الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الإخوان المسلمون في السودان يعيقون التسوية السياسية ويهددون أمن البلاد والعباد

جيل كامل من الشباب السوداني ولدوا إبان حكم جماعة الإخوان المسلمين وعانوا الكثير جراء سياساتها ولن يسمحوا بعودتها

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

في كتابه “السودان: فشل وانقسام دولة إفريقية”، يشير ريتشارد كوكيت، المحاضر السابق للعلوم السياسية والتاريخ في جامعة لندن، ومحرر الشؤون الإفريقية السابق في دورية “ذا إيكونوميست”، إلى أن العيب الأساسي في الطبقة السياسية السودانية في البلاد منذ 1956 يكمن في ما سمَّاه بـ”المنافسة السياسية الحماسية التي يكون تدمير الديمقراطية ثمنها الدائم”.

يبدو أن عبارة كوكيت وسمت بالفعل الأداء السياسي لقوى إعلان الحرية والتغيير خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الإخوان المسلمين؛ فبينما كان الثوار الذين أطاحوا بالمخلوع عمر البشير ممسكين بزمام المبادرة في اعتصامهم أمام القيادة العامة وقتها، حيث تمكنوا من إجبار الفريق عوض بن عوف، الذي خلف البشير ليوم واحد، على التنحي بعد أن اتهموه بانتسابه الصريح إلى الجماعة؛ إلا أن ظهور الفريق عبدالفتاح البرهان، المفتش العام للقوات المسلحة وقتها، في ساحة الاعتصام رفقة إبراهيم الشيخ، الرئيس السابق لحزب المؤتمر السوداني ووزير الصناعة السابق وأحد كبار قادة قوى إعلان الحرية والتغيير، أوعز للمعتصمين بأن الرجل يحظى بدعم سياسي من القوى المدنية، وأنه ربما الضابط الأنسب للتوصل إلى تسوية مع قوى الثورة؛ إذ لم يكن يُعرف له انتماء صريح للجماعة، وإن كان من الصعوبة بمكان أن يبلغ ضابط سوداني رتبة فريق ويصبح مفتشاً عاماً للجيش ويُسمَّى عضواً باللجنة الأمنية التي تمثل الحلقة الضيقة المقربة لعمر البشير؛ إن لم يكن من منسوبي الجماعة.

اقرأ أيضاً: عناصر جماعة الإخوان.. ثورة مضادة كامنة في مفاصل الدولة السودانية

ثلاث سنوات وانقلابان وثورة مستمرة

قائدا الدعم السريع والجيش- “بي بي سي عربي”

الآن مرَّت ثلاث سنوات على انطلاقة ثورة 19 ديسمبر 2018، نفذ خلالها البرهان انقلابَين على شركائه المدنيين؛ أولهما في يونيو 2019، عقب ما عُرف بمجزرة فض اعتصام القيادة العامة التي راح ضحيتها مئة قتيل ومئات الجرحى، وثانيهما في 25 أكتوبر 2021، وأطلق عليها عملية تصحيح المسار. في كلا الانقلابَين أعاد عبدالفتاح البرهان بسرعة بالغة أعضاء جماعة الإخوان المندحرة إلى الواجهة بتعيينهم في كل القطاعات؛ الأمر الذي فاقم المعارضة الشعبية لانقلاب الجيش، حيث إن تعيين مسؤولين سابقين من عهد البشير، ارتبط لدى السودانيين بسنوات العزلة والفقر والفاقة والاستبداد التي كرستها الجماعة إبان حكمها الذي امتد ثلاثين عاماً.

يرى الصحفي والمحلل السياسي حسن بِركيّه، أن استيلاء الجيش على السلطة في 25 أكتوبر الماضي، كان بسبب اقتراب موعد تسليم رئاسة مجلس السيادة إلى المكون المدني، وأن ما حدث كان ذريعة لتبرير التملص من هذا الالتزام، وبدا ذلك واضحاً منذ وقت طويل؛ حيث ساند قائد الجيش بقوة الزعيم القبلي بشرق السودان المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، محمد الأمين ترك، وسمح له بإغلاق الميناء والطرق الرئيسة، ومنع القوات الأمنية من التدخل لإيقافه؛ بحجة أن مطالبه سياسية وعلى الحكومة المدنية أن تعمل على إيجاد تسوية سياسية معه بالتفاوض، بينما كان الرجل يرفض مقابلة المدنيين ويردد أنه تحت حماية الجيش.

اقرأ أيضاً: مَن الذي يفتح المجال أمام الانقلابات العسكرية في السودان؟

فلول الجماعة والجيش

حسن بِرْكّيه

يضيف بركيه، في حديثه إلى (كيوبوست)، أنه لا أحد يشك في أن الاضطرابات المتواترة التي سبقت الانقلاب كان وراءها قائد الجيش وفلول الإخوان المسلمين الذين ما زالوا يسيطرون على مفاصل الدولة والاقتصاد؛ خصوصاً بعد أن جمَّد البرهان عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين واستعادة الأموال المنهوبة، التي شرعت في تجفيف منابع تمويل الجماعة، واستعادة الأموال التي نهبتها من مقدرات الشعب، وتفكيك أركان الدولة العميقة التي أنشأها النظام السابق على مدار ثلاثة عقود، ولا تزال تسيطر على مؤسسات الدولة والقطاعات الرئيسية للاقتصاد؛ بما في ذلك مئات الشركات، كما يهمين الضباط المحسوبون على الجماعة أو المتعاطفون منهم معها، على إدارة وتسيير الشركات التابعة للجيش والأمن التي تُهيمن على 82% من موارد البلاد، حسب رئيس الوزراء عبدالله حمدوك نفسه.

في ظل أوضاع شديدة التعقيد مثل هذه، حدث الانقلاب، بما يعني عودة حتمية لجماعة الإخوان إلى السلطة؛ فالبرهان ونائبه لا يملكان قواعد شعبية، وبالتالي فلا مناص لهما غير الاستعانة بكوادر الجماعة ذات القدرة التنظيمية العالية، وهذا ما حدث بالفعل عقب الانقلاب، وإن كان عبدالله حمدوك شرع بالفعل في إزاحة بعض منهم منذ عودته إلى رئاسة الوزراء عقب الاتفاق السياسي مع قائد الجيش.

اقرأ أيضاً: فلول الإخوان السودانية.. “حلم مستحيل بالعودة إلى الحكم”

دولة موازية وليست عميقة

جانب من مظاهرات 30 أكتوبر 2021 المنددة بانقلاب الجيش- وكالة الصحافة الفرنسية

مئات آلاف المتظاهرين الذين وصلوا إلى باحة القصر الرئاسي بالخرطوم في 19 ديسمبر الجاري، لم يكونوا معنيين بأحزاب قوى الحرية والتغيير ولم يخرجوا تأييداً لها، وإنما يعتبرونها جزءاً من الأزمة السياسية، وأن حكومة حمدوك المنصرفة لم تكن تملك برنامجاً يخاطب الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها السودان، ما جعلها تستفحل بمرور الوقت، بل خرجوا من أجل تحقيق دولة مدنية ديمقراطية، وضد عودة الفلول والعسكر إلى الحكم مجدداً، وليس هناك ما يشير إلى إمكانية تنازلهم عن مطالبهم هذه؛ فهؤلاء الشبان والشابات الذين ولدوا خلال سنوات حكم جماعة الإخوان المسلمين عانوا الكثير جراء سياساتها، وبالتالي فلن يسمحوا بعودتها حتى لو أدَّى ذلك إلى فنائهم.. هكذا يرددون في مواكبهم المستمرة منذ ثلاث سنوات.

اقرأ أيضاً: موانئ السودان وصراع الكبار.. مَن ينتصر؟

بالنسبة إلى بكري الجاك المدني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة لونق آيلاند بالولايات المتحدة، فإن القوى السياسية نفسها ليست لديها رؤى واضحة وموحدة تتمكن من خلالها من جعل المكون العسكري يتخلى عن مكتسباته التي ورثها عن نظام كان هو نفسه جزءاً منه. يشرح المدني متحدثاً إلى “كيوبوست”: من وجهة نظري لا توجد في السودان دولة عميقة؛ فلربما إن وجدت كان يُمكن أن تجنبنا الكثير، إذ إن الموجودة الآن هي دولة موازية شرعت في إسقاط البشير حتى قبل خروج الشعب إلى الشارع في سبتمبر 2013، وهذا ليس تقليلاً من مدى فاعلية العمل الجماهيري الذي انتظم بالشوارع منذ ديسمبر 2018؛ بأي حال، بل هو تأكيد أن قبضة الرئيس المخلوع عمر البشير، على السلطة تراخت تدريجياً منذ أن بدأ في فقدان السيطرة على شركات الجماعة والجيش وجهاز الأمن؛ تلك المجموعات الأخطبوطية التي كانت تدير ولا تزال تدير دولاً موازية داخل الدولة وتسهم في تسيير هيكل الدولة الرسمي الذي ورثته حكومة الثورة المدنية كأنبوب فارغ.

بكري المدني

في الجانب الآخر -يستطرد المدني- تمثل ميليشيا الدعم السريع دولة موازية أخرى، من خلال سيطرتها على تعدين واستخراج وتصدير الذهب وغيره من المعادن؛ لذلك فإنه حيال هذه الأوضاع فإن أثر آلية المقاومة السلمية على منظومة اقتصادية متكاملة تعمل خارج جهاز الدولة وتحمل السلاح ولا تتورع في استخدامه حفاظاً على مصالحها إن استدعى الأمر، سيكون محدوداً جداً وغير فعال، وهذا لا يعني الوقوف مكتوفي الأيدي حيال ذلك، وإنما العمل على تحليل مصالح المجموعات المختلفة التي تشكل هذه الدول الموازية وفهم تركيبتها السيسيولوجية بدلاً من التخوين والهتاف والزعيق.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة