الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

الأوروبيون يستيقظون على ضجيج انهيار السلام

كيوبوست- خاص

د.دنيس ساموت♦

في الأيامِ القليلة الماضية، استوقفني العديد من معارفي في شوارع لاهاي ليسألوني عن الوضع في أوكرانيا، وما إذا كنتُ أعتقد أن الحرب سوف تقع. كانوا أشخاصاً لا أعرفهم كثيراً وعادة ما لا يتعدى الحديث معهم أحوال الطقس. هنالك شيء ما قد تغير، وبأسرع مما كان متوقعاً. الأوروبيون لديهم تاريخٌ طويل من الحروب، وقتل بعضهم بعضاً.

وفي القرن العشرين، أخذوا هذه الصراعات إلى مستوى غير مسبوقٍ نتيجة لتطور تقنيات الحرب. قُتل الملايين في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ودمرتِ الحروب القارة الأوروبية بأكملها، وتركت فيها ندوبها.

وفي عام 1945، وفي أوروبا الغربية على الأقل، قال الناس إن هذا لن يحدث مرة ثانية. وأصبحت فرنسا وألمانيا -العدوتان اللدودتان اللتان تحاربتا لمئات السنين- دولتين تجمعهما صداقةٌ راسخة لا انفصام لها. ونشأت السوق الأوروبية المشتركة، وتحولت لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبي الذي توسع بعد نهاية الحرب الباردة شرقاً، حيث سارعت دول كانت تخضع للسيطرة الشيوعية إلى لانضمام والمشاركة في هذا المشروع العملاق للسلام والازدهار. صحيح أن بعض الحروب وقعت في البلقان والقوقاز، ولكنها كانت حروباً محلية اعتبرت نتيجة لتكيفات ما بعد الحرب.

اقرأ أيضًا: فلاديمير بوتين يوحد خصومه

نشأ جيلٌ جديد من الأوروبيين، وأولادهم من بعدهم لا يعرفون من الحرب، إلا ما ذكرته كتب التاريخ أو ما يحدث منها في أماكن أخرى من العالم، وليس في قارتهم.

استيقظ الأوروبيون صبيحة يوم الخميس، الرابع والعشرين من الشهر الجاري، ليكتشفوا أن روسيا قد بدأت هجوماً واسعاً على أوكرانيا، حيث أصبح من الواضح أن روسيا بقيادة الرئيس بوتين لم تعد تحرص على اللعب وفق قواعد الدبلوماسية العالمية. ظهر الرئيس بوتين في وقتٍ متأخر من مساء يوم الاثنين على التلفزيون الروسي مضطرباً نوعاً ما فيما كان يعلن اعتراف روسيا باستقلالِ المنطقتين الأوكرانيتين دونيتسك ولوغانسك، كدولتين مستقلتين، ليفتح بذلك الطريقَ أمام نشر قواتٍ روسية على أراضيهما، وتم توقيع “اتفاقية صداقة” على عجل بعد دقائق من الإعلان تمهيداً لذلك. كما أشارت روسيا إلى أنها اعترفت بجمهورتي دونيتسك ولوغانسك ضمن حدودهما الدستورية، والتي تشمل مساحاتٍ شاسعة من الأراضي التي تسيطر عليها القوات الأوكرانية.

مرت أوكرانيا بأحداث سياسية في طريقها للانفصال عن روسيا- Stanislav Krasilnikov / TASS

فهل سيؤدي ذلك إلى حربٍ في أوكرانيا؟ كل المؤشرات تقول نعم. فمع تحرك الروس لفرض السيطرة على أراضي دونيتسك ولوغانسك، بما في ذلك الأراضي التي لا تزال تحت سيطرة الحكومة الأوكرانية، من المؤكد أنهم سيصطدمون بالقوات الأوكرانية، قبل أن ينتشر القتال بسرعة إلى أجزاء أخرى من أوكرانيا، فيما يمكن أن يكون حرباً طويلةً مؤلمة.

وهل سيؤدي ذلك إلى حربٍ مفتوحة في أوروبا؟ الجواب حتى هذه اللحظة هو أن ذلك غير مرجح إطلاقاً، ولكن مجرد حقيقة طرح هذا السؤال تشكل بالفعل لحظة نفسية حاسمة. ومن الواضح تماماً أن السلام الصعب خلال فترة الحرب الباردة (1945- 1990) والسلام السعيد منذ 1991 حتى 2022 قد انهار الآن. وأوروبا تتحرك ببطء ولكن بثبات نحو عودة الحرب الباردة، عندما كان الرادع الوحيد للكابوس النووي هو فقط ما منع وقوع الحرب.

اقرأ أيضاً: حرب روسيا- أوكرانيا ستؤثر على إفريقيا وآسيا

وبعد أسابيع من الرقص على حافة الهاوية تتصاعد الأزمة الحالية بسرعة، والآن تم تعطيل دور الدبلوماسية. وقد ألغى الجانب الأمريكي اجتماعاً بين وزيري الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين والروسي سيرغي لافروف، كان مقرراً عقده يوم الثلاثاء، 22 فبراير. كما تحدثت تقارير أن الاجتماع المقترح بين الرئيسين بايدن وبوتين لم يعد متوقعاً في المستقبل المنظور. وقال بلينكن إن الاجتماع الآن لم يعد مجدياً لأن الولايات المتحدة تعتقد أن الغزو الروسي لأوكرانيا قد بدأ بالفعل.

وقد حذَّر كلٌّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ودول أخرى تفكر بطريقةٍ مشابهة، مثل كندا وأستراليا واليابان من غزوٍ روسي محتمل لأوكرانيا منذ فترة طويلة، ومن أن هذه الدول مستعدة للرد بحزم بكل ما هو دون الانخراط المباشر في حربٍ مع الروس، في إشارة إلى أنها لن تقبل هذا الوضع. ليس أمامهم من خيارٍ آخر. إن القبول باستيلاء بوتين الفعلي على مساحاتٍ واسعة من أوكرانيا سوف يفتح شهيته لقضمِ المزيد. لقد أوضح بوتين في العديد من المناسبات أنه يرغب في رؤية سيطرة روسية على كامل الفضاء السوفييتي السابق، وأثبت من خلال أفعاله -الآن وفي القرم عام 2014 وجورجيا عام 2008- أنه مستعدٌ للمضي قدماً في تحقيق ذلك.

ناقلة جنود مصفحة يستخدمها المتمردون الذين تدعمهم روسيا في دونيتسك، شرقي أوكرانيا- روسي

بالنسبة لبقية العالم، هذه لحظة حرجة إلى حد ما، وتفضل الدول أن تنأى بنفسها عن هذا الصراع برمته. ولكن الجانبين سيكثفان الضغوطَ بينما يحاولان حشد الدعم الدولي. وقد طلبت روسيا من الدول الصديقة لها أن تحذو حذوها في الاعتراف بالجمهوريتين، ومن المتوقع أن تفعل ذلك دولٌ مثل نيكاراغوا وسوريا وفنزويلا، وستمارس روسيا ضغوطاً كبيرة على دولٍ أخرى مثل بيلاروسيا وإيران وكوبا من أجل ذلك، كما تأمل روسيا من لاعبين آخرين كبار مثل الصين والهند، وبعض الدول العربية، أن تبقى على الحياد على لأقل.

وعلى الناحية الأخرى، يحاول الغرب من جهته حشد معارضة وإدانة دولية صاخبة ضد بوتين لردعه من تكرار عملٍ مماثل في المستقبل. لا بد لجميع الدول النظر في الأهمية التي تعلقها على مبدأ السلامة الإقليمية للدول الذي تنتهكه روسيا الآن للمرة الثالثة خلال أقل من خمسة عشر عاماً.

اقرأ أيضاً: بايدن يتوعد بوتين.. لكن هل يمكنه وقف غزو روسي آخر لأوكرانيا؟

وفي أوروبا تراجع الحكومات مجدداً ميزانياتها الدفاعية، وسياساتها الدفاعية، ويبحث الاتحاد الأوروبي بجدية كيفية زيادة قدرات قوته الصلبة. وتمارس الولايات المتحدة المزيد من الضغط على الأوروبيين لدفعهم لتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم. ترغب الولايات المتحدة في أن تركز على الصين التي يمكن في أي لحظة أن تصعِّد التوتر مع تايوان أو أن تحاول فرض سيطرتها في منطقة المحيطين الهندي والهادي، على حساب دول المنطقة الأخرى. وهنا أيضاً ربما ستفضل بعض الدول النأيَ بالنفس، ولكن معظمها سيضطر إلى التخلي عن هذه السياسة في الوقت المناسب.

لقد انتهت القطبية الواحدة في العالم. والاستعدادات للحرب تجري على قدمٍ وساق في مختلف أنحاء العالم. وبالنظر إلى أن حرباً جديدة ربما ستؤدي بسرعة إلى صراعٍ نووي، فربما ستكون هي الحرب الأخيرة. ولا عجب في أن الأوروبيين متوترون جداً ويتخلون عن استرخائهم، ويسترجعون اهتمامهم بالسلام في قارتهم.

♦مدير موقع لينكس يوروب في لاهاي، بهولندا. يكتب بانتظام في قضايا الأمن الأوروبي، ودول الجوار الأوروبي وشؤون الخليج العربي.

لقراءة الأصل الإنكليزي: broken peace

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة