الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الإرهاب سبب رئيسي في ازدهار تجارة المخدرات في إفريقيا

اقتصاديات المخدرات تنامت بشكل مثير للريبة والقلق في دول غرب إفريقيا التي يعتبر بعضها بين الأكثر استقراراً في المنطقة

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

بشكل منتظم وتنام مُطرد، صارت تجارة المخدرات ظاهرة مقلقة بالنسبة إلى حكومات وشعوب دول غرب ووسط إفريقيا؛ بدءاً من مطلع الألفية الثانية، حيث عرفت المنطقة لأول مرة تجارة المخدرات المنظمة بواسطة شبكات واسعة وتنسيق دقيق بين أفرادها في بلدان المنشأ بأمريكا اللاتينية ونظرائهم في إفريقيا. وفاقم من الأمر النشاط غير المسبوق للجماعات الإرهابية في المنطقة، والتي باتت تسيطر على جغرافيات واسعة من بلدان عديدة؛ خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

اقرأ أيضاً: النسخة الثامنة من منتدى داكار.. جدلية السلام والأمن في إفريقيا تحت المجهر

وشدد مكتب الأمم المتحدة، المعني بالمخدرات والجريمة، على أن الحروب والتوترات السياسية وتمدد الجماعات الإرهابية توفر بيئة مواتية لإنتاج المخدرات والاتجار بها؛ حيث تدر عائدات مالية كبيرة للجماعات المسلحة، ما يؤدي بدوره إلى تأجيج النزاعات.

وأشار التقرير الصادر في يونيو 2022، إلى أن الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، تنشط بشكل أساسي في الاتجار براتنج القنب وتهريبه من شمال إفريقيا إلى الأسواق الاستهلاكية في أوروبا والشرق الأوسط، وأن عمليات التهريب تؤدي أحياناً إلى اشتباكات مميتة بين الجماعات المسلحة في المنطقة. وكشف التقرير عن أن حجم المضبوطات عام 2021 بلغ في النيجر (214 كجم) وفي بوركينا فاسو (115 كجم) وفي مالي (33.9 كجم)؛ الأمر الذي يؤكد أن طريق الساحل لا يزال مهماً نسبياً كممر لعبور المخدرات.

ضبط كوكايين مهرب في العاصمة أبيدجان.. أبريل 2021- المصدر DGPNI

عبور واستهلاك

ويُفصِّل ذات التقرير أنه بين عامَي 2019 و2022 تم ضبط ما لا يقل عن 57 طناً من الكوكايين في غرب إفريقيا أو في طريقها إليها؛ إذ بلغ حجمه في الرأس الأخضر (16.6 طن)، وفي السنغال (4.7 طن)، وفي بينين (3.9 طن)، وفي كوت ديفوار (3.5 طن)، وفي غامبيا (3 أطنان)، وفي غينيا بيساو (2.7 طن).

وحسب أمادو فيليب دي أندريس، المدير الإقليمي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) لغرب ووسط إفريقيا، ومقره العاصمة السنغالية داكار، فإن استطلاعات وتقارير أجراها مكتبه بالتنسيق مع المركز الأوروبي لرصد المخدرات والإدمان (EMCCDA / EMCCDA)، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في باريس، وفريق الخبراء المعني بمالي للقرار 2541 لعام 2020، تؤكد أن تجارة القنب التي تعبر منطقة الساحل ينشط فيها بالأساس أفراد ينتمون إلى جماعات مسلحة. وأضاف، في تصريحات صحفية سابقة، أن تجارة الكوكايين المهرب عبر المحيط الأطلسي من أمريكا الجنوبية؛ تعمل على إعادة توجيه جزء من إنتاجها إلى غرب إفريقيا، تمهيداً لتهريبه إلى أوروبا والبلقان عبر البحر الأبيض المتوسط.

اقرأ أيضاً: بعد انسحاب مالي.. الاستراتيجية الجديدة لمجموعة الخمس في مهب الريح

مكافحة ضعيفة

عبدالله جرمة

بالنسبة إلى الباحث في الشؤون الإفريقية عبدالله جرمة، فإن تجارة المخدرات التي لم تكن تعرفها منطقة الساحل وغرب إفريقيا من قبل، تفشَّت بشكل لافت خلال العقد الأخير؛ حيث تفتقر الحكومات والأجهزة الأمنية هناك إلى أبسط مقومات المكافحة، فضلاً عن الهشاشة الأمنية التي فرضتها سيطرة بعض الجماعات الإرهابية على أجزاء واسعة من بعض الدول، بجانب عدم الاستقرار السياسي بسبب الانقلابات العسكرية والتدخلات الخارجية غير المثمرة، وفقاً لتعبيره.

ولفت جرمة، في حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن اقتصاديات المخدرات تنامت بشكل مثير للريبة والقلق في السنغال وغانا أو الرأس الأخضر، التي تعتبر الأكثر استقراراً بين نظيراتها من دول المنطقة، وأشار إلى مدينة غاو التي تشغل موقعاً استراتيجياً بين الصحراء والمحيط، وتقع على ضفاف نهر النيجر بشمال مالي، تعتبر مركزاً كبيراً لعمليات تجارة الحشيش بالنسبة إلى الجماعات الإرهابية التي بدأت أنشطتها كمجموعات إجرامية (قطاع طرق) قبل أن تعلن كل واحدة منها انتماءها إلى “داعش” أو “القاعدة”، وما يزيد الطين بلة -يواصل جرمة- أن هذه الجماعات تتكون من أفراد ينتمون إلى المجتمع المحلي؛ بل إن بعضهم زعماء محليون يتمتعون بوضع اجتماعي مميز بين المجتمعات القبلية، الأمر الذي يُصعِّب مهمة رصدهم ومراقبتهم أو اعتقالهم.

ضبط أطنان من الكوكايين لحظة تفريغها من سفينة على قارب بالقرب من الرأس الأخضر- وكالات

يستطرد جرمة: هنا لا بد من النظر إلى عامل مهم وحاسم في مكافحة تجارة المخدرات والإرهاب المتصلَين ببعضهما، وهو العمل على تعزيز قدرات دول منطقة الساحل على مكافحة المخدرات والإرهاب والجريمة المنظمة، وللأسف فإن استراتيجية الدول الداعمة؛ مثل فرنسا أو الأمم المتحدة، كثيراً ما تخطئ في تقديراتها فتبوء بالفشل، فليس كافياً أن تركز فقط على مقارعة الجماعات المسلحة والمهربين عسكرياً؛ ينبغي أن تُعطى الأولوية لدعم جهود دول المنطقة لتعزيز السلسلة القضائية بأكملها، أجهزة الأمن والشرطة والنيابات العامة والمحاكم، وتأهليها ومدّها بالآليات والتقنيات الحديثة، وستكون النتائج مذهلة، أما بهذه الطريقة فلن ينجح الأمر، يردف جرمة.

اقرأ أيضاً: مكافحة الإرهاب في إفريقيا.. هل ثمة حلولٌ جذرية؟

 ارتباط بنيوي

بالنسبة إلى القانونية والمهتمة بالشؤون الإفريقية، حرم أبوبكر، فإن الحدود الفاصلة بين الإرهاب ونشاط تهريب المخدرات في منطقة الساحل، أصبحت غير واضحة إلى حد أن النشاطَين يتكيَّفان مع بعضهما باستمرار، كما أنه من الخطأ أن تكرس بعض التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة معلومات مثل أن المهربين يستهدفون تجارة المخدرات بأوروبا، بينما الحقيقة أنهم بجانب ذلك يسعون أيضاً إلى خلق سوق استهلاكية في إفريقيا.

إحدى عمليات التفتيش والضبط بالسنغال تسفر عن طن من الكوكايين- وكالات

تشير أبوبكر، في إفادتها لـ”كيوبوست”، إلى أن أعداد مستهلكي القنب في السنغال تضاعفت في الآونة الأخيرة، كذلك ارتفعت نسبة تعاطي الكوكايين والترامادول والمواد الأخرى ذات التأثير النفسي، وقد ارتفعت نسبة استهلاك الكوكايين العابر إلى المنطقة من 10% إلى17%، خلال هذا العام؛ ما يشير إلى ارتفاع قاعدة المستهلكين المحليين.

حرم أبوبكر

وفي هذا السياق، ليس خافياً على أحد -تواصل أبوبكر حديثها إلى ” كيوبوست”، أن تطور استهلاك الترامادول (مادة أفيونية) في منطقة الساحل، أصبح جائحة وسط الشباب ما بين (16 و28) سنة، مشيرةً إلى أن المهربين يفضلون استخدام قوارب الصيد لإخفاء شحنات المخدرات؛ خصوصاً الكوكايين. أما القنب والحشيش فتسيطر الجماعات الإرهابية في الغالب على تجارتهما.

وليس ثمة طريقة لمكافحة تجارة المخدرات بمعزل عن مكافحة الإرهاب؛ لارتباطهما البنيوي ببعضهما، وعلى الحكومات الإفريقية أولاً، ثم الدول والمنظمات الداعمة لها، العمل وَفق هذه القاعدة الذهبية حتى ينجو ملايين الشباب من الوقوع في هذا المأزق.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة