الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةمقالات

الإمارات.. الحكم الرشيد مفتاح العبور الآمن

أمل صقر♦

بعد نحو مئة يوم من اندلاع أزمة فيروس كورونا وتمددها العالمي، استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تقدم للعالم، ولا تزال، نموذجاً ناجحاً في إدارة الأزمة بأقصى درجات الكفاءة والفاعلية، وأن تكتسب خلال هذا الاختبار الصعب مزيداً من المكانة العالمية، وتضيف إلى رصيد قوتها الناعمة، وصورتها الذهنية، نقاطاً إيجابية جديدة. ولا يبدو هذا النجاح وليد الصدفة؛ بل يقف وراءه كثيرٌ من العوامل، أُجملها في أسس “الحكم الرشيدGood governance” الذي عملت دولة الإمارات منذ سنوات طويلة على غرس دعائمه، فآتى ثماره في هذه التجربة الصعبة.

الشوارع في أبوظبي خالية تمامًا أثناء الوقت المخصص للتعقيم – مكتب أبو ظبي الإعلامي

القيادة الملهمة

أول هذه العوامل هو قدرة القيادة الإماراتية على تقدير خطورة الموقف، وفهم أبعاده، بشكل صحيح، في وقت مبكر جداً؛ ففي الوقت الذي هوَّن فيه قادة عالميون ودول كبرى في العالم من تأثير الجائحة، وتباطؤوا في التصدي لها، كان هناك تصور واضح لدى القيادة الإماراتية لما يمكن أن تذهب إليه الأمور. وقد أدى ذلك إلى استجابات سريعة رسخت شعور الاطمئنان والثقة لدى مواطني دولة الإمارات والمقيمين على أرضها.

الشيخ محمد بن زايد خلال رئاسة اجتماع لمتابعة الأوضاع – وام

حفلت أجهزة الإعلام خلال الأزمة بصور الأرفف الفارغة في المحلات التجارية في كثير من دول العالم، والتسابق المذعور والمحموم على شراء كميات هائلة من مستلزمات الوقاية الطبية، وتكدس في البيوت دون مراعاة للآخرين، واندفاع إلى تخزين المواد الغذائية والإمدادات بمختلف أنواعها؛ لكن الإمارات لم تشهد لحظة واحدة أيَّ مظهر من هذه المظاهر، وكانت الثقة مطلقةً في أن الدولة قادرة على توفير كل المستلزمات الحياتية والطبية في كل الأوقات لكل من يعيشون فيها.

شاهد: فيديوغراف.. كيف أدارت الإمارات أزمة كورونا؟

قطاع صحي متميز

لقد استثمرت دولة الإمارات في قطاع الصحة منذ وقت مبكر، وأنشأت منظومة صحية متطورة؛ حيث تحتل الدولة المركز الأول عالمياً في عدد المنشآت الصحية المعتمدة، ومنها المستشفيات التي يحوز أكثر من 85% منها الاعتماد الدولي، وفقاً لتقارير اللجنة الدولية المشتركة لاعتماد المنشآت الصحية “JCI”. كما تتصدر الإمارات إقليم الشرق الأوسط في 19 مؤشراً ومعياراً يتعلق بالتعامل مع مخاطر الصحة العامة، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

وفي ظل تطور المنظومة الصحية، حشدت دولة الإمارات إمكاناتها لمواجهة “كورونا”، فقد أجرت حتى يوم 14 أبريل 2020 ما مجموعه 767 ألف فحص للإصابة بالفيروس؛ وهي من أعلى نسب الفحص في العالم قياساً إلى عدد السكان. ووفرت الدولة حتى 16 أبريل ما مجموعه 14 مركزاً للفحص المجاني من المركبة وَفق نظام سلس يتيح لكل من يرغب إجراء الفحص بغض النظر عن جنسيته أو عمله. ورافق ذلك إجراءات جادة لتحديد حركة الطيران ثم وقفها كلياً؛ لمنع انتشار المرض، وإغلاق الشواطئ والمتنزهات والمراكز التجارية، وتطبيق التعليم عن بعد في كل المرافق والمراحل التعليمية، والعمل عن بعد في معظم المؤسسات عدا قطاعات حيوية حُدِّدت بدقة، وتطبيق برنامج واسع للتعقيم شمل الشوارع والمرافق والمباني السكنية.

اقرأ أيضًا: مبادرة إنسانية إماراتية على أعتاب نظام عالمي جديد

قيادة تقدر شعبها وشعب يثق في قيادته

يمكن أن نجد إحدى خصوصيات التجربة الإماراتية في الالتزام العالي من جانب المواطنين والمقيمين بتعليمات التزام المنازل منذ الثامنة مساءً حتى السادسة صباحاً. فرغم أن الدولة لم تفرض “حظر التجول”؛ فإن الشوارع كانت تخلو بشكل طوعي من المارة في الساعات المحددة، ولم تكن هناك حالات استهانة بالقواعد أو محاولات لخرقها. وكلمة السر في ذلك التجاوب هي “الثقة” التي أصبحت راسخة الجذور بين الدولة بكل أجهزتها، وكل من يقيمون على أرضها من مختلف الفئات والجنسيات والأعمار.

لهذه الثقة مظاهر لا حصر لها؛ لكننا يمكن أن نتوقف أمام حدث واحد له دلالته، فقد فضَّل 75 ألف أمريكي البقاء في دولة الإمارات على العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفقاً لما قاله السفير الأمريكي في 15 أبريل 2020، الذي أكد لمواطنيه أن السفارة الأمريكية في الإمارات لا تشجع مواطنيها على مغادرة الدولة؛ لأنها من أكثر الدول أمناً في هذا الوقت.

مدينة دبي خالية أثناء حملة التعقيم الوطني – المكتب الإعلامي لحكومة دبي

مؤسسات راسخة

النجاح في كل ما سبق من إجراءات مرده إلى منظومة عمل حكومي راقية تعتبر بين الأكثر تطوراً في العالم، وهي تتسم بالمرونة والابتكار وتحقيق أعلى المعايير العالمية في تقديم الخدمات الحكومية. فكفاءة الحكومة ومرونتها وقدرتها على الاستجابة السريعة، والدقة والانضباط اللذان تتسم بهما الوزارات والهيئات والمؤسسات التابعة لها، هي ما ضمنت لكل طرف أن يؤدي دوره على أكمل وجه، ذلك أن وزارات؛ مثل الداخلية، والخارجية، والصحة، والتعليم، والاقتصاد، والمالية، والأمن الغذائي، والذكاء الاصطناعي، والصناعة، وتطوير البنية التحتية، والعدل، والثقافة، وتنمية المجتمع، كلها بذلت جهوداً متناسقة ومتكاملة؛ لكي تمضي الأمور كلها في مسارها الصحيح.

ولا شك في أن البنية التحتية التكنولوجية الفائقة التطور التي أقامتها دولة الإمارات، والاستثمار الكبير في قطاع الاتصالات والمعلوماتية، قد أثبتا متانتهما خلال هذه الفترة؛ فلم يكن لأنشطة مثل التعليم عن بعد، والعمل عن بعد، وتقديم الخدمات الحكومية المختلفة، أن تتواصل بما تمت به من سلاسة ويسر لولا التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات. وليس ذلك مُستغرباً في دولة احتلت المركز الأول عربياً، والثالث عالمياً، في إطلاق واستخدام شبكات الجيل الخامس، حسب مؤشر الاتصال العالمي “The Connectivity Index” الذي تصدره مؤسسة “Carphone Warehouse” المتخصصة في المقارنات التكنولوجية.

 اقرأ أيضًا: نموذج الإمارات المكثف لإدارة أزمة كورونا

المتانة الاقتصادية لدولة الإمارات، والإدارة الرشيدة للموارد التي جعلت منها قوة اقتصادية كبرى، كان لهما دورهما أيضاً في مواجهة الأزمة، إذ بلغت حزم التحفيز التي رصدتها الدولة لمواجهة التأثيرات السلبية للفيروس على القطاعات الاقتصادية المختلفة في الدولة 283 مليار درهم حتى 15 أبريل 2020، تمثل 42,8% من قيمة حزم التحفيز التي قدمتها الدول العربية مجتمعةً لمواجهة التأثيرات الاقتصادية لـ”كورونا”.

الانتماء

على الرغم من كل ما سبق، ويمكن تحديده في أرقام وإحصائيات ومؤشرات تدل على تقدم دولة الإمارات وجودة خدماتها؛ فإنه يبقى هناك عنصر عصي على أن يُحسب وفق هذه المعادلات الرياضية وحدها، ففي بلد تقترب نسبة المقيمين فيه من 80% من السكان، يجب أن نتوقف طويلاً أمام احتشاد المئات في النوافذ في مختلف مناطق دولة الإمارات لتحية رجال الشرطة وهم يؤدون واجبهم، والإعراب عن الاحترام والتقدير لجهودهم.

اقرأ أيضًا: إيطاليا تشكر الإمارات على المساعدات: لن ننسى أصدقاءنا

يجب أن نتوقف ملياً أمام انطلاق النشيد الوطني الإماراتي عالياً في سماء المدن، تصدح به آلاف الحناجر في كثير من لحظات احتدام المواجهة مع “كورونا”؛ فمثل هذه الاستجابة العفوية الصادقة لا تُفسرها الحسابات العادية. ويمكن لردود فعل مثل الانضباط أو الالتزام أو احترام القوانين أن تكون ملائمة للاعتراف بكفاءة دولة الإمارات منقطعة النظير في مواجهة “كورونا”، أما انطلاق النشيد الوطني من الجميع فهو ينقل الأمر إلى مربع آخر؛ مربع المحبة والانتماء.

لم توفر الإمارات لمن أقاموا على أرضها، وأنا منهم، مجرد فرصة عمل؛ بل قدمت لهم فوق ذلك كل ما يمكن من مشاعر المحبة الغامرة والاحترام، وعاش فيها الجميع موفوري الكرامة في بلد يقدر إنسانيتهم، فكان ردهم هو التعبير عن الانتماء إليه بالتوحد مع مواطنيه في أداء النشيد الوطني. وهذه اللحظات ستبقى طويلاً شاهدةً على أن للأزمات دائماً جانبها المضيء.

♦باحثة سياسية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة