو آت سيكون أفضل بالنسبة للإمارات

عندما أنظر إلى الإمارات وإنجازاتها خلال السنوات الماضية أصل إلى اقتناع راسخ بأن الدولة لم تبلغ ذروتها بعد، وأن الأفضل لم يأت بعد. ولا بد لحكمة الماضي من أن تستمر في إلهام المستقبل، ولا بد للإماراتيين من أن يحافظوا على حماستهم لما سيأتي، ويتعين على الجميع مواصلة العمل الدؤوب لأنه لا مكان للرضى عن النفس. ولكن في المستقبل قد تكون هنالك لحظات افتخار واحتفال، حيث تنظر الدولة إلى ماضيها بارتياح، وإلى مستقبلها بثقة تامة.

عيد ميلاد سعيد للإمارات.

♦مدير مؤسسة LINKS Europe في لاهاي، ورئيس تحرير موقع commonspace.eu، يكتب بانتظام حول القضايا الأمنية الأوروبية والخليجية وعلاقات الاتحاد الأوروبي بدول الجوار. حصل على درجة الدكتوراه عام 2014 من جامعة أوكسفورد عن أطروحته “نهاية السياسات الإمبراطورية وسياسات النخب المحلية: خروج البريطانيين من جنوب الجزيرة العربية والخليج 1951 – 1972”.

لقراءة النص الأصلي للمقال: For the UAE, the best is yet to come

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة