الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمجتمع

الإرث الليبرالي في مواجهة اليمين!

مستقبل أوروبا على الحافة..

كيوبوست

المسافة بين ما عانته أوروبا من أهوال (في الحرب العالمية الثانية) وما سَعَت إليه من أحلام (الوحدة والرخاء والسلم الاجتماعي والسلام الإنساني.. إلخ) هي المسافة ذاتها بين حماسة الشباب وطاقتهم ورغبتهم في مستقبل أفضل وأكثر سلامًا وأمانًا لهم وأبنائهم، وبين القوى المضادة المتطرفة التي تغذي الكراهيات الموروثة، وتؤجج الصراعات العرقية والدينية والطائفية، وتشيع العنف وتقضي على أية محاولات لتجاوز الإنسانية إرثها الأسود من الحروب والصراعات.

فيديوغراف.. قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية

الفيلم الوثائقي “مستقبل أوروبا” المذاع على فضائية “دويتش فيله” الألمانية، يعرض عبر سيناريو محبوك ولقاءات دالة مع شباب أوروبي روحه وقلبه مع الوحدة الأوروبية والحلم الأوروبي في صورته المثالية في مواجهة التحديات التي بدأت تفرض نفسها بقسوة وعنف على الواقع.. يكافح هؤلاء الشباب الأوروبيون من أجل أن لا يكرر التاريخ نفسه؛ فلا تحدث المذابح والمجازر التي يروح ضحيتها بشر بسبب لون بشرتهم أو عقيدتهم أو انتمائهم الوطني أو الجنسي أو أي ما كان.

لقطة من الفيلم

ومع أن الحرب العالمية الثانية أصبحت من الماضي بالنسبة إلى الجيل الحالي في أوروبا، فإن السلام وقيم أوروبا الموحدة أصبحا في خطر. أربعة نماذج نشطة في حقوق الإنسان والصحافة والعمل الحزبي والدعوة الإنسانية؛ نتنقل معها عبر عدد من العواصم الأوروبية، يراجعون الماضي ويسائلونه؛ كي يفهموا حاضرهم ويرسموا مستقبلهم الذي بات مهددًا بازدياد نفوذ اليمين المتطرف، وتصاعد خطره على الأمن والسلم الاجتماعي في أوروبا كلها.

اقرأ أيضًا: أوروبا بين مطرقة اليمين المتطرف وسندان الإرهاب الجهادي

يروي الفيلم الحكايات المعبرة، ويسرد تفاصيل تجارب إنسانية وحقوقية وتاريخية؛ ليحذر من الخطر المحدق بهؤلاء الشباب، ودعوات اليمين المتطرف، واختلال ميزان العدل الاجتماعي، والقمع الذي يتعرض له الحقوقيون والمدافعون عن الوحدة والإرث الليبرالي الديمقراطي الأصيل في مواجهة النزعات القومية والوطنية المتطرفة، وكراهية الآخر والعنف الذي يمارس في مواجهة اللاجئين والمهاجرين.. إلخ.

البداية ستكون من ألمانيا مع البرلينية كسينيا إروشينا، التي تحرص بصفتها “شاهدة ثانية” على نشر قصة حياة الناجي من المحرقة غيرهارد بادر، في المدارس ومؤسسات الشبيبة.

هل سمعتم قبلًا عن الهولوكوست؟ سؤال سيوجه إلى أطفال وشباب في مراحل سنية مختلفة. من المهم على الشباب أن يسمع جيدًا عما حدث في الماضي؛ حتى لا يحدث ذلك مرة أخرى. خط السرد الرئيسي سيتصل بحكاية البروفيسور غيرهارد بادر، الذي ولد لأب يهودي وأم ألمانية؛ إنه “نصف يهودي”؛ سيكون أحد الناجين من الهولوكوست، حالته تلك جعلته شاهد عيان ممتازًا على ما جرى من مآسٍ وأهوال شهدتها تلك الفترة من أعمال قمع وعنف وإبادة من القوى الفاشية والنازية ضد مخالفيها.

اقرأ أيضًا: الجرح النازف في قلب أوروبا ما بعد هتلر

حينما تُروى قصة “بادر” الذي وصل إلى مرحلة متقدمة من الشيخوخة على مسامع الأطفال والناشئين، ستتباين المشاعر والاستجابات في دائرة التألم والتعاطف والتساؤل عن هذا الجرح الإنساني المزمن.. سيحظى بادر بردود ورسائل مشجعة من فتيان وفتيات وشباب يرد عليها، قائلًا: “نأمل عندما يصل هذا الشباب إلى مواقع المسؤولية أن يبني مجتمعًا مختلفًا، يضع كرامة الإنسان في صدارة أولوياته”.

في وارسو ببولندا، سنرى المواجهات بين فريقَين؛ على اليسار ليبراليون يغنون لأوروبا، وعلى اليمين قوميون، والشرطة بينهما. “إنه أمر خبيث أن يتم تحريض الناس بعضهم ضد بعض وإخافتهم”، تحكي لنا المحامية البولندية والناشطة الحقوقية بياتا سيمنياكو، التي تمثل موكليها في وارسو ضد قمع الدولة والظلم الاجتماعي. تشرح لنا أن البعض الآن يستدعي النعرات القومية والانتماءات الوطنية؛ لتأجيج مشاعر الكراهية ضد الآخرين.. ما أسهل إثارة النعرات، وما أسهل تأجيج المشاعر، وما أفدح النتائج!

تؤكد سيمنياكو أنه عندما تغذِّي الحكومات هذه النعرات وتدفع بها إلى أقصى ما يمكن أن تثيره؛ يتفجر العنف الدموي، نشهد جرائم العنصرية ضد الأجانب؛ الاعتداءات على اللاجئين أو غير مَن ينتمون إلى أصحاب العرق أو الدين أو الوطن! هكذا ستتفجر تلك الدعوات اليمينية المتطرفة في تقلصات متواترة عنفًا دمويًّا في مواجهة الآخر، المغاير، الأجنبي أو أيٍّ مَن كان خارج دائرة الانتماء الجنسي أو الوطني أو العقدي أو المذهبي.

في الجوار الأوروبي، ترى زميلتها الفرنسية كوليمبي كوهين سلفادور، التي تحمل رؤية عن حزب أوروبي شامل عابر للحدود، أن “البريكست” أو دعوات التخارج من الاتحاد الأوروبي نذر شر مستطير “مستقبل أوروبا يسير في الاتجاه الخاطئ”، هكذا تؤكد.

اقرأ أيضًا: مخاطر تسلل المقاتلين الأجانب العائدين من دول البلقان الغربية إلى الاتحاد الأوروبي

زميلها الشاب رئيس حزب فولت الوحدوي الأوروبي، يقول بنبرة ذات دلالة: “لا يمكنني تصور نشوب حرب في أوروبا، والفضل في ذلك يعود إلى الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأوروبي فقط، ويتوجب علينا المحافظة على ذلك”.

هي أيضًا تثق في الوحدة “لا أثق في الاتحاد الأوروبي فقط لأنه الاتحاد الأوروبي، وإنما لأنه الحل الأمثل لدينا”، وترى أن صعود اليمين مرتبط بفشل الحكومات في توفير الأمن الاجتماعي للمواطنين “بالنسبة إليَّ هناك سبب ما يدعو البعض إلى انتخاب القوميين واليمينيين المتطرفين، الناس ليسوا أغبياء أو سفلة كي ينتخبوهم هكذا. إنهم يلجؤون إلى المتطرفين؛ لأنهم يشعرون بالتجاهل أو يظنون أنه لا خيار آخر أمامهم. عندما يكون الناس جائعين، ولا يكون لهم أُفق مستقبلي، أو لا يملكون سكنًا، فليس هناك سلم اجتماعي. عندما يخشى الناس على وجودهم وأمنهم لا يمكننا الحديث عن السلام”.

ومن وارسو إلى أثينا، سيعلن الصحفي اليوناني سوتيرس سيديرس، الذي يساعد اللاجئين على الاندماج، أن الديمقراطية مهددة في مهد الديمقراطية.. الحياة في اليونان بعد الأزمة المالية ستشهد تعقيدات سينعكس أثرها مباشرةً على اللاجئين والمهاجرين.

إن كل شخصيات الفيلم لديها التزام بضمان استمرار الحلم بأوروبا موحدة تعيش في سلام وحرية، الذي بدأ قبل سبعين عامًا. فهل يجدون آذانًا صاغية؟ هل هم مستقبل أوروبا أم أن صوتهم ضعيف للغاية؟ هل التزام الشباب الأوروبي السياسي والأحزاب السياسية الشابة العابرة لأوروبا مجرد ظاهرة مؤقتة؟

رابط الفيلم الوثائقي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة