الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الإرهاب يهدد العملية الانتخابية في نيجيريا

لم يغب العنف يوماً عن المشهد السياسي في نيجيريا إلا أن الجماعات المتطرفة تحاول جر البلاد إلى سيناريو كارثي بسبب الانتخابات

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

لم يكن “فيمي غباجابياميلا”، رئيس مجلس النواب النيجيري، يرجم بالغيب عندما حذَّر من تصاعد أعمال العنف مع اقتراب موعد الانتخابات التي ستُجرى في 25 فبراير الجاري، داعياً خلال كلمة ألقاها بمناسبة استئناف الدورة التشريعية لعام 2023، التأمت الأسبوع الماضي، إلى تضافر الجهود لكبح ما سماه بالاتجاه القبيح، في مهده قبل بدء الانتخابات العامة، كما حث النخب السياسية على “الاحتراس من الأقوال والأفعال التي قد تؤجج جمر الفتنة بين النيجيريين في الأيام المقبلة”؛ فقد تصاعدت بالفعل وتيرة أعمال العنف في البلد الواقع غرب إفريقيا، والذي يملك أكبر اقتصاد وعدد سكان في القارة، خلال الأسابيع الماضية.

 وكان متظاهرون غاضبون أضرموا النار في قسم للشرطة ومبانٍ أخرى وسيارات؛ احتجاجاً على مقتل القس إسحاق آتشي، وخطف 5 أشخاص آخرين في هجومَين منفصلَين شمال ووسط البلاد، الأسبوع الماضي، بينما قُضي 80 فرداً في نحو 67 حادثة عنف وهجمة إرهابية في غضون الشهرَين الماضيَين؛ وفقاً لبيانات مُحدَّثة صادرة عن الشرطة النيجيرية.

اقرأ أيضاً: تفجيرات نيجيريا.. صراعٌ ديني أم استحقاقٌ انتخابي دموي؟

عنف وفساد

وفي السياق ذاته، فإن الناخبين النيجيريين سيتوجهون في 25 فبراير إلى انتخاب الرئيس ونائبه، ونواب مجلسَي النواب والشيوخ، بينما ستُجرى انتخابات حُكَّام ونواب مجالس الولايات في 11 مارس، بينما ستتولى المحكمة الجديدة أعمالها في 29 مايو.

مشهد لدعاية انتخابية سابقة- وكالات

بالنسبة إلى عثمان عمر، المحلل السياسي المهتم بالشأن النيجيري، فإن العنف لم يغب يوماً ما عن جميع السباقات الانتخابية التي جرت في نيجيريا، بجانب الفساد الانتخابي من تزوير لسجلات الناخبين ونتائج الانتخابات والرشى المقدمة للناخبين؛ لكن كل ذلك تقلص إلى حده الأدنى مع مزيد من الممارسة الديمقراطية، بينما تبقَّى العنف كسمة (عالمية) للعقدَين الأخيرَين، ودون تقليل من أثره وظلاله السالبة على المشهد الانتخابي، إلا أني لا أعتقد أنه سيعطل الانتخابات؛ خصوصاً إذا علمنا أن ظاهرة العنف المرافقة للانتخابات تكون في الغالب مُصطنعة ومُدبرة، كجزء من الفساد الذي يكتنف العملية الانتخابية في نيجيريا، والذي كما أشرت سلفاً من صُنع أيدي السياسيين والأجهزة الأمنية الموالية لهم.

عثمان عمر

ويضيف عمر، في حديثه إلى “كيوبوست”: مع إطلاق نيجيريا دستورها الجديد عام 1999 كإحدى الخطوات للتوجه نحو الديمقراطية؛ والذي نص على عدم جواز الترشح لأكثر من عهدتَين رئاسيتَين لضمان التداول على السلطة وتثبيت الحكم الديمقراطي، وضعت الدولة الإفريقية الكبيرة قدمَيها على أرضية صلبة نحو التحول الديمقراطي الحقيقي، رغم أن الأجهزة الأمنية لا تقوم بعملها على الوجه المطلوب حتى الآن في حماية حق الشعب في التصويت والاختيار بحرية ودون تحريض أو أي شكل من أشكال المضايقة، وأن على السياسيين أن يكفوا عن التصرف كما لو أن انتخابات هذا العام هي نوع من الحرب.

ويستطرد عمر: في الواقع، تواجه نيجيريا بجانب المشكلة الأمنية، مشكلات أخرى لا تقل أهمية عنها، وإن كانت تبدو وكأنها غير مرئية، فميزانية الدولة لعام 2023 التي تم طرحها مؤخراً تعاني عجزاً يبلغ 77 تريليون نيرة، بينما بلغ معدل البطالة خلال العام الماضي أكثر من 33٪، وفاقت نسبة الديون المتراكمة 22 تريليون نيرة، بينما قُدرت الإيرادات المتوقعة بنحو 10 تريليون نيرة، مع احتمال رفع الدعم عن الوقود.

اقرأ أيضاً: حروب الرعاة والمزارعين في إفريقيا.. خدمة مجانية للإرهابيين

أرضية رخوة

ورغم أن السباق الانتخابي يقف على أرضية رخوة وزلقة؛ فإني لا أعتقد أنها ستحول دون إجرائه في وقته المحدد، فمنذ أن عرفت نيجيريا الديمقراطية في مايو 1999، ظل العنف والفساد ملازمَين لها، وإن كانت نسبتهما تتراجع مع كل دورة انتخابية جديدة.

ومع ذلك، تواجه العملية الانتخابية لهذا العام في نيجيريا، تهديدات من اتجاهات مختلفة؛ فبجانب الارتفاع المطرد لأسعار السلع الضرورية ومعدل البطالة بين الشباب، وتصاعد الخطاب العرقي والجهوي، فإن تنامي ظاهرة العنف مع صعود التيارات الجهادية والعنصرية أفرز واقعاً شديد الهشاشة وقابلاً للانفجار في أية لحظة.

مشهد لسرقة خطوط أنابيب النفط والغاز- وكالات

وفي هذا الإطار، شهدت أجزاء من شرق نيجيريا وأماكن أخرى، حرقَ الكثير من مراكز الشرطة ومكاتب تابعة لمفوضية الانتخابات المستقلة (INEC) كأهداف للحرائق وإطلاق النار من مجهولين دائماً؛ وذلك بهدف إعاقة المسار الديمقراطي وإخراج العملية الانتخابية لعام 2023 عن سياقها، فقد تعرضت بطاقات الناخبين إلى السرقة عدة مرات وفي مناطق مختلفة، وتم تدمير مولدات كهربائية وأجهزة كمبيوتر تابعة لها، واختفى جميع المهاجمين واللصوص، ولم يُعتقل منهم أحد.

وشهد الشهر الماضي حادثة تبادل إطلاق النار في منطقة أوجوتا، بالعاصمة السابقة لاغوس، بين أعضاء مؤتمر أودوا التقدمي (OPC) ونشطاء تقرير المصير في أودوا وأجهزة الأمن النيجيرية؛ حيث قُتل عدة أشخاص وأُصيب آخرون.

اقرأ أيضاً: جيوش موازية… الميليشيات تشكل خطراً على الدول الإفريقية

وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، وقع العديد من الحوادث المميتة والهجمات الإرهابية في أماكن متفرقة من البلاد؛ حيث أحرق مسلحون مجهولون مركزاً للشرطة في مجتمع أوموتشو في منطقة أغواتا، بولاية أنامبرا، علاوة على عشرات الحوادث العنيفة والمميتة في جميع أنحاء البلاد.

بيتر أوبي مرشح حزب العمال- وكالات

 ديناميات مختلفة

من جهته، وصف الباحث المهتم بشؤون غرب إفريقيا، عبدالله جرمة، في حديثه إلى (كيوبوست)، نتائج استطلاعات الرأي التي أجرتها منصات ومؤسسات محلية ودولية في ما يتعلق بالمرشح الأوفر حظاً للفوز بمقعد الرئاسة من بين 18 متسابقاً، والتي وضعت معظمها مرشح حزب العمال بيتر أوبي، الحاكم السابق على مقاطعة أنامبرا شرقي البلاد، لدورتَين متتاليتَين، على رأس القائمة؛ بأنها محض مؤشرات ربما تخيب، فالمرشحان بولا تينوبو، عن حزب جميع التقدميين الحاكم (APC)، وأتيكو أبوبكر، عن حزب الشعب الديمقراطي (PDP) المعارض، لا تزال حظوظهما بالفوز قائمة؛ خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار ديناميات الديمقراطية النيجيرية التي تختلف معطياتها وأساليب قياسها عن الديمقراطيات الغربية، فحزب العمال الذي ينتمي إليه المرشح أوبي يقع (يسار الوسط)، وبالتالي فإن استطلاعات الرأي التي تُجرى في المدن والحواضر الكبرى تغفل عن رصد رأي الكتل الديموغرافية التقليدية في الأرياف النائية، والتي دائماً ما تصوِّت لمرشحٍ ما؛ بناءً على معايير عرقية أو جغرافية أو دينية، حيثُ لا يتمتع حزب (أوبي) اليساري، بأي ثقل في ولايات نيجيريا البالغ عددها 36 ولاية؛ حيث يحظى المرشحان الآخران بالنصيب الأكبر.

عبدالله جرمة

يواصل جرمة حديثه إلى (كيوبوست)، مضيفاً: هذا فضلاً عن أن نسبة الناخبين غير المنخرطين تنظيمياً تحت مظلات الأحزاب السياسية؛ التي تبلغ نحو 29%، والذين يفضلون عدم الكشف عن مرشحهم المفضل، ربما يغيرون المعادلة في أي وقت.

بيد أن أوبي يتمتع بمزايا أخرى تؤهله للتفوق على منافسيه؛ أهمها أنه أصغرهم سناً، مع خبرة جيدة في العمل السياسي والإداري، كما أنه يقدِّم خطاباً يلامس القضايا الأساسية والأزمات الرئيسية التي تمر بها؛ مثل مفاهيم الرخاء المشترك والتركيز على أمن ورفاهية الشعب كأولوية في برنامجه الانتخابي، فضلاً عن حديثه المتواصل عن أهمية التنمية الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان وترسيخ مبادئ العدالة في توزيع الثروة على المواطنين؛ خصوصاً في ظل الزيادة السكانية الهائلة والديون الطائلة التي ترزح نيجيريا تحت وطأتها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة