الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الأيام الأخيرة للتدخل

 كيوبوست – ترجمات

بعد أشهرٍ من انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، لا تزال قضية التدخل العسكري الخارجي تثير كثيراً من الجدل في الولايات المتحدة. كتب وزير الدولة البريطاني السابق، والمسؤول السابق في التحالف بالعراق؛ روي ستيوارت، مقالاً في صحيفة “فورين أفيرز” يناقش فيه الدور الذي لعبه التدخل الأمريكي في الخارج ونتائجه، وينتقد التكاليف الباهظة في مقابل الإنجازات المتواضعة أحياناً، والفشل الكامل أحياناً أخرى.

اقرأ أيضاً: سقوط أفغانستان.. هل كنا نستخدم المقارنات التاريخية الخاطئة؟

يقول الكاتب إن عصر التدخل بدأ عام 1995 في البوسنة، وتسارع مع التدخلات العسكرية في كوسوفو وأفغانستان والعراق، حيث كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها قد صوروا أنفسهم كمديرين تنفيذيين، لديهم الاستراتيجيات والموارد لإصلاح الأمور وجني الفوائد، ثم المغادرة في أسرع وقتٍ ممكن. وكان هذا المنطق ضاراً في البوسنة وكوسوفو، وكارثياً في أفغانستان والعراق، حيث كانت الخطط الدولية منفصلة عن الواقع المحلي.

وقد بنى قادة هذه الدول صورتهم الزائفة هذه ليحشدوا الدعم الشعبي المحلي لتدخلاتهم الخارجية، وعندما لاحت بوادر الفشل لم يكن أمامهم إلا الدفع بالمزيد من القوات للتدخل، ومع ازدياد أعداد القتلى كان لا بد من نشر قواتٍ إضافية. وفي النهاية، انهارت صورتهم كمنقذين، ولكنهم كانوا قد أصبحوا أسرى مواقفهم، ولجأوا للإنكار والانعزالية. وفي نهاية المطاف، انسحبوا وألقوا باللوم على الفساد، ونكران الجميل، والجبن المفترض لشركائهم السابقين.

الأخضر الإبراهيمي والرئيس الأفغاني حامد كرزاي- أرشيف

وكان هذا الولع بالتدخلات الدولية الكبيرة نتيجة الفهم الخاطئ لنجاح نسبي سابق حدث في البوسنة قبل 20 عاماً بفضل وجود دولي كبير، ولكنه مقيد للغاية. وقد أسيء تفسيره واُتخذ ذريعة لتدخلاتٍ دولية جريئة تحت شعار “بناء الدولة من خلال إدارة دولية ذات سلطات تنفيذية مطلقة”، حتى لو استخدمت القوة المطلقة في سبيل ذلك. تم نشر قوات كبيرة في كوسوفو والعراق لتنفيذ مثل هذه الخطط، ففي كوسوفو تولت الأمم المتحدة مهام السلطة التنفيذية، بينما تولى بول بريمر هذه المهام كلياً في العراق، وعيَّن مسؤولين أمريكيين وبريطانيين -كنت أحدهم- لحكم المحافظات العراقية، حيث أعادوا كتابة المناهج الجامعية، وتشكيل الجيش، وفصلوا مئات الآلاف من أعضاء حزب البعث، واعتقلوا عشرات الآلاف غيرهم.

كانت أفغانستان هي الاستثناء، حيث اتفق مبعوث الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي، ووزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، على العمل من خلال وجود محدود على الأرض خشية أن يؤدي الوجود الكبير إلى اعتماد الحكومة الأفغانية كثيراً على الأموال والقوات الأجنبية. وفي البداية، سمح رامسفيلد بألفي جندي فقط، وأُعطيت القيادة للحكومة الانتقالية برئاسة رامسفيلد. وبعد ثلاث سنواتٍ، كانت أفغانستان أكثر أماناً، ولكنها وقعت فريسة الفساد ووحشية الشرطة، وإنتاج المخدرات.

اقرأ ايضاً: “الحرب الأبدية” لباكستان التي دامت خمسين عامًا في أفغانستان والسياسة الأمريكية بعد 11 سبتمبر

عزا كثيرون هذه الانتكاسات إلى “البصمة الخفيفة” [الوجود العسكري المحدود]، وقالوا إن العراق قد شتَّت انتباه الولايات المتحدة، ففشلت في التخطيط الصحيح، ولم تنشر ما يكفي من الموارد والقوات، ودعا مسؤولو الأمم المتحدة والصحفيون ونشطاء حقوق الإنسان إلى الإطاحة بأمراء الحرب، وحذَّروا من نفور السكان المحليين من الحكومة، وتقويض مصداقيتها. يبدو أن الجميع افترضوا وجود خطة واقعية لإصلاح الحكم في أفغانستان، وأن المشكلة تكمن في قلة الموارد والقوات الدولية.

دفعت هذه الأفكار الناتو إلى إطلاق ما كان في الواقع تدخلاً ثانياً أكبر لم يكن يستهدف طالبان، بل نظام الحكم الذي أسسه الحليف كرزاي. وبحلول عام 2005 انتشرت “فرق إعادة الإعمار الإقليمية” التابعة للناتو في أنحاء البلاد لنزع أسلحة أمراء الحرب.

ومع ازدياد عديد القوات الأجنبية تضاعفت هجمات طالبان خمس مرات، وزاد عدد الضحايا البريطانيين عشرة أضعاف. وأُلقي اللوم في ذلك أيضاً على عدم كفاية الموارد. وفي عام 2007 أعلن جنرال أمريكي جديد خطة لزيادة القوات، وتكرر ذلك عام 2008، وفي عام 2009 أعلن الجنرال الأمريكي ستانلي ماكريستال خطة جديدة لنشر 130 ألف جندي، وقال إن 2009 سيكون العام الحاسم.

الساحة الرئيسية في مدينة مزار شريف- أرشيف

ازدادت حرارة الخطاب السياسي في واشنطن مع ارتفاع أعداد الجنود الأمريكيين الذين يموتون سنوياً، وإنفاق عشرات المليارات من الدولارات. وجادل المسؤولون بأن سقوط أفغانستان بيد طالبان سيؤدي إلى سقوط باكستان أيضاً، وبأن المتطرفين سيسيطرون على الأسلحة النووية.

وأصرَّ ألرئيس أوباما أن القبض على بن لادن يتطلب الفوز في أفغانستان. وبينما كانت الولايات المتحدة تدرس تحسين خططها، كانت طالبان تنفذ رؤيتها الخاصة في إرساء الأمن والاستقرار من خلال الشريعة التي سوقوا لها من خلال الهياكل القبلية، مستغلين العادات الريفية والمراجع الدينية. وكلما زادت القوة العسكرية الأجنبية الموجهة ضدهم زادت قدرتهم على تقديم أنفسهم بأنهم يقودون الجهاد لأجل أفغانستان والإسلام ضد احتلال عسكري أجنبي.

اقرأ أيضاً: لماذا نجحت الولايات المتحدة في إعادة إعمار ألمانيا واليابان وفشلت في العراق وأفغانستان؟ (1- 3)

ويشير الكاتب إلى أن العنف وسوء الإدارة كانا هما القاعدة في جميع أنحاء البلاد، ففي مناطق مثل باميان، وهيرات، ومزار شريف، ووادي بانجشير، وسهول شومالي، وكابول، كان هنالك استقرار، وكانت الحياة أفضل كثيراً مما كانت عليه تحت حكم طالبان.

في هذه المناطق كان الوجود العسكري القليل يعني عدداً أقل من الضحايا الدوليين، مما قلَّل الضغط على السياسيين والجنرالات الأمريكيين والأوروبيين، لتقديم ادعاءاتٍ مبالغ فيها، كما أجبر المجتمع الدولي على الدخول في نقاشاتٍ منطقية مع الشعب الأفغاني حول نوع المجتمع الذي يرغب فيه.

بحلول عام 2005 كان الاقتصاد الأفغاني قد تضاعف عما كان عليه عام 2001، وتضاعف عدد سكان كابول أربع مرات، وشهدت نهضة عمرانية وثقافية، ولم يقتصر ذلك على العاصمة فقط، ففي جميع أنحاء البلاد ذهبت 1.5 مليون فتاة إلى المدارس، وتحسن مستوى الصحة العامة، ومتوسط العمر المتوقع، وانحسر العنف إلى أدنى مستوياته منذ أربعين عاماً، وعاد الملايين من اللاجئين الأفغان إلى بلادهم.

مقاتلو طالبان في مطار كابول- أرشيف

ولو أن الولايات المتحدة وحلفاؤها استمروا بنهج “البصمة الخفيفة” لما بعد عام 2005، وفي تقديم المساعدات الإنمائية السخية، ومحاربة تجارة المخدرات وأمراء الحرب، ومتابعة حملة مكافحة تمرد طالبان، لكان من الممكن أن يستمر التحسن في الصحة العامة والتعليم والتوظيف، ولاقترن ذلك بالنسبة للملايين من الأفغان بمجتمعٍ مدني ديمقراطي منفتح بشكل متزايد.

في عام 2014، حاولتِ الولايات المتحدة العودة إلى “البصمة الخفيفة”، ولكن بحلول ذلك الوقت كان قد حدث ضرر كبير. كان الجيش الأفغاني يعتمد بشكلٍ كبير على الطائرات والتكنولوجيا الأمريكية، وتسببت العمليات العسكرية في مقتل الآلاف من المدنيين، وأدى وجود أكثر من مئة ألف جندي دولي في مناطق أفغانستان إلى تعزيز فكرة الجهاد ضد المحتل الأجنبي.

اقرأ أيضاً: جيرارد راسيل لـ”كيوبوست”: سندفع ثمناً باهظاً نتيجة سقوط النظام في أفغانستان

وارتفع عدد مقاتلي طالبان من ألفي مقاتل عام 2005 إلى 36 ألف مقاتل. ولكن كما كانت “البصمة الخفيفة الأولى” أفضل من الزيادة، فإن “البصمة الخفيفة المتأخرة” أفضل من الانسحاب الكامل؛ لأن بضعة آلاف من القوات الدولية المدعومة بالقوات الجوية كانت ستتمكن من منع طالبان من السيطرة على عواصم لمقاطعات، فضلاً عن الزحف على كابول.

ومع ذلك، فقد رحب الكثير من الأمريكيين بالانسحاب؛ لأن حكومتهم لم تشرح لهم بوضوح ما الذي يحميه الوجود الأمريكي هناك. وقد اتبع الرئيس بايدن سياسة ترامب بكل تفاصيلها، على الرغم من أنه كان من دعاة “البصمة الخفيفة”، عندما كان نائباً للرئيس أوباما. إن سياسة “البصمة الخفيفة” لم تفشل، وما فشل هو الثقافة السياسية للغرب، وافتقار الولايات المتحدة وحلفائها إلى الواقعية والاعتدال.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة