الواجهة الرئيسيةترجماتمقالات

الإخوان المسلمون في سويسرا

الجزء الأول: العقود الأولى

كيوبوست-ترجمات

دانيل ريكينباخر♦

كشف صحفيان فرنسيان، مؤخرًا، أن مؤسسة “قطر الخيرية”، وهي مؤسسةٌ وثيقة الصلة بالإمارة الخليجية، قد استثمرت أكثر من 70 مليون يورو في أنشطتها الدعائية في أوروبا. وبحلول عام 2014، كانت قد استثمرت 4 ملايين يورو في دعم شبكة الإخوان المسلمين، في سويسرا فقط. والمبلغ ذاته تقريبًا الذي استثمرته في ألمانيا، وهذا أمر لافت؛ أخذًا في الاعتبار التأثير الهائل وواسع النطاق لألمانيا في العالم.

وإضافةً إلى دعم مشروعات المتاحف والمساجد، المرتبطة بالفرع المحلي للجماعة، وفَّرت قطر أيضًا دخلًا مستمرًا للناشط الإسلامي السويسري-الفرنسي طارق رمضان، من خلال تقديم ما لا يقل عن 35 ألف دولار له شهريًّا؛ باعتباره “مستشارًا” للمؤسسة القطرية(1). وهنا، يمكن تفسير اهتمام قطر بسويسرا في ضوء التاريخ الممتد لأنشطة جماعة الإخوان هناك. ذلك أن سويسرا شكّلت أهميةً محورية لشبكات الإخوان في أوروبا، منذ أواخر فترة الخمسينيات، ويُعزى هذا إلى حد كبير إلى وجود أسرة رمضان.

طارق رمضان

والجديرُ بالذكر أن سعيد رمضان، والد طارق، وهو مصري، انضم إلى جماعة الاخوان المسلمين في سن المراهقة. وفي عام 1945، أصبح السكرتير الخاص لحسن البنا؛ مؤسس الجماعة الذي أصبح فيما بعد صهره. وقد لعب رمضان دورًا مهمًا في تنظيم فروع الإخوان في فلسطين والأردن، في السنوات التي سبقت تأسيس إسرائيل. بعدما طرد مرتين من مصر، أولًا من قِبل الملك فاروق، ثُمَّ من قِبل الرئيس جمال عبد الناصر، بعد نشوب خلافات بين الأخير مع جماعة الإخوان المسلمين.

سعيد طارق رمضان

 جاب رمضان العالم العربي وباكستان لسنواتٍ عدة، قبل أن يستقر به المطاف مع أسرته في جنيف في عام 1958. خلال فترة المنفى، وفي السنوات الأخيرة، حظي بدعم الدول المعارضة لطموحات عبد الناصر في الهيمنة الإقليمية والاشتراكية العربية، وعبر مساعدة من حلفائه، افتتح سعيد رمضان مركزًا إسلاميًّا في فيلا امتلكها علي بن عبد الله أل ثاني، حاكم قطر الأسبق، في عام 1959. وقد رحبت السلطات السويسرية في البداية بإنشاء المركز الإسلامي، اعتقادًا منها بأن رمضان شخصية موالية للغرب؛ لأنها كانت تعلم أنه معارض لعبد الناصر والشيوعية.

اقرأ أيضًا: الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والتقارب.

وفي جنيف، نشر سعيد رمضان مجلة (المسلم)، التي كانت تُعدّ آنذاك المكون الفكري الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين. وفي عام 1962، أصبح سفيرًا متجولًا لرابطة العالم الإسلامي الوليدة التي أنشأتها المملكة العربية السعودية. وكان الهدف من عمله الصحفي والسياسي الديني هو حماية الجالية المسلمة المتنامية في أوروبا من تأثير الثقافة الغربية، وتعزيز هويتها الإسلامية. ومن ثم، كان هناك اعتقاد بأن بإمكان شبكة الإخوان المسلمين في الغرب أن تساعد في تحقيق هذا الهدف، ورأى رمضان أن جنيف هي القاعدة للتوسع(2).

رغم ذلك، كان لرمضان أعداء كُثر. عرقلت مصر رمضان باستمرار، وضغطت على قطر لسحب دعمها. وفي وقتٍ لاحق، اضطر رمضان للبحث عن منزل جديد لمركزه الإسلامي. وكان النظام المصري يمتلك في سويسرا آلة دعائية متطورة، وفريق تجسس لتنفيذ عملياته ضد الإخوان المسلمين، الذي لم يُستخدم فقط للسيطرة على المهاجرين المصريين فحسب، بل لجمع معلومات عن اليهود السويسريين، وتنظيم حملات ضد إسرائيل وفرنسا(3). كانت المنافسة بين مصر والإخوان المسلمين على التأثير على الطلاب العرب في أوروبا على أشُدّها، وقد جعل رمضان منهم هدفًا رئيسًا لدعاية الإخوان المسلمين. وكانت المجموعة الصغيرة من المصريين الذين يدرسون في الجامعات السويسرية تميل إلى انتقاد ديكتاتورية عبد الناصر. ولذلك، أرسلت مصر عميلًا خاصًا إلى سويسرا للتجسس على الطلاب العرب، ودفعهم لتأسيس منظمة طلّابية عربية جديدة تخلو من تأثير رمضان. كانت مكافأة هؤلاء الطلاب الموالين لعبد الناصر هي الاستمرار في دفع منحهم الدراسية، حتى وإن أخفقوا في دراستهم(4). بلغ الصراع بين رمضان وخصومه العرب ذروته بمحاولة فاشلة لاغتيال رمضان في عام 1962(5).

وفي الوقتِ ذاته، أدرك السويسريون أن رمضان يلعب دورًا مزدوجًا؛ قدّم نفسه كصديقٍ مناهض للحزب الشيوعي إلى السلطات السويسرية، في حين كان ينتقد بقوة الحضارة الغربية، بما في ذلك سويسرا، ويشنّ حملات دعاية معادية للسامية في منشوراته باللغة العربية.

وفي هذا الإطار، وصف تقريرٌ سويسري داخلي كتاباتِ الإخوان المسلمين بأنها ذاتُ “موقف غير متسامح، بل أعمى تجاه العادات والأفكار الغربية بشكل عام. وأنها، على وجه الخصوص، تمقتُ الغربَ لأنه أصاب العالم الإسلامي […] بالنزعة المادية والنسبية (المزعومة). وهناك تحذيرات مستمرة، تقدَّم قبل كلِّ شيء، ضد التعليم الجامعي العقلاني، فيما يتعلق بتعامله مع الإسلام والدين والتاريخ”(6).

اقرأ أيضًا: الألمان يتخوفون من نشاطات الإخوان المسلمين.

وخلُص تقريرٌ آخر إلى أن جماعةَ الإخوان المسلمين كانت مهووسة بشكل واضح بتحالف يهودي-صليبي مفترض ضد الإسلام، في القلب منه إسرائيل، الدولة التي وصفت بأنها “تجسيد لفكر الجحيم، مزيج نشأ من اجتماع الصهيونية الجشعة، التي تنبع من التلمود والتوراة المزيفتين، تبلْور في بروتوكولات حكماء صهيون، وفكر الصليبيين، مستوحى من الغيرة، ومن ثمّ لديه أسبابٌ للغضب من الإسلام. […] في رأينا، لا يمكن أن يُسحق هذا الطفل المشوه إلا بسلاح الفكر الديني والعقيدة. وأي نظام عقائدي أقوى وأكثر قدرة على سحق اليهود والصليبيين من الإسلام؟”(7). ومع ذلك، لم يكن للإدراك بأن سعيد رمضان كان ناشطًا مناهضًا للغرب ومعاديًا للسامية أيُّ تأثيرٍ على صياغة السياسات السويسرية.

في عام 1965، أعلنتِ السلطاتُ المصرية أن جماعةَ الإخوان المسلمين حاولتِ القيامَ بانقلاب ضد عبد الناصر، واتهمت سعيد رمضان بأنه العقل المدبر وراء تلك المحاولة. ولما استشعر الأردنيون الحرج، سحبوا دعمهم لرمضان وخسر هو منصبه كمندوب دائم للأردن لدى الأمم المتحدة في جنيف، المنصب الذي كان يشغله منذ عام 1961، الذي وفّر له حصانةً دبلوماسية وتصريحَ الإقامة(8).

من ناحيةٍ أخرى، فوجئت كلٌّ من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، اللتين كانتا تعتقدان أن الإخوان في النزع الأخير، بهذه الأحداث، مما دفعهما للتشكيك في الاتهامات المصرية لهما بالتواطؤ سرًا مع جماعة الإخوان المسلمين(9).

في السياقِ نفسه، اعتبرت مصرُ التقاعسَ السويسري عن سحب تصريح إقامة رمضان دليلًا على التأثير الأمريكي والبريطاني على السياسة السويسرية. غير أن المناقشات الداخلية التي أجرتها السلطات السويسرية بشأن وضع الإقامة المقبل لرمضان في سويسرا، لا تُظهر هذا التأثير. بل كانت السلطات السويسرية متعاطفة مع رمضان بسبب معارضته للاشتراكية ولعبد الناصر. على الجانب الآخر، سياسة التأميم التي طالت بشكل كبير الاستثمارات السويسرية في مصر، وأعمال التجسس والدعاية المصرية التي استمرت لسنواتٍ في سويسرا، جعلت السلطات السويسرية أكثر عداء. ومن ثم، جعلتها تنحو إلى غضّ البصر عن أنشطة رمضان(10).

ويبدو أن التطورات الجيوسياسية كانت تبرر هذه السياسة، ففي أعقابِ حرب الأيام الستة، وبعد هزيمة جيوش عبد الناصر، وصل السويسريون إلى اعتقادٍ مفاده أن صعود الإسلام إلى السلطة ممكنًا، وأن “أصدقاء سعيد رمضان [قد] يتولون السلطة في الأشهر المقبلة في دولة أو أخرى من تلك التي لا تزال تُعتبر تقدمية أو اشتراكية، وإن كانت تعرضت لهزاتٍ قوية بسبب الأحداث الأخيرة”(11). وبالتالي، لم يكن يرغب السويسريون في العبث مع الحكام المحتملين، ومن ثم تبنوا موقفًا أكثر تجاوبًا مع سعيد رمضان وأسرته. وكان هذا التقييم -وليس الصلات المزعومة لسعيد رمضان بأجهزة الاستخبارات الغربية، التي أشاعها نظام عبد الناصر- السبب في السماح لرمضان بالبقاء في سويسرا. وانطلاقًا من حالة الهدوء التي تمتع بها رمضان مؤخرًا في جنيف، تمكن سعيد رمضان من توسيع شبكة الإخوان المسلمين بشكل مطرد، وساعدته في ذلك موهبته في الترويج لنفسه. ففي مقابلة أجريت معه في عام 1975، على سبيل المثال، أكد رمضان أن المركز الإسلامي كان يُشرف على 40 مسجدًا في أوروبا الغربية، وادّعى أنه زعيم للــ 7 ملايين مسلم الذين كانوا يعيشون في القارة وقتئذ(12).

اقرأ أيضًا: ممارسات الإخوان المتشددة في هولندا: كيف بدأت؟ وما نتائجها؟

ورغم هذه التصريحات المبالغة، فإن سعيد رمضان كان جادًا في طموحاته، كما ستظهر التطورات المستقبلية لشبكة الإخوان المسلمين في أوروبا.

الإخوان المسلمون في سويسرا.. (الجزء الثاني)

المصدر: عين أوربية على التطرف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

باحث مشارك في معهد الدراسات اليهودية الكندية بجامعة كونكورديا في مونتريال. يهتم بالبحث في مجال تاريخ لحركات الإسلامية في أوروبا وأمريكا الشمالية.

المراجع:

[1] Sylvain Besson, “L’argent du Qatar inonde l’islam suisse — et paie Tariq Ramadan,” 24Heures, March 4, 2019, sec. Suisse, https://www.24heures.ch/suisse/argent-qatar-inonde-lislam-suisse-paie-salaire-tariq-ramadan/story/19768990; Christian Chesnot and Georges Malbrunot, Qatar papers : Comment l’émirat finance l’islam de France et d’Europe (Michel Lafon, 2019).

[2] See my upcoming article D, “The Beginnings of Political Islam in Switzerland: Said Ramadan’s Moslem Brotherhood Mosque in Geneva and the Swiss Authorities,” Journal of the Middle East and Africa, 2019.

[3] See: Daniel Rickenbacher, “Arab States, Arab Interest Groups and Anti-Zionist Movements in Western Europe and the US” (electronic dissertation, University of Zurich, 2018).

[4] Ministère Public Fédéral Service de Police, “Rapport sur Abdel-Wahab Hamdy” January 11, 1963, CHBAR E4320C#1994/120#700*.

[5] See: Rickenbacher, “The Beginnings of Political Islam in Switzerland: Said Ramadan’s Moslem Brotherhood Mosque in Geneva and the Swiss Authorities.”

[6] Robert Rahn, “Bericht zu Al-Muslimun” October 1962, CHBAR E2003A#1974/52#37*.

[7] Sylvain Besson, La Conquête de l’Occident. Le projet secret des islamistes (Paris: Le Seuil, 2005), 57–58.

[8] See: Rickenbacher, “The Beginnings of Political Islam in Switzerland: Said Ramadan’s Moslem Brotherhood Mosque in Geneva and the Swiss Authorities.”

[9] Martin Frampton, The Muslim Brotherhood and the West: A History of Enmity and Engagement (Cambridge, Massachusetts: Belknap Press: An Imprint of Harvard University Press, 2018); see also Daniel Rickenbacher, “Maryn Frampton, The Muslim Brotherhood and the West,” European Eye on Radicalization, February 2019, https://eeradicalization.com/the-muslim-brotherhood-and-the-west-a-history-of-enmity-and-engagement/.

[10] See Rickenbacher, “The Beginnings of Political Islam in Switzerland: Said Ramadan’s Moslem Brotherhood Mosque in Geneva and the Swiss Authorities.”

[11] EPD, “Notice concernant Said Ramadan” July 5, 1967, CHBAR E4320C#1994/120#700*.

[12] Antoine Exchaquet, “Le Centre Islamique de Genève responsable de 7 millions de musulmans en Europe,” Tribune de Genève, May 1975.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات