الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الإسلاميون ومنصات التواصل الاجتماعي بالمغرب.. تدافع أم استقطاب؟

يعتبر الإسلام السياسي في المغرب من أقوى التيارات السياسية التي تنشط في وسائط التواصل المجتمعية عبر الإنترنت

كيوبوست – حسن الأشرف

لعل من الموضوعات غير المطروقة كثيراً، علاقة الإسلاميين -بصفة عامة- مع منصات التواصل الاجتماعي المختلفة؛ مثل “يوتيوب” و”فيسبوك” و”تويتر” و”تيك توك”.. وغيرها من المنصات والشبكات التواصلية الحديثة، وكيف ولماذا يستخدمونها؟ وماذا ينشرون فيها؟.. إلخ.

وأدرك الإسلاميون في المغرب، إخوان وسلفيون وصوفيون و”جهاديون” وغيرهم، الأدوار التأثيرية الكبيرة لهذه المنصات والشبكات على الإنترنت، ومدى انتشارها بين الناس؛ خصوصاً بين فئة الشباب، فعكف كثيرون منهم عليها لينشروا فيها خطاباتهم ودعوتهم وأفكارهم.

اقرأ أيضاً: أوروبا والتهديد الحقيقي لوسائل التواصل الاجتماعي

وبات عدد من الإسلاميين في المغرب؛ لا سيما السلفيين منهم، يفضلون التوجه إلى “الجمهور” عبر منصات التواصل الاجتماعي أكثر من الدروس في المساجد؛ بالنظر إلى “الحشد البشري” الذي قد يلامسه مقطع فيديو مقارنةً مع العدد القليل لمرتادي المساجد.

أنشطة كثيفة

وينشط إسلاميون مغاربة في شبكات ووسائط التواصل الاجتماعي بشكل كبير؛ فالمنتسبون إلى تيار “الإسلام الحركي” أو “الإسلام السياسي” ينشؤون صفحات خاصة بهم على موقع “فيسبوك”، وقنوات خاصة على منصة “يوتيوب”، يدلون من خلالها بآرائهم وينشرون أفكارهم انطلاقاً من أيديولوجياتهم السياسية.

الإسلاميون نشطون في مواقع التواصل الاجتماعي

ويبدو أن الإسلاميين المغاربة وجدوا ضالتهم في هذه المنصات التواصلية لعدة أسباب رئيسية؛ أولاً لأنها سهلة الاستخدام، وثانياً لكونها تعوضهم عن وسائل الإعلام الرسمية التي لا يجدون بالضرورة مكاناً لهم فيها، وثالثاً لأنها منصات تنشر الأفكار والصور والتعبيرات بشكل أكبر من غيرها.

ويلاحظ على المنتسبين إلى حركات الإسلام السياسي، وتحديداً “تيار الإخوان”، نشاطهم الكثيف على هذه الشبكات من خلال متابعة الأحداث السياسية والاجتماعية الجارية، والتعليق عليها، وإطلاق الشعارات وكتابة التعليقات التي تدافع عن مشروع حزب العدالة والتنمية.

اقرأ أيضاً: وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات المضللة في أوكرانيا

من جهتهم، يحضر التيار السلفي بشكل كبير في منصات التواصل الاجتماعي، سواء أكان الشيوخ المخضرمين أم الدعاة الشباب الجدد، من خلال ما ينشرونه في “يوتيوب” أو “فيسبوك”، وهناك منهم مَن صاروا يوثقون ويتقاسمون بعض لحظات حياتهم اليومية أيضاً مع جمهورهم المفترض.

ولمعت أسماء دعاة سلفيين في هذه المنصات بفضل المتابعات الكثيرة لهم؛ حيث بات الإقبال كبيراً على دروسهم ومحاضراتهم التي يلقونها في بث مباشر أو عبر تطبيقات حديثة، تتضمن دروساً ومواعظ دينية؛ فمنهم مَن لا يتعصب لفكره وأيديولوجيته، لكن منهم أيضاً الذين يروجون لأفكارهم وتوجهاتهم السلفية.

يحضر التيار السلفي بشكل كبير في منصات التواصل الاجتماعي

مؤثرات ثقافية

ولعل من الدراسات القليلة التي تطرقت إلى موضوع علاقة الإسلاميين بوسائل التواصل الاجتماعي ما سبق أن نشره الباحث المغربي في علم الاجتماع السياسي والديني عكاشة بن المصطفى، في مركز المسبار للأبحاث بعنوان “الإسلاميون والتواصل الاجتماعي: المؤثرات الثقافية”.

وتورد الدراسة أن فئة من الإسلاميين يتمردون على النظام السياسي والاجتماعي والديني في البلد، ويحتجون على مؤسسات الدولة القائمة؛ خصوصاً المؤسسات الدينية كمؤسسة العلماء والمفتين ووسائل الإعلام الرسمية، مما يجعلهم يبحثون عن مؤسسات ووسائل تواصل جديدة يجدون فيها أنفسهم ويعبرون من خلالها عن آمالهم وتصوراتهم.

اقرأ أيضاً: هل تقوم منصات التواصل الاجتماعي بإزالة أدلة على جرائم الحرب؟

وسجل الباحث ذاته أن “بعض الإسلاميين صنعوا من خلال تعاملهم في ما بينهم عبر هذه الوسائل التواصلية الجديدة أمة إسلامية افتراضية، غير موجودة في الواقع، وإنما متخيلة ومصطنعة من طرفهم حسب أفكارهم وتصوراتهم ورغباتهم”، مشيراً إلى أن هؤلاء الفئة من الإسلاميين الذين ينشئون لأنفسهم “أمة افتراضية” يقومون بهذا لأنهم لا يجدون أمة تقاسمهم مشاعرهم وأفكارهم وتدمجهم.

وتابع ابن المصطفى بأن “هذه أمة إسلامية افتراضية، حتى في الأسماء المختارة من طرف أعضائها؛ فهي في غالب الأحيان أسماء مستعارة من الماضي تمثل مخيالاً جمعياً معيناً لدى هؤلاء”، مبيناً أن “هذه الأمة الافتراضية ليست حاملةً لمبادئ ديمقراطية ومفهوم إنساني أخلاقي حول الإسلام، ولكنه إسلام صارم حرفي وشكلي في غالب الأحيان، فهو إسلام يعتمد على الجزئيات أكثر من الجوهر، ويركز على النقاشات الحماسية أكثر من تركيزه على الجوانب العقلانية والتنويرية للإسلام، كما أنه إسلام (ردود) وليس إسلام إنتاج وإقناع”.

رهانات الإسلاميين

د.يحيى اليحياوي

ويعلق الخبير المغربي المعروف في الإعلام، الدكتور يحيى اليحياوي، بالقول “إن تقسيم ما يُسمى بالإسلاميين إلى إخوان وسلفيين وجهاديين ودعاة، قد لا يكون دقيقاً في حالة المغرب، على الأقل بالنسبة إلى الإخوان كفصيل والدعاة كموجة. أما السلفيون فهم في الغالب أفراد، وهم إلى الجهاديين أقرب في نبرة خطابهم منهم إلى السلفية التقليدية المعتدلة والمسالمة”.

وسجل اليحياوي، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن هناك تقاطعات مع ما نلاحظه في بلدان المشرق؛ لكن ليس لدرجة المماهاة التامة، متابعاً بأن “خطابات هؤلاء جميعاً، وإن نهلت من منهل واحد، ثم تقاطعت في الغاية وفي التصور العام؛ فهي ليست واحدة ولا موحدة”.

اقرأ أيضاً: دور وسائل التواصل الاجتماعي في “الربيع الأمريكي” ومستقبل الانتخابات الأمريكية

وبالعودة إلى الموضوع، يرى اليحياوي أن “استخدام الحركات الإسلامية للشبكات الرقمية؛ من إنترنت وشبكات تواصل اجتماعي، هي ربما مزامنة لهذه الشبكات، لكن عندما أصبحت شبكات جماهيرية استغلوها في الدعاية الممركزة، ثم في نشر التهديدات، ثم في تنسيق العمليات عبر تبادل المفاتيح المعلوماتية السرية، ثم في التطبيقات العملية، خصوصاً في المراسلات الفورية”.

وزاد الخبير قائلاً “في حالة المغرب، لم يتم اللجوء إلى كل هذه الأدوات؛ لأن الحركات المتطرفة، من تدين بالولاء لـ(لقاعدة) و(داعش) إلى حين عهد قريب، كانت تدرك منذ اليوم الأول أن تحركاتها مرصودة وولوجها للشبكات قد يكون مصيدة لها، فآثرت الاشتغال بالتنسيق المباشر، دون الاعتماد كليةً على وسائل التواصل الاجتماعي، لا في صيغته كشبكات ولا في صيغته كتطبيقات”.

سلفيون يفضلون نشر دروسهم عبر الشبكات الاجتماعية أكثر من المساجد- (مواقع التواصل)

أما “الجماعات” التي لم تتبنَّ العنف، يضيف المتحدث، فقد التزمت بموجبات الدعوة، والعديد من هؤلاء تحولوا إلى دعاة بـ”فيسبوك” و”تويتر”، ومن خلال فتح حسابات على “يوتيوب”، مردفاً أن الملاحظ أن ثمة تبايناً في نبرات خطابهم؛ بين مَن يدَّعي نشر الدعوة وبين مَن يدَّعي تصحيح الدين؛ لكنهم جميعاً لا يتجاوزون السقف المحدد، لأنهم تحت الرصد والمراقبة ولو عن بُعد.

وأكمل اليحياوي “هم يراهنون على التأثير في شريحة الشباب، من خلال الترويج للقيم التي لا تتصادم مع المجتمع؛ لذلك فهم يتجنبون في تدويناتهم وتغريداتهم وخطاباتهم على اليوتيوب، الاقتراب من الموضوعات الحساسة، ويكتفون بتمرير رسائل يعتبرونها توعوية وروحية ومن صميم القيم الإسلامية”.

اقرأ أيضاً: حوار خاص مع د.هند السديري حول المرأة السعودية ووسائل التواصل الاجتماعي

وخلص اليحياوي إلى أن “المصيبة هي أن هذه الشبكات أفرزت دعاة من نوع جديد؛ حيث يوجد كل واحد منهم بصفحته على اليوتيوب، وهم عبارة عن مجموعة من الأسماء النكرة تتحدث في الدين، فتحلل وتحرم ويتابعها الملايين”.

أسلمة المجتمع

من جهته، يرى الباحث رفيقي أبو حفص، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن الإسلام الحركي أو الإسلام السياسي في المغرب يعد من أقوى التيارات السياسية التي تنشط في وسائط التواصل الاجتماعي، مبرزاً أن “هذا راجع إلى (الحس الدعوي) الذي تقوم به هذه الجماعات”.

أبو حفص رفيقي

واسترسل أبو حفص بأن “هذا التيار يعمد إلى نشر أفكاره وأيديولوجياته واختراق المجتمع ومحاولة أسلمته؛ لكونه يدرك أن وسائل التواصل الاجتماعي تعد منبراً ذا أولوية في نشر الأفكار وسط الشباب”.

وتابع المتحدث بأن هؤلاء الإسلاميين ينشطون بشكل كبير في هذه المنصات من خلال الصفحات والفيديوهات والمجموعات والمشاركات، ولديهم حضور قوي ولافت بخلاف الاتجاهات والتيارات الإسلامية الأخرى؛ مثل قنوات الإسلام الرسمي أو الإسلام الصوفي، وغيرها من الاتجاهات والتيارات الإسلامية.

اقرأ أيضاً: وسائل التواصل الاجتماعي تحول جيلًا من الأطفال إلى كاذبين!

ومن جهة أخرى، سجل رفيقي النشاط الكبير للتيار السلفي في مواقع التواصل الاجتماعي؛ بدليل حصولهم على مئات الآلاف من المتابعات والمنشورات، كما سلكوا مسلكاً جديداً إلى ما يسمونه “الدعوة إلى الله”، والقصد منه الترويج لما يحملونه من أفكار وأيديولوجيات.

وأكمل رفيقي: “إن السلفيين نشطون جداً في نشر أفكارهم، والدعوة إليها بمظهر جديد؛ إذ يحاولون إظهار تصالحهم مع منتجات الحداثة وقربهم من الشباب باستعمال لغة قريبة من اللغة الرائجة في هذه المواقع”، متابعاً بأن “كثيراً من الدعاة السلفيين يروجون لأفكارهم عبر الفكاهة أحياناً، وادعاء المعرفة أحياناً أخرى، واستخدام مصطلحات شبابية؛ لعلمهم أن الشباب أكثر فئة اجتماعية تتعامل مع منصات التواصل الاجتماعي”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة