الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الإسلام والعلمانية!

كيوبوست- ترجمات

باتريك تشاموريل♦

كان مبدأ “العلمانية” الفرنسي الذي يحكم الفصل بين الكنيسة والدولة وحرية العقيدة أمراً مركزيا للديمقراطية الفرنسية الحديثة، مثل حرية الدين بالنسبة لأمريكا. وفي حين أن الحماية الأمريكية متجذرة في الرغبة في عزل الدين عن انتهاكات الدولة، فإن مبرر وجود العلمانية كان حماية الدولة والسياسة والتعليم العام من التأثير المهيمن تقليدياً للكنيسة الكاثوليكية. وكان الهدف ضمان التحرر من الدين، إلى جانب حرية الدين.

اقرأ أيضاً: بين الإسلاموية واختبار مرونة النموذج الفرنسي.. كيف نفهم العلمانية الفرنسية؟

ويقدم لنا المفكران الكبيران فيليب رينود ولوران بوفيت كتباً غنية ومحفزة لمساعدتنا على فهم لماذا أصبحت العلمانية، قلب المفهوم الفرنسي للمواطنة، جنباً إلى جنب، مع العالمية واستيعاب المهاجرين، موضوعًا مثيرًا للجدل ومثيرًا للانقسام، وما يترتب على ذلك من نقاش وطني.

وفي كتاب «العلمانية: تاريخ الخصوصية الفرنسية»،  يناقش رينود عالم السياسة بجامعة بانتيون سوربون، تاريخ فرنسا السياسي والفكري الطويل للعلمنة. وفي كتاب «مسألة العلمانية الجديدة: اختيار الجمهورية»، يركز بوفيت، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فرساي سانت كوينتين، على التوترات الحالية بين الإسلام والعلمانية.

تظاهرة في باريس في أعقاب إحدى الهجمات الأخيرة، 2020- الوكالة الأوروبية للصور الصحفية

ويعود تأريخ رينود الدقيق لعملية العلمنة الفردية في فرنسا إلى القرن السادس عشر لشرح سبب عدم ظهور الديمقراطية في فرنسا دون كسر التحالف الوثيق بين الكنيسة الكاثوليكية والملكية المطلقة. وكان الملك هنري الرابع -الذي أعلن في عبارته الشهيرة أن “باريس تستحق قداسا”، بعد اعتناقه الكاثوليكية عام 1593- قادراً على الضغط على الكنيسة في أعقاب الحروب الدينية للتسامح مع البروتستانت، وبالتالي تأكيد سلطة الدولة المستقلة. ومنح مرسوم نانت الصادر عام 1598 للبروتستانت الحق والحماية لممارسة شعائرهم الدينية.

اقرأ أيضاً: إشكالات الإرهاب المتجددة في فرنسا

وخلال القرن التاسع عشر، ظلت الكنيسة الكاثوليكية حليفًا للأنظمة الاستبدادية وقاومت بشدة ظهور الديمقراطية، مما دفع فيكتور هوغو للإعلان في خطاب ألقاه عام 1850 أمام الجمعية الوطنية، “الدولة من جهة، والكنيسة من جهة أخرى”. ومع ذلك، لم يكن المجال التربوي والسياسي خاليًا تمامًا من التأثير الكاثوليكي حتى إصدار “قانون الفصل بين الكنيسة والدولة” عام 1905.

وبالنسبة لأنصار العلمانية، كان إنهاء تدخل الكنيسة في هذه المجالات انتصاراً لتقدم العقل والعلم وفلسفة التقدم البشري. ووفّق القانون بين شقي المجتمع الفرنسي (الكاثوليكية والعلمانية) بشروط علمانية. وكانت العلمانية ستشكل روح الديمقراطية الجديدة بقدر ما ستشكل ثلاثية الجمهورية (الحرية والمساواة والأخوة). وتم تمديد القانون بعد ذلك ليشمل البروتستانت واليهود، الذين رحبوا بحمايته، لكن الإسلام ظل خارج نطاقه. وحتى يومنا هذا، فإن علاقة العلمانية بالإسلام تمر من خلال الامتداد الضمني وليس القانون.

تظاهرة احتجاجية لفرنسيات مسلمات على القانون الفرنسي بشأن الحجاب الإسلامي، 2020- فرانس برس

وفي حين أن التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة يضمن بشكل أساسي حرية الدين، تضمن العلمانية الفرنسية أيضا التحرر من الدين، كما في حالة التبشير الديني أو التعصب. ويُحظر على جميع الموظفين العموميين، بما في ذلك معلمو المدارس الثانوية، إظهار الرموز الدينية المتفاخرة، ولا يتم تشجيع دراسة ومناقشة الأديان. كما يُتوقع من المواطنين الامتناع عن إظهار قناعات دينية أو فلسفية عميقة في الأماكن العامة. إذ تعتبر الآراء الدينية ليست محمية على نحو يفوق أيّة آراء أخرى، ولا يمكن لأيّة مواطن التذرع بمعتقداته الدينية ليبرأ من مخالفة القانون.

اقرأ أيضاً: لماذا يرفض إخوان فرنسا التوقيع على ميثاق القيم الجمهورية؟

ووسع القانون الصادر عام 2004 من مبدأ منع الموظفين من إظهار الرموز الدينية بشكل واضح لطلاب المدارس العامة. وفي حين أن أتباع الديانات الأخرى لا يعترضون على مزيد من التقنين لروح العلمانية، فإن الأمر نفسه لا ينطبق على العديد من المسلمين، الذين يميلون إلى تفسير مثل هذه القوانين على أنها معادية للإسلام.

وفي حين أن العديد من المسلمين في فرنسا علمانيون، فإن الحدة الدينية وتأثير النسخ المحافظة من الإسلام آخذة في الارتفاع. وفي الوقت نفسه، يميل أنصار التعددية الثقافية في اليسار أكثر من أيّة وقت مضى إلى النظر للقيم الفرنسية العالمية والاستيعاب على أنها ستار من دخان للتمييز والإسلاموفوبيا والقمع. وفي فرنسا وأوروبا الغربية، تعتبر المنظمات الإسلامية المتشددة من بين المستفيدين الأساسيين من سياسة الهوية على النمط الأمريكي.

مسلم فرنسي يمر أمام رسائل عنصرية على جدران مسجد في وسط فرنسا، تقول”لا للعرب” بجانب علامة النازية- أسوشيتد برس

ويشجع النشطاء المسلمون الصلاة في الشوارع بهدف إضفاء الشرعية على ظهور الإسلام في الساحات العامة، كما يريدون أشياء مثل اللحوم الحلال في كافيتريات المدارس العامة، وطبيبات للنساء في المستشفيات، وساعات خاصة للنساء في حمامات السباحة البلدية، والتربية البدنية التي يفصل فيها بين الجنسين، والإعفاءات من دراسة الهولوكوست في المدارس.

ويعتبر اليسار المتطرف مقاومة هذه النداءات تمييزية ومعادية للإسلام، لكن معظم السكان يعتبرونها طلبات غير مشروعة للحصول على امتيازات خاصة. فيما يعارض يمين الوسط، واليسار الجمهوري التقليدي، وحزب التجمع الوطني الذي تنتمي إليه ماري لوبان، مثل هذه المطالب، كما تفعل غالبية السكان بشكل عام.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في فرنسا والتوجه نحو الاستثمار في التعليم

ويبدي بوفيت، اليساري الجمهوري، ورينود، اليميني المعتدل، قلقاً بالقدر نفسه من أن موجة التعددية الثقافية، والميل الليبرالي في الغالب للفقه القانوني الدولي والأوروبي، والتأثير العالمي للمعايير الثقافية الأمريكية، قد تركت فرنسا غير مستعدة للتعامل مع ظهور دين طموح.

كما يجادل بوفيت بأن تفسير الحرية الدينية أساساً على المستوى الفردي، وفقًا للتقاليد الفلسفية الليبرالية، “يفتقر إلى العمق الثقافي”. فعلى سبيل المثال، لا يعد النقاب والحجاب والبرقع والبوركيني (ملابس السباحة التي تغطي الجسم كله) مجرد قطع من الملابس، حيث يمكن أن تكون تعبيراً عن أيديولوجية سياسية تقوم على الإكراه.

الرئيس الفرنسي ماكرون يدافع عن شابة فرنسية تلقت تهديداتٍ بالقتل بعد تغريدات على إنستغرام ضد الإسلام، قائلاً إن الحق في “التجديف” منصوص عليه في الدستور، 2020_فرانس برس

وإلى جانب هذه التطورات القانونية، يعترف بوفيت بأن التعبير المفتوح على النمط الأمريكي عن تدين المرء أصبح شائعاً بين النخبة السياسية والإعلامية والأكاديمية الفرنسية، وكذلك جيل الشباب. ومع ذلك، فإن فهم فرنسا المميز لحرية العقيدة يحمي جميع المواطنين، بمن فيهم الملحدون، من الظهور والتأثير الدينيين المفرطين.

اقرأ أيضاً: رسائل ماكرون..هل وجدت طريقها إلى العالم العربي والإسلامي؟

وتأخذ مقترحات التوفيق بين العلمانية والإسلام عدداً من الأساليب المختلفة. حيث لا يتصور الفيلسوف الليبرالي الكلاسيكي، بيير مانينت، أن الإسلام يعتنق العلمانية في تياره الحالي. وبدلاً من ذلك، يقترح موازنة التأثير السياسي والثقافي للإسلام مع تنشيط الكنيسة الكاثوليكية. فيما يعارض بوفيت نهج مانينت، ويجادل بأن الدولة، وليس الكاثوليكية، هي ما يربط الأمة الفرنسية معاً.

وأخيراً يعترف هؤلاء الفلاسفة بأن العلمانية تثبت أنها غير قادرة على دمج المسلمين الذين يرفضون شرعيتها، أو منع تفتيت المجتمع الفرنسي إلى مجتمعات عرقية ودينية منفصلة كما هو الحال في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الدول الأوروبية الأخرى التي تفتقر إلى مفهومٍ مشابه للعلمانية، لم تحقق نتائج أفضل في دمج المسلمين.

♦عضو مجلس تحرير مجلة أمريكان بربس، وباحث مقيم ومحاضر في جامعة ستانفورد بواشنطن، جامعة ستانفورد. كما يدرّس في برنامج ماجستير فورد دورسي في السياسة الدولية في معهد فريمان سبوجلي للدراسات الدولية التابع لجامعة ستانفورد.

المصدر: مجلة أمريكان بربس

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة