الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةشؤون عربية

الإخوان المسلمون لعبة المخابرات التركية

أردوغان استخدم عناصر الإخوان المسلمين كقرابين لإرضاء المصريين.. والتقارب بين أنقرة والقاهرة قد يهدد وجودهم

كيوبوست

تركيا تريد كل شيء في سلَّتها؛ فهي تريد أن تجعل من نفسها الزعامةَ الروحية لكل حركات الإسلام السُّني في العالم، وتريد أن تجعل من الإخوان المسلمين أداة لتحقيق مخططاتها في الدول العربية، وفي الآن نفسه تخوض نقاشاً خلف الكواليس مع المخابرات المصرية، حول ما يمكن أن تقدمه من قرابين لمصر لتحسين علاقاتها المتوترة منذ إسقاطِ حكم الإخوان في 2013، ويمثل تنظيم الإخوان والتخلي عنه جزءاً كبيراً من الصفقة. قبل أسبوع أعلن ياسين أقطاي؛ مستشار أردوغان، عن رغبة تركية في تحسين العلاقة مع مصر، وأشاد بالجيش المصري. فُسِّرت هذه الرسالة بأنها تأكيد لرغبة تركية مترددة في إنهاء الخلافات مع مصر.

وتبرز إلى السطح قصة قديمة تكاد اليوم تتحول إلى عبرة من التاريخ، عن رغبة إسلاميي تركيا في أن يكون زمام التحكم بمرشد الإخوان مشدود العرى إلى إسطنبول، وأن يكون المرشد تركياً أكثر منه مصرياً.

اقرأ أيضًا: الحاكمية: أداة الإسلاميين من الإخوان إلى داعش للنفاذ إلى الغرب

حسب أحد الباحثين، فإن هذه الزوايا والخطوط المتشابكة المشوشة تمثل جانباً من قصة العثمانيين الجدد؛ أردوغان الحالم بالسلطنة، ومستشاريه، وبعضٍ من أهم قيادات جهاز الاستخبارات التركي. من هذا المزيج تتشكل العقيدة السياسية لإسلاميي تركيا، التي تعيش اللحظة هذه اختباراً قاسياً وحاسماً وتقهقراً وإخفاقاتٍ، لم يسبق لها مثيل منذ وصل الإسلاميون إلى الحكم قبل قرابة عشرين عاماً.

أحمد داود أوغلو خلال أداء العمرة في 2016 – أرشيف

“العثمانيون قادمون”!

في الثالث من فبراير 2016 زار رئيسُ الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، السعودية؛ لأداء مناسك العمرة. أثناء إقامته في مكة، شهد المسجد الحرام قصةً تركية غريبة. تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو يظهر أوغلو وهو يطلّ من سطح المسجد الحرام على المطاف، فعجّ المسجد بالصراخ واستُقبل بالتهليل والهتافات من مئات الأتراك وغيرهم الذين كانوا يحيطون بالكعبة. أُريد لتك التظاهرة أمام الكعبة أن تكون عفوية، في رسالةٍ قُصد منها أن “العثمانيين” عائدون. المئات الذين عجّ بهم المطاف، كانوا على علمٍ مسبق بوجود أوغلو، وبالتوقيت الذي سيطل فيه على المطاف، ولحظة انطلاق الهتافات. كان كل شيء منظماً في تلك الاحتفالية التي لم يعرف لها المسجد الحرام مثيلاً في العهد السعودي إلا مع الحجاج الإيرانيين منذ الثورة الخمينية. لم يصدر من المملكة العربية السعودية أي تعليق رسمي على ما حدث. ويُقال إن أحد مرافقي داود أوغلو، في أوج الهتافات، همس في أُذن أوغلو وهو في غاية التأثر: “إنها بيعة يا سيدي!”. كانت عينا أوغلو تغرورقان بالدموع. من المؤكد أن الرئيس التركي رجب أردوغان لم يكن سعيداً بهذا الامتياز لرفيق دربه الذي سيطيح به بعد شهرين ويرغمه على الاستقالة.

وكانت تركيا والسعودية قد أسستا في أبريل؛ أي بعد شهرين من هذه الحادثة، مجلساً استراتيجياً تنسيقياً أعلى بعد أكثر من سنة من تولي الملك سلمان مقاليد الحكم. وفي مايو 2016 تقدَّم أوغلو باستقالته بعد خلافات مع الرئيس التركي أردوغان. في يونيو من هذا العام، وفي لقاء مع صحيفة تركية، ذكر داود أوغلو بعضاً من تفاصيل ما وصفه بالرحلة الروحية والمشاعر الإيمانية التي طغَت عليه في عمرته وزيارته للمشاعر المقدسة رفقة زوجته سارة، وعددٍ من نوابه، وعشرات من موظفي جهاز الاستخبارات التركي؛ وعلى رأسهم هاكان فيدان. وذكر أوغلو للصحيفة أنه في طريقه إلى المطار مودعاً المشاعر المقدسة تعطلت السيارة، وتأخر على الرحلة، وكان سيحتاج إلى أسبوع من الانتظار حتى تتوفر له رحلة أخرى، ولهذا عاد أدراجه إلى مكة في ملابس الإحرام مرة أخرى.

 

هاكان فيدان

في هذه الأيام التي شعر فيها أوغلو بنشوة الزعامة الروحية وحمياها، تمكَّن عدد من قيادات تنظيم الإخوان الدولي من الحضور إلى مكة تحت غطاء العمرة؛ للاجتماع بأوغلو وهاكان فيدان، كما أنه اجتمع بعددٍ من رموز الحركة الإسلامية، بمَن فيهم عدد من إخوان الخليج. لم يحضر أحد من قيادات التنظيم في مصر، وشهدت هذه الأيام نقاشاً عن مستقبل مرشد الإخوان المسلمين القادم، ودور تركيا في اختياره، وهل يجب أن يكون المرشد مصرياً بالضرورة؟ كانت الاستخبارات التركية ترى أن “ثمة دوراً كبيراً للجماعة ينتظرها ولم تنتهِ بعد مواسمها”، وأن الوقت مبكر لحسم هذه المسألة، وأجَّلتِ النقاش حول خلافة المرشد ومصير الجماعة إلى أن يكون كل شيء مناسباً.

في 2015 تناول باحثون في الجماعات الإسلامية، وكُتَّابٌ، احتمالية التقارب التركي- المصري على حساب جماعة الإخوان المسلمين؛ ولكنها كانت موجة عابرة ثم خمدت.

حسن البنا – أرشيف
الفضيل الورتلاني

كان الجزائري إبراهيم بن مصطفى؛ المعروف بالفضيل الورتلاني (1901- 1958) واحداً من أكثر المرشحين حظاً لقيادة تنظيم الإخوان المسلمين، كان حسن البنا يرى فيه خليفةً له؛ ولكن إخفاق الورتلاني في خططه لثورة في اليمن والإطاحة بحكم آل حميد الدين، تسبب له في مشكلات مع معظم الدول العربية والإسلامية؛ وعلى رأسها مصر والمملكة العربية السعودية، ورفض الملك عبدالعزيز استقباله. في عامه الأخير في تركيا؛ حيث كان يقضي آخر أيامه في رحلة للعلاج، يُقال إن الورتلاني كتب صفحات من مذكراته التي لم تكتمل، وخصص صفحات منها لمسألة ضرورة أن تكون قيادة الحركة الإسلامية وتنظيم الجماعة بالتناوب، وأن تركيا ستعود خلال عقود إلى ريادة العالم الإسلامي، وأن مرشد الإخوان قد يكون يوماً تركياً، بعد أربعين عاماً أحيا الأتراك هذه المسألة. عام 1998 أقام حزب الرفاه الإسلامي التركي احتفالاً دُعِي إليه مرشد الإخوان مهدي عاكف، وعدد من قيادات الجماعة، وفي اجتماعٍ خاص ألمح نجم الدين أربكان إلى أن تركيا سترث قيادة العالم الإسلامي السُّني دولاً وجماعاتٍ. وكتب الإخواني مصطفى الطحان، في مقالة تأبينية لعاكف، بعضاً من نتائج الاجتماع مع أربكان في إسطنبول؛ حيث كان مرافقاً لعاطف.

 اقرأ أيضًا: هل ينزل الرئيس أردوغان عن حصان “الإخوان المسلمين” الخاسر؟

نجم الدين أربكان

لم تكن الكلمات المبهمة لأربكان واضحة للمرشد وقيادات الجماعة؛ ولكن جريدة “جمهورييت” التركية، أجرت حواراً مع عاكف قبل عودته إلى مصر، ذكر فيه أن القيادة للعالم الإسلامي هي لتركيا، وأن الإخوان المسلمين يمنحون القيادة لنجم الدين أربكان. ولكن مهدي عاكف أصدر بياناً إثر نشر الحوار أعلن فيه استياءَه مما نُشر في الجريدة، وقال إن كلامه قد تصرفت فيه الجريدة، وأن هناك سوء فهم، وأنه لم يُقل ذلك، مع تقديره للدور الريادي لأربكان، وحزب الرفاه التركي الحاكم الذي يتزعمه أربكان.

تغلغل مخابراتي

تمكَّن فيدان والمخابرات التركية من إقناع أردوغان، الذي لم يكن مهتماً بجنسية مَن يتولَّى قيادة الجماعة، بأن يكون مصير الجماعة ومرشدها مرهوناً بتركيا ومخابراتها، وأن تكون تفاصيل التغيير العميق للتنظيم وفقاً للتطورات والمساومات وما سوف يحمله المستقبل من مفاجآت؛ لا سيما أن أردوغان وحزبه نجحا في توظيف التنظيم ليكون أداة طيعة لتحقيق مخططات تركيا في عددٍ من الدول العربية. ولكن المقاطعة الرباعية العربية لقطر، منتصف 2017، ودخول تركيا طرفاً رئيساً في الخلاف الخليجي، أجلتا ملف تنظيم الإخوان إلى حين تهدأ الأوضاع وتجد تركيا الوقت مناسباً لفتح الملف مع مصر.

في الشهور الأخيرة، تضاعفت قناعة مستشاري أردوغان والمخابرات التركية، بأن تنظيم الإخوان في حاجة إلى إحداث تغيير هيكلي عميق، وأن العلاقة مع مصر المتوترة يجب أن تنتهي؛ ولكنَّ المصريين يجعلون على رأس مطالبهم تسليم الفارين المطلوبين من قيادات التنظيم وغيرهم، وإيقاف النشاطات العدوانية الإعلامية للجماعة ضد مصر. تتشابك وجهات النظر هذه مع رغبة عند بعض مستشاري أردوغان بأن الحركة الإسلامية في العالم العربي يجب أن تكون قيادتها في تركيا وخاضعة للعثمانيين. هذه التوجهات في مؤسسة الحكم في تركيا تبدو مشوشة ومتضاربة؛ هي متوقعة في بلدٍ مثل تركيا يعيش أزمة عميقة في الثقة والولاءات، ويحمل إرثاً من علل المؤسسات العميقة التي عرفتها تركيا منذ عهد السلاطين في عصورها الغابرة حتى اللحظة هذه.

اقرأ أيضًا: الدائرة المغلقة: الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين والخروج منها في الغرب

في شهر يونيو الماضي 2020 دعا أوغلو، الذي أنشأ حزباً جديداً، إلى التكتل للإطاحة بأردوغان وحزب العدالة الذي أقحم تركيا في عددٍ من الأزمات الداخلية وفي الجوار، وتسببت سياساته في تدهور الاقتصاد التركي وتدنِّي سعر الليرة. ويبدو أن أوغلو الذي حلم بزعامة روحية للمسلمين قبل سنوات أربع، هو اليوم يرى في الإخوان المسلمين عبئاً كبيراً على تركيا. وفي الآونة الأخيرة، نُشر عدد من المقالات في الصحف التركية، حتى الموالية لأردوغان وحزب العدالة، التي تدعو إلى إعادة التفكير جيداً في العلاقة بين الحزب الحاكم والإخوان المسلمين، الذين أصبحوا يمثلون أحد الأسباب الرئيسة في العلاقة السيئة المتوترة بين تركيا ومصر والسعودية ودول الخليج.

تعاني الجماعة من تشرذم أعضائها وانقسام قياداتها

تزايدت الخلافات داخل جماعة الإخوان المسلمين في السنتَين الماضيتَين، وبرزت على السطح اتهامات بالفساد وهدر الأموال التي طالت إبراهيم منير؛ نائب القائم بأعمال المرشد محمود عزت.

في فبراير 2019 سلَّمت تركيا أحد المطلوبين من الجماعة إلى السلطات المصرية. وألقت الأجهزة الأمنية المصرية القبض على عزت في مخبئه نهاية أغسطس الماضي، وخلَفه إبراهيم منير في منصبه.

اقرأ أيضًا: رعب يسود الإخوان بعد شكوك في تورط تركي بتسليم عزت

خلافات وانشقاقات

إبراهيم منير

منذ 2016 تزايدت الخلافات بين إبراهيم منير الذي يُقيم في لندن، ومحمود حسين أمين عام الجماعة، المقيم في تركيا، وعدد من قيادات الجماعة التي تعيش أسوأ أيامها، كما أن قيادات صاعدة من شباب الجماعة دُفعوا إلى الانتقاد العلني لقيادة التنظيم وإثارة شكوك وتهم حول الفساد وهدر أموال الجماعة. في اليومين الماضيين، منتصف شهر سبتمبر، أعلن القائم بأعمال المرشد إبراهيم منير، إلغاء منصب الأمين العام وإلغاء مكتب الإرشاد، ضمن عملية إعادة هيكلة، حسب ما نشرته الجماعة في بيانها وتناقلته وسائل الإعلام. ولكن ما لم يعلن عنه أن كثيراً من قيادات التنظيم الدولي يميلون اليوم إلى تعيين مرشد جديد ليس بالضرورة أن يكون مصرياً؛ وهو ما حاول محمود حسين إثارته مراراً مع قيادات الجماعة بضغط تركي.

اقرأ أيضًا: الليبيون يطالبون بتدخل الجيش المصري لمواجهة “العثمانيين الجدد”

في الشهور الماضية، عمل الأتراك، على عدة مستويات بدَت متضاربة، على إحداث تغيير عميق داخل عصب الجماعة وإعادة هيكلتها، مترافق مع تصاعد نبرة الانتقادات للقيادات من شباب الجماعة، كما تعددت اللقاءات والمحادثات السرية بين المخابرات المصرية والتركية، وعلى رأس أجندتها ملف المطلوبين من الجماعة المقيمين على الأراضي التركية، وإنهاء أنشطة التنظيم على الأراضي التركية. وبالتوازي مع ذلك، تطرقت صحف تركية مقربة من حزب العدالة والتنمية إلى الاجتماعات المكثفة مؤخراً بين المخابرات التركية والمصرية.

القيادي الإخواني محمود عزت لحظة القبض عليه

القبض على محمود عزت، القائم بأعمال المرشد، نهاية أغسطس، قد يكون فصلاً من فصول تحسُّن العلاقات التركية- المصرية، ومَن عليه أن يبذل جهداً أكبر وتقديم قرابين وكباش فداء أوفر هو الأتراك لا غيرهم؛ الأتراك الذين يمسكون بريموت التحكم بالجماعة، ويعملون على إعادة تشكيلها وتقديم قياداتها ثمناً لصفقاتهم، كما هي السياسة دائماً.

ولم يمضِ أسبوعان على الإطاحة بعزت؛ حتى أعلن مرشد الجماعة الجديد موت مكتب الإرشاد، ومرغماً كان عليه أن يعيِّن محمود حسين، عدوه اللدود، في مجلس الإدارة، وقد يشهد الربع الأخير من 2020 مفاجآت لتنظيم الجماعة لم تكن بالحسبان.

اقرأ أيضًا: الإخوان المسلمون في سويسرا

من السابق لأوانه الجزم بأن لحمة إسلاميي تركيا الذي يحكمون مقاليدها منذ عقدين في طور التفسخ، والتمزق؛ ولكننا نشهد فصلاً من تشظي رفاق الأمس الذين غدوا يحملون الأحقاد لبعضهم بعضاً، ويؤسسون الأحزاب للقضاء على بعضهم. إن سلوكيات حكومة أردوغان وتصريحات مستشاريه والتقدم خطوة والتراجع خطوتَين، والتنمر والتهديد وإبراز المخالب بالتوازي مع الموادعة وبعث رسائل التطمينات وتقديم الهدايا الصغيرة إعلاناً عن حُسن النيَّات؛ هي وجه من وجوه تركيا المتعددة وتضارب مؤسساتها العميقة.

اقرأ أيضاً: حل الإخوان.. آخر علامات انحسار الجماعة في الأردن

 وتأتي تصريحات ياسين أقطاي الأخيرة التي تعبر عن رغبة في إنهاء الخلاف المصري- التركي، في خضم هذا السياق، وليست التضحية بإخوان مصر إلا تفصيلاً صغيراً لهذه القصة المعقدة والوجوه المتعددة المشوهة للعثمانيين الجدد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة