الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الإسلام والمسلمون في أوكرانيا

كيوبوست – ترجمات

نجاة عبدالصمد

تمتد جذور الإسلام في أوكرانيا عميقاً إلى القرن الثالث عشر الميلادي، منذ توافد قوافل التجار من البلدان العربية والشرقية إلى مدينة كييف الناشئة حديثاً، واختلاطها بالشعوب المحلية التي كان معظمها يعتنق المسيحية. نشأت أولى المجتمعات الإسلامية بين التتار في ولاية خانات القرم في شبه جزيرة القرم جنوب البلاد، واتبعت الإسلام السنيّ.

حين غزت الإمبراطورية الروسية شبه جزيرة القرم في القرن الثامن عشر، أجبرت سلطاتُها مائةً وستين ألفاً من تتار القرم المسلمين على مغادرة أرضهم، وكان عددهم قد قارب ثلث عدد السكان، وكان في بخشيساراي، عاصمة خانات القرم، وحدها 18 مسجداً.

اقرأ أيضاً:  ماذا لو عادت دول الاتحاد السوفييتي إلى الوحدة مجددًا؟

عاد وثاق العلاقات التجارية والدبلوماسية في القرنين التاسع عشر والعشرين حتى قيام الثورة البلشفية عام 1917 وحُكم السلطة السوفيتية للبلاد، ومحاربة هذه السلطة للاحتفال الصريحِ بأية طقوسٍ دينية، إلا أنّ المسلمين فيها حافظوا على تراثهم الدينيّ الذي انتهجه أسلافهم.

في شهر أيار عام 1944، تسبّب جوزيف ستالين بضربةٍ قاسيةٍ للوجود الإسلامي في أوكرانيا حين أمر الجيش الأحمر بترحيل حوالي مائتي ألف من التتار في شبه جزيرة القرم إلى أوزبكستان في آسيا الوسطى للاشتباه في تعاونهم مع ألمانيا النازية. ووفقاً للبيانات الرسمية توفيّ 25% منهم خلال عمليات الترحيل، كما تمّ تدمير المساجد، وقمع الشخصيات الدينية، وتقويض البنية التحتية الوطنية من مدارس وجامعات ومكتبات ومؤسسات علمية وصحف.. ولم تبدأ العودة الجماعية لتتار القرم إلى وطنهم إلا في أواخر الثمانينات. عادوا حقاً لكنهم فشلوا في استرداد خسائرهم؛ لم يبق من الألف وخمسمائة مسجدٍ ومدرسةٍ دينيةٍ وتكيةٍ كانت قد بنيتْ على مدار قرنين، سوى بضع عشرات، وفي حالةٍ يرثى لها..

لوحة تصور الانتصارات الاستراتيجية على الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب الروسية- التركية.. حيث تم السيطرة على الجزء الشمالي من البحر الأسود (1768- 1774)- “ذا كونفرزيشن”

في التسعينيات، ومع بداية التحولات الديموقراطية في الاتحاد السوفييتي، حدثت تغييرات جذرية في حياة مجتمع مسلمي أوكرانيا؛ أصبحوا قادرين على إعلان انتمائهم الإسلاميّ وأداء طقوسه.

مع بدايات القرن الحادي والعشرين لم تعد أوكرانيا سلافيةً ومسيحية فقط، فقد نما عدد المسلمين فيها إلى حوالي مليونين، واتسمت بطابعٍ ديمقراطيٍ يسّرَ الحياة الروحية لجميع مكوناتها الدينية والثقافية بما فيها المسلمين. وقد شغل المجتمع الإسلاميّ وتقاليده الخاصة مكانة بارزة في الواجهة الثقافية والاجتماعية والسياسية للمجتمع الأوكراني، إنما بقي 86% من الشبكة الدينية الإسلامية متركزاً في منطقة القرم.

حتى عام 2004، تمّ تسجيل 445 منظمةً وجمعيةً مسلمة رسمياً في أوكرانيا، منها 349 جمعية في إقليم جمهورية القرم المتمتعة بالحكم الذاتي، والباقي موزعة بين مجتمعات تتار الفولغا والروس والأذربيجانييّن وغيرها… وأصبح في أوكرانيا 160 مسجداً، وعدة مؤسسات تعليمية إسلامية.

اقرأ أيضاً:  عودة الإمبراطوريات.. المنافسة الإقليمية ومستقبل العلاقات الروسية- التركية

المشكلات والآفاق:

وإن كان للإسلام تاريخه الممتدّ على أرض أوكرانيا منذ مئات السنين، إلا أنّ تذبذب الأحكام القانونية في الأزمنة القديمة بشأنه، ما بين سماحٍ أو حظر، حدّ من سرعة تطوره على أرضها.

منذ بدء الألفية الجديدة بدأت المجموعات المسلمة تنشط في إطار التشريع الحالي لدولة أوكرانيا، وتخط نهجها في الكشف عن القيم الروحية والعرقية والإنسانية للإسلام، وفضح الأساطير المصطنعة عنه، وفصل مفهوم التطرف والإرهاب عن الدين ومحاربة التعصب أو التطرف الديني أو الانقسامات والتجزئة، وتهتم بتطوير الصحافة الإسلامية وزيادة البرامج الإسلامية الإذاعية والتلفزيونية عدداً ونوعاً.

وفي المقابل، تولي الحكومة الأوكرانية اهتماماً متزايداً بإعادة إنشاء البنية التحتية للحياة الإسلامية لتلبي احتياجات مواطنيها المسلمين في سياق المصالح والتطلعات الوطنية لأوكرانيا، منها على سبيل المثال، تيسير أداء فريضة الحج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإتاحة السفر لركاب السكك الحديدية الأوكرانية في مقصورات خاصة (للنساء فقط أو للرجال فقط) لتجنيب المؤمنين حرج البقاء طويلاً في غرفة ضيقة مع أشخاصٍ من الجنس الآخر.

العاصمة الأوكرانية كييف- worldatlas

ما تزال حزمةٌ من المشكلات تعترض طريق إحياء الإسلام في الفضاء الأوكرانيّ، ومنها:

* ليس للمجتمع الإسلاميّ في أوكرانيا هيكلٌ تنظيمي واحد، أو تسلسل هرمي واضح، كما هو حال الكنائس المسيحية.

* الافتقار إلى المؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية والتعليمية، والأئمة المدرَّبين والموثوقين، ونقص في كوادر رجال الدين ذوي الكفاءات العالية، ما يخفض مستوى معرفة المسلمين الأوكرانيين بشؤون دينهم.

* مسألة اللغة العربية خلال خطب أيام الجمعة والأعياد.

* عدم تدريس الإسلام في المدارس الأوكرانية، باستثناء وجود 14 مدرسة خاصة في القرم تقدّم دوراتٍ في أخلاقيات الإسلام.

* نقصٌ في عدد المساجد والمراكز الدينية أو غيابها في بعض الأحياء حيث يقطن مسلمون. وفي هذا الشأن يبذل مسلمو أوكرانيا كل جهد ممكن لتأمين قطع أرض لبناء المساجد، ويتلقون الدعم الماديّ من تركيا والمملكة العربية السعودية والكويت.

* بطء أعمال إصلاح وترميم المباني الدينية القديمة والمتضررة، ولا سيما في فيودوسيا ويالطا وسيمفيروبول وباخيساراي…

اقرأ أيضاً: إعادة دمج تتار القرم المسلمين أمر مهم بالنسبة لأوكرانيا

وفي سياق الامتثال لقواعد الشريعة الإسلامية، يواجه مسلمو أوكرانيا ذات المشكلات التي تواجه أقرانهم في جميع البلدان غير الإسلامية، ومنها:

* عدم اعتبار أيام الأعياد الدينية الإسلامية (عيد الفطر مثلاً) أيام عطلةٍ رسمية لمعتنقي الإسلام.

* مشكلة نقص المنتجات (الحلال) التي تلبي معايير الشريعة الإسلامية (تحاول بعض المنظمات الإسلامية تأسيس إنتاج الحلال، وإنشاء مراكز لتوحيد واعتماد منتجاته بأدلّةٍ موثوقة).

* مسألة ارتداء النساء المسلمات للحجاب لم تُحلّ بعد في أوكرانيا.

* على صعيد المصارف: تجري معظم المعاملات المالية لمواطني أوكرانيا من خلال بنك الادخار الحكومي بأسعار فائدة ثابتة، والفائدة محظورةٌ في الإسلام. لا توجد في أوكرانيا فروعٌ للمصارف الإسلامية التي تودِع وتقرض بموجب الشريعة الإسلامية من دون فوائد، وتجري محاولات فتح فروع لهذه المصارف في أوكرانيا.

المصدر:   islamDag

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

د.نجاة عبد الصمد

طبيبة وكاتبة ومؤلفة سورية

مقالات ذات صلة