الواجهة الرئيسيةترجمات

الإسلام والانتخاب الطبيعي:علماء عرب سبقوا داروين بنحو 1000 عام!

بينهم الجاحظ وابن خلدون والبيروني وابن مسكويه.. حيث لم تكن نظرية التطور تُقابَل بهذا العداء في المجتمعات الإسلامية قبل حلول القرن العشرين

كيوبوست – ترجمات

شيلا لاف♦

خلال صيف عام 1937، كان تشارلز داروين يجلس في مكتبه منهمكاً في رسمة توضيحية مبدئية لما يدور في ذهنه. كانت الرسمة تبدو كخربشة عابثة على دفتر الملاحظات؛ لكنها ستصبح في ما بعد أحد أهم الاكتشافات العلمية في التاريخ، حيث خطوط من الحبر يتفرع بعضها من بعض على هيئة شجرة؛ لكنها ليست أية شجرة، إنها نظريته في التطور عبر الانتخاب الطبيعي كطريقة بصرية لتوضيح كيف تتكيف النباتات والحيوانات مع بيئاتها المحيطة. وفي أعلى الصفحة كتب داروين بطريقة متعجلة: هكذا أفكر.

هناك آلاف من الطلاب حول العالم يدرسون التطور، وفي كل مرة يبدأون فيها الاطلاع على تلك النظرية العلمية فإنهم يدرسونها بدءاً من نقطة زمنية واحدة، أي حين لاحظ داروين مناقير الطيور على كل جزر جلاباجوس، ثم انطلق من تلك الملاحظة الصغيرة إلى جمع أشد ألغاز التاريخ الطبيعي إغراقاً في الغموض.

اقرأ أيضاً: كيف تكتب تاريخاً عالمياً مزيفاً؟

لكن تلك الراوية التي تركز على المجهود الفكري لشخص واحد تهمل في طريقها تاريخاً طويلاً من البشر، هؤلاء الذين تأملوا الكيفية التي تتنوع بها الكائنات عبر الزمن؛ فتلك التأملات عما نسميه بالتطور هي في الحقيقة بالغة القدم، ووجدت قبل داروين بزمن طويل. وربما هذا هو ما يدفع بعض الأساتذة الجامعيين والمتاحف العلمية الآن إلى تضمين هذا التاريخ المُهمَل، سواء في المناهج الدراسية أو بالمعارض العلمية.

ولدينا د.جيمس هيجام الذي يقوم بتدريس الإيكولوجيا السلوكية للرئيسات بجامعة نيويورك، وقد قام مؤخراً بإطلاق تغريدة على “تويتر”، مفادها أنه قام مؤخراً بعمل بعض التعديلات على المحاضرات التي يلقيها على طلاب المرحلة العليا من التعليم الجامعي؛ حيث كتب: “إنهم يدرسون الآن كيف أثر المدرسيون المسلمون في نشأة نظرية التطور، وأذكر أحدهم على وجه الخصوص وهو الجاحظ الذي عاش ما بين عامَي 781 و869م”.

وأضاف هيجام: “يبدو لي أن لدى الجاحظ وغيره نظريات تشبه إلى حد بعيد نظرية الانتخاب الطبيعي؛ حيث نشأت تلك النظريات قبل داروين ووالاس بنحو 1000 عام”. ويُذكر أن عالم الطبيعة ألفريد والاس كان قد توصل إلى نظرية الانتخاب الطبيعي بمعزل عن داروين، وفي الفترة الزمنية نفسها. في حين لم يتلقَّ هيجام خلال دراسته الأكاديمية أية معلومات ذات صلة بإنجازات الجاحظ في هذا المجال. هكذا صرح لموقع “فايس نيوز” الإخباري، وكل ما وصله من التعليم الجامعي عن الجاحظ هو كونه عالم إلهيات وكاتب وأكاديمي؛ لكنَّ أحداً لم يتحدث عن الجاحظ عالم البيولوجيا.

تشارلز داروين

ويقول هيجام في إحدى مراسلاته إليَّ عبر البريد الإلكتروني: “لقد أُصبت بالدهشة حين تعرفت إلى أي مدى نضجت أفكار الجاحظ حول مسألة التطور؛ فهو لم يتوقف عند القشرة الخارجية للفكرة، لكنه وضع يده على عدد من الأشياء المهمة كذلك؛ منها على وجه الخصوص فكرة التطور عبر الانتخاب الطبيعي. وقد ضمن في نظرياته إشارات إلى تنافس الكائنات على كمية محدودة من الموارد، كما أشار إلى تكيف الكائنات تبعاً للظروف البيئية المحيطة، فضلاً عن تنوع الكائنات عبر الزمن كنتيجة لذلك”.

اقرأ أيضاً: عن دور العرب في الحضارة الإنسانية

علماء مسلمون

وكان هيجام قد ضمَّن في تغريدته سالفة الذكر رسماً توضيحياً، أورد فيه ثمانية علماء مسلمين كتبوا عن تطور الكائنات الحية، ومنح الرسم التوضيحي عنواناً هو: “القصة غير المعلنة لعلم الأحياء: الاستمرارية التاريخية للأفكار التطورية لدى العلماء المسلمين بدايةً من القرن الثامن ووصولاً إلى داروين”، وهو العنوان نفسه الذي اتخذته الورقة البحثية التي تولى كتابتها العلمية، روي ديوجو، الأستاذ المساعد بجامعة هاوارد ونُشرت عام 2017.

كما يخطط هيجام إلى تضمين الجاحظ مع عددٍ من الأكاديميين (في ما قبل داروين) في منهجه التمهيدي الضخم عن أصول البشر. وكانت المفاجأة أن عدداً من الأساتذة الجامعيين قاموا بكتابة بعض التعليقات رداً على تغريدة هيجام، مفادها أنهم في طريقهم لاتخاذ الإجراءات نفسها؛ حتى إن آندي هيجينسون أستاذ الإيكولوجيا ومحاضر رئيس بجامعة إكستر، علق قائلاً: “لقد قُمت بالأمر نفسه في محاضرة الأسبوع الماضي!”.

ملاحظات علمية عن الزرافة من كتاب الحيوان للجاحظ تعود إلى القرن التاسع، مكتبة أمبروسيانا، ميلانو، إيطاليا

 

ليس هناك دليل واحد يثبت أن داروين قد اطلع على أعمال المدرسين المسلمين الذين عاشوا خلال القرنَين التاسع والعاشر الميلادي، هذا هو الأمر الذي أكده مدير “مركز الدراسات حول الوضع العلمي في المجتمعات العربية” سلمان حميد، وهو المركز الكائن بكلية الفنون الليبرالية بأمهيريست بمقاطعة هامسفير بولاية ماساتشوستس. ويضيف حميد أن “الحديث عن العلماء الذين سبقوا داروين لا ينطوي على تلويح لفكرة أن داروين سرق نظريته من هؤلاء، أو حتى الإشارة إلى أي شيء غرضه التقليل من شأن داروين ومكانته العلمية”.

شاهد: فيديوغراف.. طاغور جسر الهند إلى العالم

ولعل ملاحظة الأفكار التطورية عبر التاريخ وعبر الثقافات المختلفة من شأنها أن تجني لنا بعض الفوائد؛ من بينها توسيع رؤيتنا حول الطريقة التي تتطور بها الأفكار، حيث تنمو في موجات وتحتاج إلى التحسين من حينٍ لآخر، وهي تتأثر لا محالة بالثقافات التي تنشأ فيها وبالظرف التاريخي المحيط بها. وبدلاً من التقليل من إنجازات شخص عظيم مثل داروين، يمكن أن يساعدنا تضمين تاريخ العلماء الذين سبقوه في أمر آخر هو وضعه في صورة أكبر وأكثر ثراءً بين عدد من العلماء الذين ارتبطت أفكارهم بميكانيزمات الحياة.

كما أن هنالك فوائد أخرى ليست أقل أهمية؛ من بينها منح أنفسنا الفرصة لتأمل أي الأفكار التاريخية ما زال مؤثراً وأيها يتمتع بدرجة معقولة من العلمية، وأي من تلك الأفكار لا يمكن اعتباره كذلك بحال من الأحوال.

صفحة من كتاب القزويني “عجائب المخلوقات” يعود تاريخها إلى حوالي عام 1305_ المكتبة البريطانية

“إن تاريخ العلم لديه سمعة سيئة في ما يتعلق بعلاقته بمن نسميهم (الرجال العظماء)”، هذا هو رأي سارا القيداوي الحاصلة على درجة البكالوريوس في تاريخ العلم من جامعة تورونتو، وهي تعتقد أنه من الضروري أن نتعامل بعقلية نقدية حيال هؤلاء “العظماء”؛ أيهم يستحق وأي منهم لا يستحق هذا التكريم. وعلى الجانب الآخر -تضيف سارا- لدينا عالم البيولوجيا الشهير إرنست ماير، الذي كتب عام 1982 في كتابه بالغ التأثير (تطور التاريخ البيولوجي): “أستطيع أن أؤكد أن العرب لم يقوموا بأية مساهمات جديرة بالذكر في تاريخ نظرية التطور”، متخطياً بذلك في حركة واحدة عدداً كبيراً من العلماء المسلمين.

سارا القيداوي لديها الآن أطروحة علمية تعكف على العمل عليها تدور حول أحد هؤلاء الأكاديميين المسلمين الذين اشتغلوا على نظرية التطور، وهو سيد أحمد خان، عالم هندي عاش في القرن التاسع عشر؛ حيث دافع في كتاباته عن أفكار داروين، كما كان له بعض المعتقدات التي تخصه حول مسألة التطور. حيث نظر إلى الإنسان باعتباره أحد أفراد المملكة الحيوانية، وأن الجنس البشري كان قد تطور عبر عملية تطورية طويلة الأمد. والأهم من ذلك كونه لم يعتقد في أن تلك النظرة تتعارض بأي شكل من الأشكال مع الإسلام أو القرآن الكريم، ومرد ذلك إلى اعتقاده في وجود يد إلهية قادت عملية التطور من أعلى.

اقرأ أيضاً: صورة “الأنا” في الخطاب الإعلامي الديني

وقد تضمنت الورقة البحثية التي كتبها روي ديوجو عام 2017 عدداً من العلماء المسلمين؛ من بينهم الجاحظ بالطبع، وهو عالم الحيوان الذي عاش في العراق خلال القرن التاسع الميلادي، واشتهر كتابه (الحيوان)، الذي يتألف من 7 مجلدات ويتضمن ملاحظات شاملة عن الكائنات المختلفة، ومن خلال دراسته التي امتدت لسنوات توصل الجاحظ عن طريق الحدس إلى بعض النتائج؛ منها أن الظروف البيئية محفز رئيس لنشوء الكائنات من بعضها بعضاً، ويعود السبب في ذلك -حسب الجاحظ- إلى قيام تلك الكائنات بتطوير بعض السمات الجسمانية الجديدة للبقاء على قيد الحياة، وسط الظروف البيئية المتنوعة.

وبالطبع، لم يكن الجاحظ هو العالم الوحيد السابق على داروين الذي تضمنته الورقة التي أعدها ديوجو وزملاؤه، فقد تضمنت بعض الأسماء الأخرى؛ منها:

كولاج صفحات من كتاب كليلة ودمنة الذي تضمن حكايات على ألسنة الحيوانات وصفاتها تعود إلى عام 1220_موقع التراث الإسلامي

أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، الذي سبق داروين إلى الحياة بنحو 800 عام، وقد آمن في بعض الأفكار؛ منها أن البشر قد تنقلوا عبر رحلة طويلة بدءاً بالمعادن وصولاً إلى النباتات وانتهاءً بالحيوانات، وكانت الحماية (البقاء على قيد الحياة) هي المحرك لتلك الرحلة، وهو ما آل إلى أن تتسم طبيعة البشر بسماتٍ قادمة من العوالم السابقة عليهم. كما اعتقد في أن القردة هم المخلوقات التي انتقل البشر من خلالها إلى طبيعتهم الحالية.

اقرأ أيضاً: طه حسين في ذكراه الـ46… الإسهام المعرفي والثقافي

وكتب ابن خلدون، وهو مفكر مسلم عاش في شمال إفريقيا خلال القرن الرابع عشر الميلادي: “لقد بدأت تلك العملية من عند المعادن، ثم تطورت بشكل تدريجي بالغ في المهارة إلى النبات والحيوان.. ثم اتسع عالمُ الحيوان بعد ذلك، وتعددت أنواعه. وفي مرحلة متدرجة من الخلق، جاء الإنسان القادر على التفكير والتأمل“. كما يذكر ديوجو وزملاؤه عن ابن خلدون رفضه القاطع ربط البشرة السوداء باللعنة، وهو المعتقد الذي شاع لزمن طويل حول بعض البشر الذين أصابتهم اللعنة كعقابٍ على الخطيئة؛ فعوقبوا هم وبنوهم ببشرة سوداء على أجسادهم؛ لكن ابن خلدون كان يفكر في أمر آخر، وهو العلاقة السببية بين لون البشرة الداكن والطقس الحار الذي تتمتع به المناطق الجنوبية، وهو ما ثبت صحته بعد ذلك بزمن طويل.

ولا يمكن أن ننسى رجلاً مثل ابن مسكويه، الفيلسوف المسلم ذي الأصول الفارسية الذي عاش في القرن العاشر الميلادي؛ حيث كتب عن اعتقاده في تطور البشر عن حيونات أخرى، لكنه آمن كذلك بأن الله قد ضمن للبشر وحدهم نعمة الإدراك العقلي. ومن الواضح الآن أن كل تلك الأفكار التي تخص ابن مسكويه وغيره هي أفكار شبيهة إلى حد بعيد بفكرة الانتخاب الطبيعي، نشأت قبل ظهور داروين بآلاف الأعوام، وتعكس تلك الأفكار جميعها تاريخاً غنياً لنظرية التطور.

النسخة الإنجليزية من كتاب “المقدمة” لابن خلدون_موقع التراث الإسلامي

 

وهذا هو الأمر الذي يؤكده ديوجو؛ حيث يقول: “بعض الناس سيطَّلعون على تلك المعلومات، ليقولوا: هذه أفكار شبيهة بداروين؛ لكنها لا تمثل داروين بالضبط. وبالطبع هم على حق لسبب واحد؛ لا أحد يستطيع أن يكون (داروين) إلا (داروين) نفسه، وينطبق الأمر على كل البشر؛ لكن لا أحد يستطيع كذلك أن ينكر أن لدى هؤلاء العلماء أفكاراً تطورية شديدة الوضوح، حتى إن أحدهم تحدث عن نشأة البشر من القردة، ولا يوجد ما هو تطوري أكثر من ذلك. وكانت ريبيكا ستوت، مؤلفة كتاب «أشباح داروين»، قد قالت في معرض كتابها الذي صدر عام 2013: “لم يسمع داروين قط عن الجاحظ، ولا يبدو أنه انتحل أفكاره؛ لكني متأكدة من أنه كان سيقع في غرام كتاب الجاحظ، فقط لو كان قد تعلم قراءة العربية”.

اقرأ أيضاً: أن تكون مثقفاً مجافياً للسلطة رهيناً لغيرها

إشكالية التاريخ

وهناك على الجانب الآخر علوم الفضاء، تلك التي نجد في تاريخها رابطاً وثيقاً بين العلماء المسلمين والغربيين، وربما أشد صلة من ذلك الذي نجده في نظرية التطور البيولوجية؛ لكن وللمرة الثانية نجد أن قصة العلم ما زالت تدرس للطلاب على نحو منقوص. وحين يدرس الطلبة تاريخ العلم، فإن المناهج المفروضة عليهم تبدأ غالباً بتاريخ الأكاديمية لدى الإغريق والرومان مروراً بالعصور المظلمة، تلك التي لا نجد فيها إلا النذر اليسير من التقدم العلمي أو الثقافي. وما يحدث بعد ذلك هو أن تاريخ العلم في الجامعات يتخذ قفزة سريعة إلى بدايات عصر النهضة والثورة العلمية؛ لكننا ننسى في الغالب أنه خلال تلك العصور المسماة بـ(المظلمة) كان يحيا على الضفة الأخرى من العالم العصر الذهبي للإسلام.

ويضيف حميد: “تدور القصة الشائعة في الأدبيات الأكاديمية على النحو التالي: لقد اكتفى المسلمون خلال العصر الذهبي للإسلام بترجمة وحفظ العلم الذي تسلموه عن الإغريق والرومان، ومن ثمَّ قاموا بتسليمه مرة أخرى إلى الأوروبيين ليقوموا بتطويره. وفي حقيقة الأمر لم يكتفِ العلماء المسلمون بتلك الأمور، ولم يتوقفوا عن إدخال التعديلات إلى الأعمال التي عكفوا على ترجمتها. وكانوا ينظرون إلى السماوات من حولهم ويخضعون الأشياء للملاحظة، وبهذه الطريقة كانوا يجعلون المعلومات والأفكار التي بين أيديهم أوفر دقة”.

رسم توضيحي من مخطوطة عربية لتشريح الحصان يعود إلى القرن الخامس_موقع التراث الإسلامي

وتنتقد لورين سومنر روني، وهي تعمل كباحث مساعد بمتحف أكسفورد للتاريخ الطبيعي، طريقة تدريس العلوم التي تعتمد على التركيز على ثقافة واحدة أو فترة زمنية بعينها، وتقول: “إن تلك الطريقة توحي للطلاب بأن البشر كافة، ظلوا يفكرون في الحياة على نفس المنوال؛ أي ظل الأمر كذلك حتى أتى شخص واحد أو كتاب واحد وقلب الطاولة، فهل هذا ما حدث بالفعل؟”.

وتعكف سومنر روني، بصحبة آخرين، على تطوير المعرض الدائم للتطور؛ بغرض تغيير تلك الفكرة الخاطئة والتأكيد أن تاريخ نظرية التطور يعود إلى ما قبل عام 1859 بزمن طويل، حيث تأمل روني في أن ينجح معرضها في جذب الانتباه لتلك الحقيقة. تقول: “نعكف الآن على تطوير محتوى المعرض؛ ولكي ننجح في ذلك الأمر فإننا نقوم بدراسة تاريخ مفهوم الانتخاب الطبيعي لدى الصينيين والمسلمين والسكان الأصليين للأمريكتَين والحضارات التي نشأت في منطقة القارة الأسترالية، وما عدا ذلك بالطبع؛ أي كل ما يمكن أن نتحصل عليه من الأفكار الرئيسة التي تتشابه مع النظرية الداروينية، سواء وجدناها في الكتابات الأكاديمية أو التاريخ الشفهي أو التراث الشعبي حول العالم”.

بينما يقول ديوجو: “يتم النظر حتى الآن إلى تاريخ الأكاديميات القادم من الثقافات الأخرى طوال الوقت باعتباره إما فلسفةً وإما ديناً لا باعتباره علماً. وقد ضمَّن الأكاديميون المسلمون في ما قبل داروين الفعل الإلهي لنظرياتهم؛ لكن هل يعني هذا التضمين أن نظرياتهم كانت نوعاً من التـأمل الديني أكثر من كونها علماً؟”.

صورة انطباعية للبيروني على طابع بريد سوفيتي صدر عام 1973

وكان د.نيكولاس كريستاكيس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ييل، قد كتب تغريدة مثيرة للتأمل في سبتمبر الماضي؛ حيث قام بذلك رداً على إحدى التغريدات المنشورة على “تويتر”، والتي تتحدث عن ضرورة تنقية المناهج العلمية من الأيديولوجيات الاستعمارية؛ حيث كتب: “لكي تتسم مجهوداتنا بالشمول، علينا أن ندرس بعض النظريات الأسطورية داخل المناهج العلمية؟ ومن المؤكد أن هناك مَن سبقوا جاليليو وبور وأينشتاين؟ أنا متأكد من أن هناك نظريات بارعة سبقت هؤلاء؛ لكنها لم تكن علمية”.

اقرأ أيضاً: فاطمة الفهرية مؤسسة أول جامعة في العالم

وبالعودة إلى ديوجو، فقد عبَّر عن شعوره بأهمية تأمل بعض المفردات من جديد، وهو يتساءل في ما إذا كنا نستخدم ألفاظاً مثل الأسطورة والفلسفة والدين، للإشارة إلى بعض الأفكار فقط لكونها أتت إلينا من ثقافات أخرى بخلاف الغرب؟ فقد سيطرت المعتقدات الدينية على التاريخ البشري في ما مضى، ولم تخلُ ثقافة من هذا الأمر؛ حتى إن داروين نفسه كان قد اشتبك مع الدين وتساءل ما إذا كانت هناك إمكانية للتعايش بين المعتقد الديني ونظرية الانتخاب الطبيعي، لكننا نستشف من خلال مراسلاته أنه انتهى إلى أن العلم لا يمكن أن يجيب عن سؤال الإله.

وقد كتب في رسالة له عام 1879: “خلال تقلباتي الفكرية العديدة، لم أكن ملحداً ذات يوم بمعنى إنكار وجود الإله. عموماً، وليس على الدوام، أعتقد أن اللا أدرية هي الوصف الأقرب لحالتي العقلية، وكان ذلك الشعور يتأكد لي كلما تقدمت في العمر”. ويرى حميد أن استخدام لفظة “عالم Scientist” لإقرار مَن يتمتع عمله بالموثوقية من عدمه تبدو كفكرة محيرة؛ وهي على الأرجح تستدعي الماضي برائحة الحاضر، فكلمة “عالمScientist ” لم تكن قد استخدمت قبل الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، وقبل ذلك التاريخ كان يُطلق على الذين يعملون بمجالات البيولوجيا أو الطبيعة مؤرخو الطبيعة أو فلاسفة الطبيعة؛ حتى إن نيوتن لم يكن يطلق على نفسه اسم عالم.

صورة تعبيرية للجاحظ الذي ولد في البصرة عام 776م  وتوفي عام 868 م

ولعل تضمين الإنجازات التي حققتها أكاديميات مختلفة حول فكرة التطور يمكن أن تحقق فائدة ما زالت بعيدة المنال؛ حيث يمكنها أن تجعل دراسة علم التطور قابلة للتطبيق في المناطق التي ما زالت تعتبر هذا العلم نوعاً من التابوه المحظور، ومن بينها الدول الإسلامية، فبإمكان أمر كهذا أن يبعث حالة من الرضا لدى الطلاب في تلك البلدان، وعلى الأخص إذا عرفوا أن تلك الأفكار قد تأملها أناس ينتمون إلى ثقافاتهم منذ آلاف الأعوام.

وكانت رنا دجاني؛ أستاذة البيولوجيا الجزيئية بجامعة الأردن، قد تحدثت في كلمتها الافتتاحية بمجلة “نيتشر” عام 2015 عن أمر مشابه؛ حيث تحدثت عن إشكالية تدريس التطور للطلاب المسلمين. وفي الوقت الذي تقوم فيه دجاني بتدريس نظريات العلماء المسلمين الذين أسهموا بأفكارهم في نظرية التطور، فإنها تؤكد لطلابها أن نظرية التطور لم تكن تُقابل بهذا العداء في المجتمعات الإسلامية قبل حلول القرن العشرين، وهو الوقت الذي ارتبط فيه اسم داروين بالأفكار الاستعمارية والعنصرية والمادية والإلحاد والغرب.

اقرأ أيضاً: كيف يدمر الصراع والإرهاب الحضارة البشرية؟

وحينما يتم تضمين هذا الخيط الذي يصل تاريخ التطور ببعضه البعض، فإن طلابها يتمكنون، حينذاك، من رؤية ثقافتهم بطريقة مغايرة؛ أي باعتبارها جزءاً أصيلاً من تاريخ استكشاف جذور الحياة على ظهر كوكب الأرض. يقول ديوجو: “إنه من خلال التعرف على التاريخ الكامل للمفكرين الذين انشغلوا بنشأة الحياة ومن أين بدأت، يمكننا أن نرى إنجازات داروين أكثر إثارة للإعجاب؛ لأن ذلك يجعل من داروين أكثر عظمة لا أصغر حجماً. فقد كان داروين ووالاس قادرَين على توليف وتقديم الأدلة، ودعم انتشار تلك الأفكار التي تم تداولها منذ آلاف السنين”.

 

♦محررة أساسية في مجلة فايس مهتمة بالعلوم والصحة.

المصدر: مجلة فايس

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة