الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الإرهاب العشوائي ظاهرة مقلقة: من يتحمل مسؤولية كبحها؟

كيوبوست- ترجمات

د. ريتشارد بورشيل♦

 في الفترة التي سبقت 6 يناير من هذا العام -أي بعد مرور عامٍ واحد من تعرض مبنى الكابيتول الأمريكي للهجوم احتجاجًا على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية- أفادت التقارير أن هناك انتشارًا للخطاب المتطرف.

وفي حين أن هذا يشكِّل قلقًا كبيرًا، فإنه ينبغي ألا يكون مفاجئًا. من جانب آخر، حدثت زيادة في التهديدات التي يتعرّض لها السياسيون، وإن لم يتم الكشف بعد عن مؤامراتٍ محددة. العنف ضد السياسيين -الفعلي أو التهديد به- بسبب النزاعات السياسية، والاستياء، يمثِّل بلا شك مصدر قلقٍ رئيسٍ للديمقراطيات، ولكن وجود هذه التهديدات ليس جديدًا بشكل خاص.

اقرأ أيضًا: “ديناميت وإطلاق نار”.. مبنى “الكابيتول” تعرض إلى هجمات أعنف من الأخيرة

لا تزال الفكرة القائلة بأن انتخابات عام 2020 في الولايات المتحدة قد “سرقت” أو زورت تتردد بكثرة في النقاشات السياسية. وشكلت الرسائل المستمرة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومؤيديه، وشريحة كبيرة من الحزب الجمهوري، في جميع أنحاء الدولة، والعديد من وسائل الإعلام التي تزعم أن انتخابات عام 2020 مزورة، شكلتِ المادة الأساسية للجدل السياسي. وهنا ينبغي ملاحظة أن ترامب كان يتحدث عن تزوير الانتخابات حتى قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2016 التي فاز بها. لقد أصبحت الآن عبارة متكررة لدرجة أن الكثيرين في الولايات المتحدة يأخذونها على أنها حقيقة.

علاوة على ذلك، فإن استهداف السياسيين ليس مفاجأة. لسوء الحظ، كان التحريض على العنف ضد السياسيين جزءًا أصيلًا من خطاب ترامب. دعم ترامب للعنف، والتغاضي عن استخدامه، موثق جيدًا. وقد استدعى العنف لإظهار القوة، وردًا على الهجمات المتصوّرة على نفسه أو على مؤيديه.

بعض عناصر المجموعات المتطرفة التي شاركت في أعمال الشغب في 6 يناير بمبنى الكابيتول الأمريكي- وال ستريت جورنال

العنف سيد المشهد

استخدام العنف أو التهديد به ضد السياسيين موجود أيضًا في أوروبا. واجه المشرعون الفرنسيون تهديدات بالقتل وأعمالَ عنف، بسبب تدابير الصحة العامة التي اتخذت مؤخرًا للحد من انتشار كوفيد-19. وفي المملكة المتحدة، قُتل عضوٌ في البرلمان في عام 2021، ما يجعله ثانيَ نائبٍ يُقتل على يد أحد أفراد العامة، في السنوات الخمس الماضية.

وفي حين أن العنف ينبغي ألا يكون له دورٌ في العملية الديمقراطية، فإنه أصبح أكثر بروزًا وجزءًا من الخطاب السائد. في السياسة، يتنامى استخدام الاستعارات العنيفة أو اللغة العدائية. لماذا نقول شيئًا عاديًا مثل “سوف نبذل كل جهد ممكن لتدشين حملة ناجحة” عندما يمكننا أن نقول “سوف نهزم خصومنا في هذه المعركة”. الكلمات الأخيرة أكثر إثارة وتحشد الأتباع الأكثر عاطفية وحماسة.

في حين أنه في الماضي، كان من الممكن تجاهل مثل هذه الألفاظ باعتبارها مجرد استعارة، فإن الأمر لم يعد كذلك. ففي حالة ترامب، يبدو أن مؤيديه أخذوا الكثيرَ من إشاراته إلى العنف كتعليماتٍ مباشرة. إن وجود مسؤول سياسي -خاصة رئيس الولايات المتحدة- يدعم العنف علنًا يجرِّئُ الناسَ على العنف. كما يتزايد تبني السياسيين ووسائل الإعلام لاستخدام العنف ومواقف الكراهية في خطابهم العام، ما يسهم في تطبيع التطرف.

اقرأ أيضًا: كيف يستخدم اليمين المتطرف روايات المظلومية لتبرير العنف

ووفقًا للمؤلف جي إم بيرجر، فإن تعريف التطرف وثيق الصلة بموضوعنا هذا، الاعتقاد بأنه “لا يمكن أبدًا فصل نجاح الجماعة أو بقائها عن الحاجة إلى القيام بعملٍ عدائي ضد الجماعة الخارجية”. لذا، فإن الأعمال العدائية ضد الجماعات الخارجة بسبب اختلاف الآراء السياسية والنقاط المرجعية الثقافية آخذ في التزايد والانتشار.

مسؤولية السياسيين

إن تطبيع العنف والعداء اتجاه يبعث على القلق في السياسة الغربية. وفي هذا الصدد، أفاد المجلس الأوروبي، في عام 2013، أن الكراهية والعداء في الخطاب يمكن أن يحرضا بشكلٍ مباشر على العنف، ويتحمل السياسيون درجة عالية من المسؤولية في تجنب مثل هذا الخطاب. ويُعزى ذلك إلى أن “السياسيين في موقع السلطة، وبالتالي، فإن خطاب الكراهية يشجع الجناة المحتملين على التعصب والتحيّز”. هذا التقرير يسبق عهد ترامب، ما يدل على أن المخاوف بشأن العنف والكراهية لها تاريخ أطول من السياق السياسي المباشر.

الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب- أرشيف

إضافة إلى ذلك، يوضح تقرير المجلس الأوروبي السبيل إلى كيفية التصدي لظاهرة انتشار العنف، متسائلًا: “إذن، على من تقع المسؤوليات؟ الجواب قصير وبسيط: على الكل”. في المقام الأول، تقع المسؤولية على عاتق الرموز السياسية، وليس فقط على أمثال ترامب. ففي مختلف أنحاء أوروبا، تعبّر الرموز السياسية عادة عن كراهيتها للمهاجرين والمعارضين السياسيين والمؤسسات الأوروبية. وقد وقعت أعمال عدائية بالفعل، ما يشير إلى أن المشكلة تجاوزت مجرد “التعبير” عن الخلافات السياسية.

اقرأ أيضاً: مراجعة جذرية لنهج مكافحة التطرف في أوروبا

الإرهاب العشوائي

هذا يقودني إلى مسألة الإرهاب العشوائي، الذي يلاحظ على نحو متزايد في جميع أنحاء العالم. يُعرَّف الإرهاب العشوائي بأنه “استخدام وسائل الإعلام الجماهيرية لإثارة أعمال عنف عشوائية ذات دوافع أيديولوجية، يمكن التنبؤ بها إحصائيًا، ولكن لا يمكن التنبؤ بها بشكلٍ فردي”.

ما من شك في أن استمرار حالة عدم اليقين في المجتمع قوة مزعزعة للاستقرار تمنح الروايات المتطرفة مزيدًا من الزخم. وتسهم حالة عدم اليقين التي نشهدها في انعدام الثقة في السياسة الرسمية، وفي انتشار الحقائق أو التفسيرات الموازية للأحداث الاجتماعية. في مثل هذه الظروف، عندما يسهم السياسيون ووسائل الإعلام في تطبيع الكراهية والأعمال العدائية، يتضاعف خطر العنف.

الخلاصة

يتحمل السياسيون مسؤولية محددة في مواجهة تطبيع العنف والكراهية. إن المحاولات الواسعة النطاق لتطبيع أحداث السادس من يناير من قِبل العديد من الساسة في الولايات المتحدة، بما في ذلك تجاهلها باعتبارها “زيارة سياحية عادية”، تثير القلق. إن استمرار هذه الأكاذيب يسهم في فكرة أن العنف جزء مقبول من العملية السياسية. لا ترى أوروبا أمثال ترامب ومؤيديه، لكن هناك سياسيين يطبعون الكراهية بشأن قضايا الهجرة وتدابير الصحة العامة، على وجه الخصوص. وهذا يفرز بيئة مواتية للتحريض على العنف.

♦باحث مستقل مقيم في بروكسل.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة