الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

«الإرهابي» في الرواية..

السقوط في مخايلات الصورة!

كيوبوست

قبل عدة أعوام، صدرت عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، الترجمة العربية لرواية «غرفة في دار الحرب» للروائي الألماني كريستوف بيترز، ترجمتها عن الألمانية الدكتورة هبة فتحي. كان موضوع الرواية مثيرا للتأمل والنقاش والجدل معا؛ فقد كانت الرواية تتعرض رأسا لنموذج الإرهابي من منظور مغاير تماما. لم يكن إرهابي بيترز من أصول عربية بل كان ألمانيا اعتنق الإسلام ثم انخرط في إحدى الجماعات الإرهابية المتطرفة. الرواية التي صدرت بالألمانية في العام 2006 من الروايات الأوروبية القليلة التي تعرضت لموضوعة الإرهاب والعنف الأصولي بشكل مباشر، وإن كانت سقطت بصورة مريعة في مخايلات الصورة الذهنية التي يقود إليها عرض منطق الإرهابيين من وجهة نظر أحادية، ومن دون التفكير في عرض وجهتي النظر (الإرهاب والفكر المضاد للإرهاب) بصورة متعادلة ومتوازنة، فقد يقود التعاطف المخل -والسعي إلى التفكير بمنطق تبرير الظروف والدوافع التي تقود الإرهابي إلى ارتكاب جرائمه- إلى تبني هذا المنطق! أو الاكتفاء بعرض بحيثياته من دون عرض وجهة النظر الأخرى التي تفنده وتناقش حججه وتواجه تأويلاته الضيقة المفضية إلى عنف بلا منطق!

اقرأ أيضًا: جوخة الحارثي.. العمانية المُرشحة للفوز بجائزة “مان بوكر” البريطانية.

الرواية باختصار تدور حول شاب ألماني مسلم يُقبض عليه في مصر قبل أن ينفذ عملية إرهابية في معبد الأقصر في بداية التسعينات، ويحاول السفير الألماني بالقاهرة أن ينقل محاكمته إلى ألمانيا ليضمن له ألا يحكم عليه بالإعدام. هذا الشاب الألماني اسمه “يوخن عبد الله سافاتسكي” والذي عاش حياته كيفما اتفق، أدمن تعاطي المخدرات، وعمل كمرشد للبوليس، ثم أحب فتاة من أصل مصري تدرس الطب في ألمانيا، وتدعى “أروى”، اهتم بالإسلام، تغيرت حياته إلى الأفضل بعد أن أسلم، تعرف إلى مجموعة من الشباب المسلم، انبهر بنموذج المجاهدين الأفغان الذين أجبروا الروس على الانسحاب من كابول، ومن ثم اعتنق استخدام العنف ضد الغرب الكافر، وضد مجتمعات عربية يعتبرونها كافرة أيضًا. نمضي مع الرواية لنفاجأ بمشاركة سافاتسكي في عملية إرهابية في بداية التسعينيات ضد السياح في معبد الأقصر، يقبضون عليه وعلى اثنين من زملائه قبل التنفيذ، ويحاول سيزمار السفير الألماني في القاهرة إنقاذ حياة سافاتسكي بنقل محاكمته من مصر إلى ألمانيا، لكن تفشل مساعي السفير الألماني، ولكن بعد أن يؤدي لقاؤه بالإرهابي الشاب إلى مراجعة ماضي سيزمار وحاضره الفاتر.

اقرأ أيضًا: 10 روايات ممتعة اصطحبها معك أثناء السفر.

وهنا يقع الخلط الذي يقود إلى تقديم رؤية مشوشة ومرتبكة للإرهاب ولحركات الإسلام السياسي الإرهابية؛ فبدلا من أن تنجح الرواية في إقامة مناظرة فنية حقيقية تعرض وجهتي نظر متضادتين بكامل حمولاتهما المعرفية والفلسفية ينخرط الكاتب في حماس شديد في عرض وجهة نظر الإرهابي الشاب طامحا إلى تقديم تأمل عميق حول ظاهرة الإرهاب وتيارات الإسلام السياسي عموما، ما أدى به إلى الانزلاق المسرف في عرض منطق الإرهابي وتبريراته التي قدمها استنادا على آيات من القرآن الكريم (شأنه في ذلك شأن كل الإرهابيين المنتمين إلى حركات إرهابية ومنظمات دينية) معتبرا أنه يقدم وجهة نظر الدين؛ في مقابل غياب كامل لعرض وجهة النظر الأخرى التي تفصل بين النص القرآني المقدس وتفسيرات البشر التي دارت حوله عبر العصور، ودون أن يوضح أن الدين شيء والفكر الديني شيء آخر، ما يؤدي في النهاية إلى مخايلة السفير الألماني والانجرار إلى مشاعر إعجاب وغيرة وحسد لهذا الفتى على قوته وتماسكه.

في معهد جوته قراءة كريستوف بيترس

ما حدث في الرواية يماثل أو يوازي ما حدث قبل فترة من استضافة إعلامي شهير لإرهابي تم القبض عليه على الحدود الغربية لمصر، وتم بث اللقاء على قنوات فضائية عدة وللأسف بدلا من أن يكشف اللقاء عوار منطق الإرهابي ويفنده ويعرض للرأي العام فساد منطقه وقيامه على رؤى وتفسيرات مغلوطة وساذجة انساق الإعلامي إلى منطق الإرهابي وبدا كأنه مستسلم لما يعرضه دون محاججة أو نقاش!

اقرأ أيضًا: هل يمكن فهم ظاهرة الانتحار من خلال الأعمال الأدبية؟

ورغم ذلك كله فإنه يبقى في النهاية أن الرواية خاضت في مساحات لم يكن من السهل أن يخوض فيها كاتب روائي ألماني.. مسلم ومتصوف أيضا!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة