الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربيةمقالات

الإمارات… إعادة تموضع أم تغيير للتوجهات ودوائر التحرك؟

يوسف الحداد♦

يرى الكثير من المراقبين أن امتناع الإمارات عن التصويت لمصلحة مشروع القرار الأمريكي الألباني، الذي طُرح في مجلس الأمن يمثِّل تحولاً نوعياً مهماً في النهج الجيوسياسي للدولة، فالمُلاحِظ للسلوك السياسي الإماراتي يدرك أن هذا النهج لم يكن وليد الصدفة، بل سبقته العديد من التطورات التي تراكمت على مدى سنواتٍ مضت، لتترجم تموضع الإمارات بالشكل الذي يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية مع الإبقاء على علاقاتٍ جيدة مع جميع القوى الدولية، وهذا التموضع له أسباب وخلفيات ودوافع، يتناولها الباحثون والمتخصصون بالتفصيل والتحليل في أدبياتٍ عديدة، ونشير في هذا الإطار لتحليلٍ مهم نشره والتر راسل ميد زميل معهد هاندسون، وكاتب عمود في صحيفة “وول ستريت جورنال”، وقال فيه “لقد كان أداء إدارة أوباما له تداعيات كارثية فيما يتعلق بشبكة التحالفات الأمريكية في الشرق الأوسط، فالانسحاب السابق لأوانه من العراق؛ وعدم وضع سياسة بناءة تجاه الربيع العربي، لا سيما في مصر؛ والنتائج البائسة للتدخل في ليبيا؛ وسوء التقدير المتعاقب في سوريا، والذي انتهى بوضع روسيا وإيران في مقعد السائق، واندلاع حرب أهلية وحشية وانهيار لبنان، كلها أمورٌ خلفّت انطباعاً متجذراً بعدم كفاءة الولايات المتحدة، وعدم جدارتها بالثقة في جميع دول المنطقة. أضف إلى ذلك سعي الرئيس أوباما المحموم، كما رأته القوى الإقليمية، على التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، قد ضحى بالمصالح الأمنية الأساسية لحلفاء الولايات المتحدة منذ أمدٍ طويل، لتسهيل خروج أمريكا من منطقة لم تعد ترغب في الدفاع عنها، ما أدَّى إلى تعميق الشعور باليأس في جميع أركان المنطقة”. ويرى الكاتب أن “المفاجأة الأوكرانية قد تؤدي إلى إعادة ضبط الوضع في واشنطن، لكن ما نراه للآن هو أن إدارة بايدن تنكر -مثلما كان الحال مع إدارة أوباما- أهمية وقيمة شبكة التحالفات الأمريكية في الشرق الأوسط، ولا تدرك خطر إضعاف الروابط مع المنطقة، حتى إن الأمر ليبدو كما لو كنا -في الولايات المتحدة- لا نعي مدى أهمية ومقدار الطاقة المستوردة من الشرق الأوسط، والتي لا تزال تمثل أهمية قصوى لكلٍّ من الاقتصاد العالمي والقوة الأمريكية”. وهذا النقاش يعكس إدراك الدوائر الغربية لأسباب تراجع قوة التحالف الأمريكي مع دول منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، والذي كان بمنزلة ردة فعل لانشغال الولايات المتحدة بشرق آسيا على حساب رصيدها التقليدي في المنطقة. وفي ذلك قال معالي يوسف العتيبة سفير دولة الإمارات لدى الولايات المتحدة خلال مؤتمرٍ حول صناعة الدفاع والتكنولوجيا والأمن في أبوظبي “علاقتنا مع الولايات المتحدة مثل أي علاقة أخرى. في أيام تكون علاقة صحية، وفي أيام تكون محل تساؤل”، وأضاف في اليوم الثاني للمؤتمر “اليوم، نمرّ بمرحلة اختبار جهد، لكنني واثق من أننا سنخرج منها، وسنكون في موقع أفضل”، وقال العتيبة إن تركيز الإمارات تحوّل نحو سعي لتحقيق “شراكة” مع الاقتصادات الكبرى، مثل الولايات المتحدة، في مجالاتٍ عديدة بينها الدفاع والتكنولوجيا. وتابع “أعتقد أنّه من العدل أن نقول إنه قبل 10 أو 20 عاماً، كان يُنظر إلى الإمارات على أنها مُشترٍ تقليدي للتكنولوجيا المتقدمة. اليوم.. أعتقد أنّ هذا الأمر تغيّر. لم نعد مهتمين فقط بالشراء، نحن مهتمون بالشراكة”.

والمؤكد أن الاعتراف بوجود مثل هذه الظواهر في العلاقات بين الشريكين، الإمارات والولايات المتحدة، يمثل بحدِّ ذاته ظاهرة إيجابية، ويعني أن هذه العلاقات قد بلغت مرحلة النضج، وباتت تتسم بالندية والتوازن بدرجة تسمح بوجود تباين في وجهات النظر، والأهم الثقة، تسمح بالاعتراف بذلك، وهي كلها أمورٌ تصب في مصلحة قوة هذه العلاقات، وليس العكس كما يُعتقد.

اقرأ أيضًا: الإمارات تتولى رئاسة مجلس الأمن في ظرف استثنائي يشهده العالم

والمؤكد أن فهم أبعاد موقف دولة الإمارات حيال الأزمة الأوكرانية يبدأ من قراءةٍ سياسية جيدة للأهداف الاستراتيجية الإماراتية في الخمسينية المقبلة، فالإمارات التي احتفلت في ديسمبر الماضي باكتمال الخمسينية الأولى من عمر البناء الاتحادي، وضعت استراتيجية طموحة للمستقبل، تضمنتها وثيقة الخمسين، التي نصت على عشر مبادئ ترسم في مجملها خطوات الإمارات في سنواتها المقبلة، وتعد بمنزلة خارطة طريق سياسية واقتصادية وتنموية للمستقبل المنظور، وبالتالي فإن فهم ما وراء التحركات الدبلوماسية الأخيرة يجب أن يبدأ من قراءة دقيقة لهذه المبادىء، التي تضمنت -بحسب نص المبدأ الثاني من الوثيقة- “التركيز بشكلٍ كامل خلال الفترة المقبلة على بناء الاقتصاد الأفضل والأنشط في العالم. التنمية الاقتصادية للدولة هي المصلحة الوطنية الأعلى، وجميع مؤسسات الدولة في كافة تخصصاتها، وعبر مستوياتها الاتحادية والمحلية، ستكون مسؤوليتها بناء أفضل بيئة اقتصادية عالمية والحفاظ على المكتسبات التي تم تحقيقها خلال الخمسين عاما السابقة”، والمعنى هنا واضح تمام الوضوح، ويعني أن تركيز القيادة الرشيدة في الإمارات ينصب “بشكلٍ كامل” خلال السنوات المقبلة على “بناء الاقتصاد الأفضل والأنشط في العالم”، وأن “التنمية الاقتصادية للدولة هي المصلحة الوطنية الأعلى”، وإذا كان هذا هو الهدف الاستراتيجي الذي يحظى بأولوية مطلقة في تخطيط ورؤية القيادة الرشيدة، فإن من البديهي أن تأتي الوثيقة على ذكر الآليات التي تحقق هذا الهدف، وهنا لابد من الاشارة إلى المبدأ الثالث بالوثيقة، والذي يكمل ما قبله وينص على أن “السياسة الخارجية لدولة الإمارات هي أداة لخدمة الأهداف الوطنية العليا، وعلى رأسها المصالح الاقتصادية لدولة الإمارات، هدف السياسة هو خدمة الاقتصاد، وهدف الاقتصاد هو توفير أفضل حياة لشعب الإمارات”، وهنا تبدو الأمور واضحة حيث يؤطر هذا المبدأ لدور السياسة الخارجية الإماراتية ويضعها في خدمة الأهداف الوطنية العليا، وعلى رأسها المصالح الاقتصادية، مشيراً بمنتهى الوضوح إلى أن هدف السياسة هو خدمة الاقتصاد، وصولاً إلى توفير “أفضل حياة” لشعب الإمارات، أو الارتقاء بمؤشرات السعادة التي تعد ثمرة أو حصاداً لمجمل جهود التنمية.

الحرب بين روسيا وأوكرانيا- (صورة وكالات)

كل ماسبق يعني أن جانباً كبيراً من تحركات الدبلوماسية الإماراتية على الصعيدين الاقليمي والدولي يمكن أن يجد تفسيراتٍ له في الربط والتلازم الذي ترسخه وثيقة الخمسين بين السياسة والاقتصاد، وكيف أن الدبلوماسية يجب أن تحقق أهداف السياسة الاقتصادية، وأن التنمية الاقتصادية للدولة هي “المصلحة الوطنية الأعلى”، وأن “التركيز بشكلٍ كامل” خلال الفترة المقبلة سينصب على بناء الاقتصاد الأفضل والأنشط عالمياً، ما يرسم منظومة متكاملة للسياسات الاقتصادية والتنموية والعمل الدبلوماسي.

لذلك فإن الموقف الإماراتي تجاه الأزمة الأوكرانية لا ينفصل عما سبقه من تحركات ومواقف إماراتية اقليمياً ودولياً، ولا يمثل في حقيقة الأمر إعادة تموضع أو تغيير للأولويات الاستراتيجية أو تحول نحو الشرق والتخلي عن شراكات الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة، ولكنه يجسد تماماً قراءة جيدة وواعية للمشهد الدولي، وما يموج به من تغيرات في موازين القوى، فضلاً عن كونه استمرار في الامساك بزمام المبادرة والمبادأة استراتيجياً في التعاطي مع الأزمات والتوترات والتفكير خارج الصندوق في التعاطي معها، وكل ذلك هو في حقيقة الأمر نتاج دراسة متأنية للظروف ومعطيات البيئة الاستراتيجية الاقليمية والدولية، بما يحقق مصالح الإمارات ويضمن لها خطواتٍ استباقية في ملفات متحركة.

اقرأ أيضًا: أولكسندر ميريزكو لـ”كيوبوست”: أوكرانيا تعوِّل على الدور الإماراتي في مجلس الأمن لعودة السلام

والفكرة من وراء هذا التوجه الإماراتي هو الحيلولة دون تأثر قاطرة التنمية الإماراتية المتسارعة بما يجري من حولها عالمياً من تنافس واستقطاب وصراعات وتوترات، وهنا يبدو الأمر مفهوماً إلى حدٍّ كبير، فالإمارات لا تريد سوى توفير أجواء دولية آمنة ومستقرة تضمن لعملية التنمية التواصل والاستمرارية، وتضمن لها كذلك مستويات متزايدة من التعاون والشراكات بينها وبين الدول والاقتصادات الأخرى، لاسيما تلك التي تتمتع بمزايا نسبية يمكن أن تسهم في تعزيز معدلات الأداء التنموي الإماراتي في مختلف القطاعات.

الإمارات التي تستضيف المعرض الأكثر عراقة وشهرة في العالم “إكسبو 2020” استقبلت في الأشهر الأخيرة أيضاً العديد من القادة والرؤساء والزعماء وكبار المسؤولين من دول العالم، كما تبادلت الزيارات مع العديد من الدول المحورية، وقام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بزياراتٍ لعواصم إقليمية ودولية عدة، وجميع هذه الأنشطة الدبلوماسية والاقتصادية قد أثمرت عن تحولاتٍ نوعية مؤثرة في الخارطة الاقليمية، والمسألة كلها تستهدف لعب دورٍ مؤثر في بناء واقع جيوسياسي جديد يرسخ موقع الإمارات ومكانتها وثقلها الاستراتيجي الاقليمي والدولي كصانعة سياسات وصاحبة دور استراتيجي فاعل يستهدف تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

حمل الجناح الإماراتي في “إكسبو” رسائل عدة للعالم- وكالات

ثمة نقطة أخرى مهمة، وهي قدرة دولة الإمارات على بناء استجاباتٍ غير تقليدية للأزمات التقليدية، وذلك لأن الدولة تمتلك من الثقة بالذات والقدرة على التمسك بالثوابت ما يجعلها قادرة على اقتحام المشاكل والأزمات وإجراء الحوارات المباشرة البناءة مع شركائها وأصدقائها ومنافسيها، وأيضاً مع خصومها الاستراتيجيين على حد سواء، فالإمارات التي تقرأ الواقع الاستراتيجي الدولي جيداً وتعي أن العالم يمر بمرحلةٍ انتقالية من النظام العالمي القائم إلى ما كان يعرف حتى أسابيع قلائل مضت بنظام ما بعد كورونا، ثم بات يعرف لاحقاً بنظام ما بعد أوكرانيا، وما يعنيه ذلك كله من تجاذبات وتحولات وإعادة للهندسة الجيوسياسية والجيواستراتيجية للدول والمناطق المختلفة، لا تريد الوقوف بانتظار تبلور نتائج التفاعلات الحاصلة على المستوى الدولي، بل تريد أن تسهم بفاعلية في توجيه بوصلة التحولات، بما تمتلك من إرادة التحرك الاستباقي سياسياً ودبلوماسياً من أجل تفادي أي تأثيرات وعواقب سلبية لسياسات وقرارات وتوجهات القوى الدولية والاقليمية.

اقرأ أيضًا: الإعلام في الحروب متجاوزاً دوره التقليدي

الإمارات تميل دوماً إلى صياغة مقارباتٍ تشاركية، وبناء الجسور وردم الفجوات، وهذا النهج يعكس رؤية الدولة وانتصارها لأي جهد يستهدف ترسيخ الأمن والسلم الدوليين، فالإمارات لا تسعى للجمع بين المتنافسين أو الخصوم الاستراتيجيين، كما يتصور البعض، بل تسعى إلى تشارك وشراكات بينها وبين الجميع، وفق رؤية تحقق المصالح المشتركة قفزاً على التناقضات والتباينات، من خلال تعظيم المشتركات والبناء عليها وإقصاء الاختلافات والحد من تأثيرها، والانفتاح على الجميع، وليس مفاجئاً أن تعتمد الدولة التي تمتلك أهدافاً تنموية ذات بعد تنافسي عالمي -كالتي وردت في وثيقة الخمسين- أو التي تعلنها القيادة الرشيدة بأن الطموحات لا سقف لها سوى السماء، تطرق أبواب مصالحها الاستراتيجية أينما كانت أو وجدت، لاسيما أن المسألة لا تتعلق فقط بشق مادي أو مكاسب اقتصادية وتجارية، بل بشق قيمّي ورغبة صادقة في نشر السلام، وترسيخ التسامح والتعايش والانفتاح على الآخر، لذا فليس من باب المنطق أن تُبذل كل هذه الجهود في التقريب بين البشر، والتي تجلت بشكلٍ قوي من خلال “وثيقة الأخوة الانسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك” التي وقعها الامام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر والبابا فرانسيس في الرابع من فبراير 2019 في أبوظبي، في حين تجازف الإمارات وتغامر بكل موروثها واستثمارها الانساني، حين تنحاز لطرفٍ ضد آخر في صراعٍ دولي يشعر الجميع بالقلق الشديد تجاه عواقبه الكارثية المحتملة.

♦كاتب وإعلامي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

يوسف جمعة الحداد

كاتب وإعلامي إماراتي

مقالات ذات صلة