"الأمن الشعبي".. هل يقطع السودان الذراع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين؟ - كيو بوست
الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

“الأمن الشعبي”.. هل يقطع السودان الذراع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين؟

الخلايا الإخوانية لا تزال كامنة في مفاصل الدولة السودانية.. والسلطات تعمل بجهد على اجتثاثها

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

في خطوةٍ اعتبرها كثيرون الأكثرَ أهمية في تصفية وإزالة المؤسسات الأمنية الإخوانية الموازية لمؤسسات الدولة، أصدرتِ النيابة العامة في السودان، الأسبوع الماضي، قراراً بإحالة البلاغ رقم (44/ 2019) المدوَّن ضد ما تُعرف بخلية الأمن الشعبي، إلى محكمة الإرهاب؛ حيث عقدت الأحد 5 يوليو أولى جلساتها للنظر في القضية، والتي أسفرت التحريات الخاصة بها عن ضلوع مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق، الإخواني الهارب خارج البلاد صلاح قوش، في التخطيط لهجماتٍ إرهابية باستخدام خلايا الأمن الشعبي، وقد دوِّنت بلاغاتٌ متعلقة بالإرهاب بحقه، وتقرر ملاحقته عبر الإنتربول.

وكانت الأجهزة الأمنية، بأمر وتحت إشراف النيابة العامة، داهمت في وقتٍ سابق وكراً لخلية الأمن الشعبي الإرهابية بحي الطائف شرقي الخرطوم، وتم العثور على أزياء عسكرية وأسلحة ومتفجرات وحزام ناسف وعددٍ كبير من معدات الاتصالات والحواسيب. وتم إثر ذلك توقيف 24 متهماً تحت مواد تتعلق بتقويض النظام الدستوري ومعارضة السلطة بالعنف ومخالفة قانون القوات المسلحة وإدارة المنظمات الإرهابية وقانون الأسلحة والذخائر.

الفريق صلاح قوش مدير جهاز أمن ومخابرات نظام الإخوان والمسؤول عن خلايا الأمن الشعبي- وكالات

خلايا نائمة

وفي السياقِ ذاته، يقول الصحفي سليمان مختار، لـ”كيوبوست”: “منذ إطاحة جماعة الإخوان المسلمين، المعروفة في السودان بـ(الحركة الإسلامية)، عن السلطة في 11 أبريل 2019، ظلَّتِ الحكومة الانتقالية، ممثلة في لجنة تفكيك نظام الإنقاذ وإزالة التمكين واسترداد الأموال العامة، تعمل بدأب في هذا الصدد، رغم الصعوبات والعقبات الكثيرة التي تواجهها؛ حيث لا تزال الخلايا الإخوانية كامنة في مفاصل الدولة تعمل بكل طاقتها، لتعطيل دولاب العمل وخلق البلبلة وسط المواطنين؛ أملاً في العودة إلى الحكم مجدداً، رغم أن ذلك أصبح في حكم المستحيل”.

سليمان مختار

اعتقالات واغتيالات

بطبيعة الحال، يضيف مختار، كرَّس الإخوان أنفسهم بقوة في الفضاء الاقتصادي وداخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والجيش والشرطة؛ بل خلقوا أجساماً أمنية خاصة بتنظيمهم، موازية للأجهزة الأمنية الرسمية؛ مثل الأمن الطلابي، وكتائب الظل، والأمن الشعبي، ويمثل الأخير الجهاز السري لجماعة الإخوان المعزولة، وقد اتسم أداؤه بالاعتقالات التعسفية، واغتيال الخصوم السياسيين، وتنفيذ مهام ذات طابع إرهابي في الداخل والخارج؛ مثل التورط في المحاولة الفاشلة لاغتيالِ الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في تسعينيات القرن الماضي.

الوزير الإخواني الأسبق كمال عبداللطيف أحد أهم قادة الأمن الشعبي

يلفت مختار إلى أن فكرة تأسيس جهاز أمني موازٍ لجهاز الأمن والمخابرات العامة، فكرة قديمة أطلقها زعيم الحركة الإسلامية السودانية، عام 1976، تتلخص في ضرورة إطلاق آلية خاصة بجماعة الإخوان؛ لجمع وتحليل المعلومات عن الأحزاب المناوئة، خصوصاً (الشيوعي)؛ بما يُمكِّن الجماعة من اختراقها أو التغلغل فيها أو شق صفوفها، فضلاً عن اختراق المجتمع والتأثير عليه وتجييره لصالح مشروع الجماعة السياسي والفكري والسلطوي، إلا أنه -والحديث لا يزال لمختار- سرعان ما أصبح أداة قمع وتنكيل بانقلاب الإخوان على النظام الديمقراطي، يونيو 1989، وقد مثَّل الأمن الشعبي الذراع القاتلة بالنسبة إلى الجماعة؛ لا سيما في السنوات العشر الأولى من تسلمها السلطة، حيث شهدت البلاد أنواعاً من البطش والقهر والقتل خارج القانون لم يشهدها السودان على مدى تاريخه.

اقرأ أيضاً: السودان دولة علمانية.. وجماعة الإخوان تشعر بالمرارة!

قتلة في أزياء مدنية

دُرة قمبو

من جهتها، قالت الصحفية والباحثة السياسية المهتمة بشؤون جماعة الإخوان المسلمين، دُرة قمبو: “إن البناء التنظيمي للأمن الشعبي يعتمد في نواته الأساسية على بثِّ عناصر مُتخفية في هيئة (مواطنين عاديين)؛ إما تجاراً وإما موظفين وإما عمالاً أو أئمة مساجد، داخل الأحياء السكنية، يجمعون المعلومات ويراقبون خفقات وسكنات وتحركات واتجاهات المواطنين، ويكتبون تقارير تفصيلية عن كلِّ فرد، بما يُسهِّل مهمة السيطرة عليه، إذا أبدى أي نوع من المعارضة لنظامهم”.

تستطرد قمبو: إلا أن عام 1999 كان حاسماً؛ ليس للأمن الشعبي فحسب، بل لتنظيم الإخوان الحاكم في السودان؛ حيث شهد انقساماً حاداً داخل الحركة الإسلامية، نتيجة للتنازع على السلطة بين منسوبيها، وقد عُرف هذا الانقسام في أوساط الجماعة بمفاصلة الإسلاميين؛ حيث عمد الرئيس المعزول عمر البشير -حينها- إلى جملة إجراءات لحسم خلافه مع عرابه حسن الترابي، منها إعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد وحل البرلمان، وإعفاء الترابي من كل مناصبه الدستورية؛ بما فيها رئاسة البرلمان وعضوية الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) ووضعه تحت الإقامة الجبرية وفرض حراسة أمنية مشددة عليه.

اقرأ أيضاً: السودان.. محاسبة الإخوان بعد سنوات من سرقة ثروات الشعب!

صورة شهيرة لقاتل من عناصر الأمن الشعبي حوكم مؤخراً بالإعدام

وبتلك (المفاصلة)، كما يسمونها، ضعف جهاز الأمن الشعبي نوعاً ما، عقب إخلائه من الكوادر الأساسية التي تدين بالولاء لحسن الترابي، واستعيض عنه نسبياً بأجهزة أخرى؛ مثل جهاز الأمن الطلابي وكتائب الظل التي كانت تحت إمرة علي عثمان طه، نائب البشير ورفيقه في إقصاء الترابي.

اقرأ أيضاً: ما الدوافع خلف حملة الاعتقالات ضد عناصر الإخوان في السودان؟

عاد أكثر بشاعة

تشير قمبو، متحدثة إلى “كيوبوست”، إلى أن الأمن الشعبي لم يختفِ من الوجود، مرة وإلى الأبد، فقد عاد إلى الواجهة مجدداً بعد تصفيته وتنظيفه من الموالين للترابي، بممارسات أكثر بشاعة؛ منها ما يُعرف ببيوت الأشباح، حيث تُنظم حفلات التعذيب للمعتقلين من الخصوم السياسيين، وخلية الاغتصاب المكونة من عناصر إخوانية مُدربة على انتهاك أعراض المناوئين باغتصابهم وتصويرهم، وباستخدام الخوازيق كما حدث في قضية الشهيد أحمد الخير، أواخر أيام البشير؛ حيث تم قتله عن طريق (الخازوق). وكذلك يُتهم الأمن الشعبي بتصفية المحتجين في انتفاضة سبتمبر 2013 التي راح ضحيتها أكثر من 200 قتيل، وثورة 19 ديسمبر 2019 التي خلفت مئات القتلى أيضاً.

كما يضطلع الأمن الشعبي بوظيفة إرهاب المناوئين والتنكيل بهم، بمطاردتهم وتهديدهم، وطردهم من وظائفهم، وانتهاك أعراضهم، وفقاً لقمبو.  

الإخواني الراحل خالد مصطفى بكداش أحد أبرز قادة الأمن الشعبي

ومن أبرز قادة جهاز الأمن الشعبي، الإخواني الفاتح عروة، وخالد أحمد المصطفى بكداش (توفي العام الماضي)، والحاج صافي النور، والراحل مجذوب الخليفة، وبابكر عثمان خالد، وعثمان عبدالعزيز، وكمال عبداللطيف، والرشيد فقيري، وعماد حسين، وطارق حمزة، وصلاح قوش، والفريق بكري حسن صالح، آخر نائب للرئيس المعزول البشير.

الآن، وبعد إزاحة جماعة الإخوان عن الحكم بفضل هبَّة شعبية، بدأت لجنة تفكيك نظام الإنقاذ وإزالة التمكين، واسترداد الأموال العامة، بالتعاون مع النيابة العامة والأجهزة الأمنية والشرطية، في ملاحقة عناصر الأمن الشعبي المتهمين بالضلوع في قتل مئات الثوار والمعارضين؛ وهي المرة الأولى التي تصل فيها يد العدالة إلى جهاز الأمن الإخواني السري، ما يُعتبر بارقة أمل لأُسر ضحايا تنظيم الإخوان الإرهابي وميليشياته القمعية.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة