الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

“الإخوان المسلمون.. المندسون الجدد”

استراتيجية الإخوان المسلمين القائمة على الاندساس التدريجي في المجتمعات التي يعيشون فيها هي بمثابة سُم أكثر فتكاً من أهوال الحروب

كيوبوست- ترجمات

ترجمة: د.نور الدين تليلي

في الرابع عشر من الشهر الماضي، احتضن مقر الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة الأولى من البرلمان الفرنسي) ندوة فكرية بعنوان “الإخوان المسلمون.. قراءة جيوسياسية”، أشرف على تنظيمها “فريديريك أونسال” Frédéric Encel، أكاديمي مختص في العلوم الجيوسياسية. شارك في هذه الندوة ثلة من المختصين والخبراء؛ وهم “فرانسوا لونكل” François Loncle الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية المنبثقة عن الجمعية الوطنية الفرنسية، و”نورة ساني” Nora Seni أستاذة جامعية مختصة في الدراسات التركية، و”غبريال مارتيناز-غرو” Gabriel Martinez-Gros باحث أكاديمي مختص في التاريخ الإسلامي، و”ميخائيل برازان” Michael Prazan كاتب مختص في إنتاج الأشرطة الوثائقية، و”آن-كليمونتين لاروك”Anne-Clémentine Larroque خبيرة قانونية مُعْتَمَدَة لدى المحاكم الفرنسية ومختصة في قضايا الإرهاب، و”جون-ميشال فوفارك” Jean-Michel Fauvergues نائب برلماني عن حزب “الجمهورية إلى الأمام” (حزب الرئيس ماكرون).

اقرأ أيضاً: جمعية “مسلمي فرنسا”.. ذراع الإخوان المسلمين التي تتحرك بحرية!

أكد المشاركون في هذه الندوة عضوية العلاقة القائمة بين الأوضاع الأمنية والسياسية الحالية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط من جهة، واستراتيجية الإخوان المسلمين من جهة أخرى. فخلافاً للسلفية الجهادية التي تعتمد على العنف كخيار استراتيجي وتُبَرِّرُهُ بدعوى “واجب” الجهاد ضد “الكفار” و”الصليبيين” واليهود، يفضّل الإخوان المسلمون استراتيجية مغايرة تقوم على الاندساس التدريجي في النسيج المجتمعي والاعتماد على التقيّة كغطاء اجتماعي وروحاني لنشاطاتهم المريبة التي يقومون بها في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية التي يعيشون ويتمددون فيها يوماً بعد يوم. من جهة أخرى، أجمع المشاركون على أن الاستراتيجية الإخوانية القائمة على تجنب الأضواء الإعلامية والاندساس السلس في المجتمعات والدول التي تحتضنهم لا تمنع هذا التنظيم السلفي من دعم الإرهاب كوسيلة لتحقيق مآربه السياسية؛ كدفع منطقة الشرق الأوسط إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار. فمثل هذه الأوضاع الأمنية والسياسية المضطربة تمثل بيئة حاضنة لتنامي الفكر الإخواني وتمدده في المنطقة.

اجتماع مجلس الشورى السابع لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا- مركز الدراسات الإسلامية

يقول “ميخائيل برازان”، أحد المشاركين في هذه الندوة، إن استراتيجية الإخوان المسلمين تستلهم مرجعيتها من مصادر مختلفة؛ أهمها الفكر الشعبوي، خصوصاً الفكر النازي، الذي كان يقوم على الدعاية الفكرية والسياسية المقترنة بثنائية العصا والجزرة؛ أي اعتماد الترهيب لإسكات الخصوم، وفي نفس الوقت تبنِّي مبادرات اجتماعية خيرية هدفها استقطاب العديد من الفئات الاجتماعية والحصول على تعاطفهم. فلا شك أن الإخوان المسلمين استلهموا من الفكر النازي هذه الوسائل التنظيمية التي تهدف إلى السيطرة التدريجية على المجتمعات التي يعيشون فيها؛ خصوصاً التأثير على العقول، حتى تسهل عليهم استراتيجية الاندساس هذه.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون.. من الشرق الأوسط إلى غزو الغرب

كما أن الاستراتيجية الإخوانية تقوم أيضاً على الظهور بمظهر الضحية؛ خصوصاً في المجتمعات الغربية؛ حيث يستفيد الإخوان المسلمون من تواطؤ أحزاب اليسار الأوروبي وبعض الحركات الثقافية والفكرية؛ كحركة “ابْقَ مستيقظاً” (Woke)، المنبثقة عن الجناح اليساري للحزب الديمقراطي الأمريكي، والتي تدَّعي النضال من أجل قضايا العدالة الاجتماعية والمساواة العرقية.

لقد قام موقع www.opinion-internationale.com، عدة مرات، بالتذكير بأن العديد من الدول العربية والإسلامية، كانت قبل تأسيس تنظيم الإخوان المسلمين بمصر سنة 1928 وتمدده في إفريقيا وآسيا، تسير نحو إقامة مجتمعات حديثة قائمة على التنوير وخالية من هيمنة الفكر الديني المتطرف؛ فهذه الدول لم تكن آنذاك في حاجة إلى “ربيع عربي” أو إلى ثورات عنيفة حتى تصل إلى مثل هذا الهدف المنشود؛ فالنساء في كثير من هذه الدول كُنَّ آنذاك قد بدأن يتحصَّلن على حقوقهن ويمارسن حياتهن اليومية بعيداً عن وصاية الفكر الظلامي والشمولي.

صورة قديمة لفعاليات اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا- وكالات

 في هذا الإطار يقول الباحث الأكاديمي المختص في التاريخ الإسلامي “غابريال مارتيناز-غرو”، إن الفكرة التي تقول إن فصل الدين عن الدولة في المجتمعات الإسلامية غير ممكن، هي فكرة لا تستقيم. فوفقاً لهذا المؤرخ، أسهم نمو الدول الإسلامية الأولى وتمددها في القرنَين السابع والثامن للميلاد -خصوصاً في الأندلس- في تطوير فكرة فصل الدين عن أمور الدولة في المجتمعات الإسلامية الأولى. ولهذا فالمجتمعات الإسلامية الحديثة ليس من قَدَرِهَا أن تعيش إلى الأبد تحت سيف التنظيمات السلفية والإخوانية التي تنشر الفكر الظلامي وتسعى إلى السيطرة على دواليب الدولة والنسيج المجتمعي مُبرِّرَةً ذلك باسم الدين الإسلامي الذي هو براء من أفعالها.

اقرأ أيضاً: هل تأخر بيان كبار فقهاء السعودية عن تصنيف الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً؟

أما “فريديريك أونسال”، الباحث المختص في العلوم الجيوسياسية، فيعتبر أن عَدَاءَ الإخوان المسلمين إزاء فرنسا عداء قديم، يقوم على اعتبار هذا البلد الأوروبي “أرض كفر” يجب على المسلمين ترهيبها وأسلمتها. فالإخوان لا يترددون في نشر فكرة مفادها أن فرنسا تعادي الإسلام والمسلمين منذ عصر الأنوار، وأن هذا العداء ازداد قوة بعد قرار البرلمان الفرنسي سنة 1905 سنّ قانون يتم بمقتضاه فصل الدين عن أمور الدولة، في إطار مشروع علماني يهدف إلى تحرير الإنسان الفرنسي من هيمنة الفكر الظلامي مع ضمان حرية الشعائر الدينية لكل الطوائف والأديان. فالتصور الفرنسي الحديث للمجتمع القائم على قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ونبذ الفكر الظلامي، يتناقض جوهرياً مع المشروع الإخواني القائم على الهيمنة على النسيج المجتمعي وتطويعه؛ من أجل خدمة المآرب السياسية لهذا التنظيم السلفي، والذي يُكِنُّ عداءً مقيتاً إزاء المجتمعات الغربية واليهود والديمقراطية؛ لكننا نلاحظ أنه من المفارقات أن نرى الإخوان المسلمين يستفيدون من مناخ الحرية والديمقراطية الذي يميز المجتمعات الغربية، هذه المجتمعات ذاتها التي يسعى هذا التنظيم إلى اختراقها والهيمنة عليها. إن تغلغل الفكر الإخواني في نسيج المجتمع الفرنسي لا يرقى اليوم إلى الشك، فيكفي الاطلاع على تقرير أعدَّه نائبان من الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة الأولى للبرلمان الفرنسي) وكذلك تقرير برلماني ثان أشرفت على إنجازه لجنة منبثقة عن مجلس الشيوخ الفرنسي (الغرفة الثانية من ذات البرلمان)، حتى نقتنع بمدى هذا التغلغل في ميادين عدة كالجامعات والمؤسسات الاستشفائية والجمعيات الرياضية والشرطة.. وغيرها من القطاعات الاجتماعية وأجهزة الدولة الحساسة.

تظاهرة للمسلمين في فرنسا- “جيتي إيماج”

كما يمكننا أن نذكِّر بالموقف المثير للقلق إزاء مسألة ارتداء الحجاب أثناء الأنشطة الرياضية الصادر عن الوزيرة الفرنسية الحالية المُكَلَّفَة بقطاعَي الشباب والرياضة. فموقفها المؤيد لارتداء الحجاب أثناء الأنشطة الرياضية خير مثال على مدى تغلغل الفكر الإخواني وعمق تأثيره في المجتمع الفرنسي، مستفيداً في ذلك من المناخ الديمقراطي الذي يميِّز هذا البلد. لكن نلاحظ أن العديد من مناصري هذا التنظيم والكيانات الأخرى التي تدور في فلكه لا يترددون في الظهور بمظهر الضحية والتلويح بورقة “الإسلاموفوبيا”، ما أن يشعروا بأن أضواء الإعلام وأعين الأجهزة الأمنية والإدارية بدأت تستهدفهم. ويختم “فريديريك أونسال” مداخلته بالتساؤل عن قدرة التنظيم الإخواني على المضي قُدُماً في استراتيجيته القائمة على اختراق الدولة والمجتمع الفرنسيين.

اقرأ أيضاً: لماذا يرفض إخوان فرنسا التوقيع على ميثاق القيم الجمهورية؟

حول هذا التساؤل يمكننا أن نذكر هنا مثال “محمد ساو” القريب من الرئيس ماكرون؛ فكل من عايش حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2017 يتذكر أن المرشح إيمانويل ماكرون كان يمدح علناً “محمد ساو”، أحد كوادر حزب “الجمهورية إلى الأمام” الذي أسسه ماكرون لخوض السباق الرئاسي. لكن المرشح ماكرون تناسى أن هذا الشخص كان على صلة بأعضاء “التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا”، وهي جمعية تقدم نفسها على أنها تناضل ضد مختلف أشكال التمييز التي تستهدف المسلمين في فرنسا. وتُعرف هذه الجمعية التي حلَّت نفسها أواخر سنة 2019، بقربها من الإخوان المسلمين. كما أن “محمد ساو” قريب من حزب “أهالي الجمهورية” المعروف بأطروحاته المعادية للدولة الفرنسية.

تظاهرة احتجاجية لفرنسيات مسلمات على القانون الفرنسي بشأن الحجاب الإسلامي، 2020- فرانس برس

نلاحظ هنا أن إيمانويل ماكرون واصل تجاهله هذه المسألة بالغة الأهمية، وهي أن أحد كوادر حزبه على علاقة بجمعيات تتغذى من منابع الفكر الإخواني وتعادي قيم الجمهورية الفرنسية. ولم يدرك الرئيس الفرنسي خطورة المدّ الإخواني ومدى تغلغله في المجتمع الفرنسي إلا في خريف 2019 بعد أن قام شاب من أصل شيشاني متشبّع بالفكر السلفي الجهادي، بقطع رأس مدرس فرنسي كان قد أقدم على الخوض مع طلابه في مسألة حرية التعبير، وذلك بالاعتماد على رسوم كاريكاتيرية للنبي محمد كانت صحيفة “شارلي إيبدو” قد نشرتها منذ سنوات خلت. هذه الحادثة الإرهابية الشنيعة دفعت بالرئيس ماكرون إلى تغيير موقفه إزاء بعض الجمعيات التي تتبنى طروحات الإسلام السياسي والتي تنشط في فرنسا بكل حرية؛ ومن بينها “الإخوان المسلمين” وجمعية “التجمع المناهض للإسلاموفوبيا”، التي تتهمها السلطات الفرنسية بالمساهمة في تأليب بعض المسلمين المتشبَّعين بالفكر السلفي ضد المدرِّس الفرنسي؛ مما أدى إلى اغتياله بطريقة فظيعة هزَّت الرأي العام الفرنسي والدولي.

اقرأ أيضاً: “اليسار الإسلاموي” و”البوتقة الإسلاموية” في فرنسا 1-2 

لكن ما نخشاه هو أن الحرب التي أعلنتها الحكومة الفرنسية ضد هذه التنظيمات الظلامية تُخفِي عظمَةَ هذا الملف وصعوبة التعامل معه؛ فليس بالسهولة بمكان أن تقوم الحكومة الفرنسية بعد عدة سنوات من التساهل والخمول بلجم هذه التنظيمات ومن ثَمَّ اقتلاع جذورها نهائياً. فلربما فات الأوان ولم يبقَ أمام السلطات الفرنسية إلا القليل من الخيارات؛ وهي ليست بالمُريحة تماماً، فإما الخضوع للمد الإخواني وإما مواجهته بكل حزم. وفي كلتا الحالتين ستكون السلطات الفرنسية في موقف لا تُحسد عليه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطابه عن الانفصالية الإسلامية- “أ ف ب”

منذ سنوات عديدة نصادف كل يوم في أحياء وشوارع كبريات المدن الفرنسية التي تعيش فيها جاليات مسلمة، فتيات صغيرات السن ومراهقات من أصول مسلمة، تقوم غالباً عائلاتهن بإجبارهن على ارتداء الحجاب وأحياناً النقاب. فلا شك في أن مثل هذه الظاهرة الطائفية إنما هي نتيجة تأثير الفكر الإخواني وتمدده في هذه الأحياء، وذلك بدعم مباشر من بعض الأحزاب والجمعيات ذات التوجه اليساري التي ترفض التصدي لتمدد الإخوان المسلمين؛ لا بل وتقبل التحالف معهم وتتعاطف معهم باعتبارهم “ضحايا” التمييز العرقي والديني. كما أن السلطات الفرنسية برفضها اتخاذ إجراءات حازمة لتأمين حرية الفتيات والنساء المسلمات في اختيار لباسهن إنما هي تتواطأ بصفة غير مباشرة مع المد الإخواني. في هذا الإطار يقول “جون-ميشال فوفارك” النائب البرلماني في الجمعية الوطنية الفرنسية، وهو مسؤول أمني سابق: إن الإخوان المسلمين نزعوا عن الفرنسيين الرغبة في التصدي للفكر الظلامي؛ حيث يسعى هذا التنظيم السلفي إلى التغلغل التدريجي والسيطرة على العقول والتأثير على طريقة عيش المجتمعات الأوروبية، حتى يتمكن في نهاية الأمر من مراقبتها والسيطرة عليها كلياً.

اقرأ أيضًا:“اليسار الإسلاموي” و”البوتقة الإسلاموية” في فرنسا 2-2

يتساءل “فرنسوا لونكل” الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية المنبثقة عن الجمعية الوطنية الفرنسية، ما إذا كان الخلاص سيأتي يوماً ما من منطقة الشرق الأوسط؛ ففي هذه المنطقة التي تأوي ربع مجموع السكان المسلمين في العالم وُلِدَ مشروع الإسلام السياسي، وفيها نشأ وترعرع الفكر الظلامي خلال القرن الماضي. فهذه المنطقة ستبقى قبلة الفكر السلفي والإخواني، وهي بمثابة “منارة” تقود أتباع هذا الفكر وتُلهِمُهُم.

أما في الدول الغربية فنلاحظ أن العديد من المسلمين لم يستسيغوا مؤخراً تقارب بعض دول الخليج والمملكة المغربية وجمهورية السودان مع إسرائيل. ولحسن الحظ لم تؤثر أحداث العنف الأخيرة بين إسرائيل و”حماس” على علاقات هذه الدول العربية مع الدولة العبرية. وعلى أبواب أوروبا تقف تركيا الأردوغانية لتطرح علينا عدة تساؤلات حول طبيعة العلاقات التي يجب على أوروبا نسجها مع بلد إسلامي يتزعمه رئيس قريب من الإخوان المسلمين، ومعروف عنه عنف تصريحاته الشعبوية والقومية.

جانب من لقاء الإخوان مع المعارضة التركية

فوفقاً للأستاذة الجامعية “نورة ساني” المختصة في الدراسات التركية، والتي شاركت في هذه الندوة، يدرك الرئيس التركي أردوغان، أن الإدارة الأمريكية الحالية ستكون أقل تسامحاً إزاءه مقارنةً بسابقتها. لذا فالرئيس التركي فهم أن من مصلحته تعديل مواقفه وتلطيف تصريحاته إزاء الدول الغربية؛ حتى لا يجد نفسه في عزلة على الساحتَين الأوروبية والدولية، لكن نلاحظ أن الرئيس التركي لا يزال يصر على تحدي الأوروبيين والولايات المتحدة على الساحة الليبية المضطربة منذ سنوات، حيث أرسل آلاف المقاتلين غير النظاميين ومئات الجنود الأتراك إلى طرابلس الغرب، وذلك من أجل تأمين مصالح تركيا الاستراتيجية في هذا البلد الغني بالثروات النفطية، والمقبل في يوم ما على فترة إعمار يمكن أن يستفيد منها رجال الأعمال الأتراك. كما أن إيران التي تَشَبَّعَ قادتها من الملالي (أهمهم الخميني الذي كان لاجئاً في فرنسا) بفكر الإخوان المسلمين منذ سبعينيات القرن الماضي، تعيش وضعاً مشابهاً لتركيا من حيث علاقاتها بالغرب؛ لكن دورها في زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط وبث الفوضى وسعيها لامتلاك السلاح النووي وتهديدها إسرائيل وتمدد نفوذها ودعمها التنظيمات الإرهابية يفوق بكثير دور تركيا الأردوغانية في المنطقة.

اقرأ أيضاً: هل تركيا جادة في استعادة مرتزقتها من ليبيا؟

إن استراتيجية الإخوان المسلمين القائمة على الاندساس التدريجي في المجتمعات التي يعيشون فيها هي بمثابة سُم أكثر فتكاً من أهوال الحروب؛ فهذا السم يصعب التخلص منه بسهولة بعد أن يتمكن من السريان في عروق النسيج المجتمعي. فبعض الدول العربية؛ مثل مصر التي تغافلت في وقت ما عن خطورة هذا التغلغل ولم تتصد له في الوقت المناسب، وجدت نفسها مُجبرة على استعمال القوة من أجل وقف نزيف هذا السم القاتل؛ وهو ما انجرّ عنه أعباء مالية إضافية وأضرار تنموية وجهود سياسية ومجتمعية هي في غنى عنها. في هذا الإطار، يجب أن ننوه ببعض بلدان الخليج العربي؛ مثل الإمارات العربية المتحدة التي ما إن أدركت خطورة هذه الآفة (المد الإخواني) حتى بدأت في محاربتها في المهد.

لكن الأسئلة التي تطرح نفسها منذ بداية هذه السنة هي التالية: كم عدد المندسّين لحساب الإخوان المسلمين تمكنوا من اختراق إدارة الرئيس الأمريكي الجديد “جو بايدن”؟ كم من متعاطف مع الإخوان المسلمين نجحوا في التغلغل في قلب أجهزة الحزب الديمقراطي؛ خصوصاً جناحه اليساري الذي تهيمن عليه حركة “ابقَ مستيقظاً”؟

اقرأ أيضاً: كيف حشد الإخوان المسلمون إمكاناتهم لدعم حملة الديمقراطي بايدن؟

إن خطورة آفة التغلغل الإخواني في النسيج المجتمعي لا تهم الولايات المتحدة فحسب؛ بل تشمل أيضاً العديد من الدول، ومن أهمها الدول الأوروبية. لكن نظراً إلى أن الولايات المتحدة تلعب دوراً محورياً في العلاقات الدولية؛ فإن الإجابة عن الأسئلة التي طرحناها في الفقرة السابقة تمنحنا فرصة تقييم خطورة هذه الآفة وتأثيرها على المستوى الدولي؛ فالمعركة مع الإخوان المسلمين لم تتخط مراحلها الأولى.

“المركز الإسلامي في أمريكا” بمدنية ديربورن بولاية ميشيغان- وكالات

إن هدف المجتمعات الديمقراطية هو الانتصار في هذه المعركة؛ ولكن دون حرب ودون إفاضة قطرة دم واحدة. إنها معركة تدور رحاها على أرضية المجتمعات المدنية التي يجب عليها أن تدرك مدى خطورة المد الإخواني. كما أن الجاليات المسلمة في الدول الغربية معنية بهذه المعركة. يجب على هذه الجاليات التخلي عن فكرة أسلمة المجتمعات التي يعيشون فيها والقطع مع كل نزعة سياسية تهدف إلى تغيير المجتمعات والثقافات الأوروبية القائمة على قيم الحرية والديمقراطية واستبدال كيانات شمولية بها يهيمن عليها الفكر الظلامي وتقودها الخطابات الشعبوية.

اقرأ أيضًا: الإسلاموية والإخوان المسلمون في إطار اجتماعي أوروبي جديد

 إن الجاليات المسلمة لها حقوق؛ ولكن لها أيضاً واجبات، من أبرزها الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية؛ فالكثير من المسلمين الذين يعيشون في أوروبا وفي الغرب عموماً يدركون أنهم ينعمون بحرية القيام بشعائرهم الدينية في البلدان التي تستضيفهم والتي أصبحت البلد الأم لأبنائهم وأحفادهم أكثر مما يمكنهم الحصول عليه في بلدانهم الأصلية. فهم معنيون، مثلهم مثل بقية المواطنين، بمستقبل المجتمعات الديمقراطية التي يعيشون فيها، وهم مدعوون إلى الانخراط  المعركة ضد الفكر الظلامي والدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فمن الأفضل استعمال القلم واللسان من أجل إقناعهم بالانخراط طوعاً في هذه المعركة المصيرية عوضاً عن إقحامهم فيها مكرهين.

المصدر: أبونيون إنترناشيونال

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة