الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةملفات مميزة

لماذا يعادي الإخوان المسلمون ثقافة وهوية الأمازيغ؟

الأمازيغية في أوراق الحركات الإخوانية

خاص كيو بوست – رشيد العزوزي

يفرض موضوع “الأمازيغية” في علاقته بـ”التنظيمات الإخوانية” نفسه لاعتبارات عدة، أهمها نقاش الهوية الحاد الذي تعرفه منطقة شمال إفريقيا بعد سنة 2011، وما نجم عنه من نتائج سياسية، مثل سقوط أنظمة قومية (نظام القدافي في ليبيا)، ومخرجات دستورية (ترسيم اللغة الأمازيغية في الدستور المغربي والجزائري)، ووصول أحزاب؛ تعد امتدادًا لمشروع “حسن البنا” إلى السلطة في المغرب الكبير.

اقرأ أيضًا: لماذا لا تقر الحكومة المغربية رأس السنة الأمازيغي عيدًا وطنيًا؟

 

من هم الأمازيغ / (البربر)؟

كلمة “الأمازيغ” تعني “الأحرار”، وهم للأمانة التاريخية قبل الصحفية، منذ استيعابهم لفلسفة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب وإدراكهم لجوهر الرسالة المحمدية، بالإسلام يدينون وبالسنة متمسكون، ولمذهب الإمام مالك متبعون، على عكس ما يروج هنا وهناك؛ إلا أن علاقتهم بالإخوان، فكرًا وممارسة في الجزائر، كما في المغرب وتونس وليبيا مؤخرًا تحتاج لوقفة، والطريقة التي تحضر بها الأمازيغية في أوراقهم لوقفات.

من الناحية الجغرافية عمومًا الأمازيغ شعوب سكنت وتسكن المنطقة الممتدة من واحة سيوه شرقًا (مصر) إلى المحيط الأطلسي غربًا (المغرب وموريتانيا)، يحدهم البحر الأبيض المتوسط شمالًا والصحراء الكبرى جنوبًا، ويقال إنهم السكان الأصليون لشمال إفريقيا.

أما فيما يخص حضارتهم؛ فهي  ضاربة في أعماق التاريخ الإنساني “المماليك الأمازيغية بشمال إفريقيا”، وبوسع قراء “كيوبوست” أن يجدوا عشرات المقالات والدراسات والكتب التي تشفي غليلهم باللغة العربية واللغات الأجنبية، في التاريخ القديم والوسيط، وبطولاتهم في مقاومة المستعمر الأيبيري، والفرنسي، والإيطالي، في التاريخ الحديث والمعاصر.

 

كيف تحضر الأمازيغية في خطاب الحركات الإخوانية؟

في المغرب، حارب حزب العدالة والتنمية بكل قواه حتى لا ترسم اللغة الأمازيغية في الدستور المغربي سنة 2011، ولما فشلوا في مسعاهم، وأصبحت إلى جانب العربية لغة رسمية للبلاد، كبلوها بقوانين تنظيمية لم يفرج عنها حتى اليوم، جعلتها على الهامش في التعليم كما في الإدارة وباقي القطاعات، بل تمت دعوة “جماعة العدل والإحسان” إلى تزكية هذا الطرح لتوحيد الجبهة الإسلامية في فترة من الفترات.

موقف العدل والإحسان من الأمازيغية بدوره ليس أحسن حال، فالكتاب الذي خصه للموضوع، المرشد الروحي للجماعة “عبد السلام ياسين” تحت عنوان “حوار مع صديق أمازيغي” نظر للأمازيغية بدونية متسائلًا  بنوع من الاستخفاف: “ما بال الأمازيغية يراد لها أن ترسم في الدستور لغة وطنية ثانية؟ ما بال الثقافة الأمازيغية تغار من العربية وتنازعها على أوقات الإعلام الرسمي؟”، رابطًا –بنوع من التعسف- بين الدين الإسلامي الذي يدين به الأمازيغ قاطبة، والعروبة قائلًا: “اللغة العربية من عصاها عصى الله، ومن شاقها شاق الله، ومن كفر بها كفر بالله”، و”العربية جزء لا يتجزأ من الوحي”، ويردف قائلًا: “وتأتي المطالب الأمازيغية لتنشب أظفارها في الضحية” أي العربية. 

كل هذه الدونية تتحدث بها أوراق الإسلاميين، في وقت تصل فيه نسبة الناطقين بالأمازيغية في المغرب إلى 27 في المائة، حسب المندوبية السامية للتخطيط سنة 2014 (جهة حكومية)، في حين تتحدث إحصائيات جامعية غربية عن أكبر من هذه النسبة.

في تونس، نعدم أي فكرة أو إشارة في أوراق “حزب النهضة” تهم ثقافة وهوية الأمازيغ ساكني القرى بولاية قايس ومدنين أو قبلي والمناطق المتاخمة للحدود الجزائرية في الشمال الغربي وغيرها.

هذا التنكر عممه إخوان تونس على الدولة أيضًا؛ فاستنادًا إلى دستور 2014 أسمى قانون في البلاد، الذي اعتمد خلال حكمهم، نجد في فصله الأول: “تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها، ولا يجوز تعديل هذا الفصل”، وهو ما تنتقده بشدة قوى حقوقية، وهيئات من المجتمع المدني مثل “الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية” أول جمعية من نوعها ترى النور في البلاد طولًا وعرضًا.

وهذا ما يفسر هجوم الغنوشي عليها، وتسخير ذراعه الإعلامية “جريدة الفجر” للإساءة لمكون أصيل -ربما قليل ديموغرافيًا لكنه حي- من مكونات المجتمع التونسي، بطريقة لا علاقة لها بالثقافة الإسلامية، ولا الأخلاق السياسية؛ (مزابل ثقافية هجرها الدجاج ولم يعد ينبش فيها إلا بعض المرتزقة، ولمن؟ وبأي ثمن؟) كما قال سليم الحكيمي عن اللغة والثقافة الأمازيغيتين.

في الجزائر، موقف “جبهة الإنقاذ” الجزائرية لا يختلف عن باقي الحركات الأصولية؛ فقد قال عنها مهدي مرزاك: “الأمازيغية مسألة تهدد الوحدة الوطنية”.

بهذه البساطة عولجت المسألة رغم أنه “خلال القرن 19 مثلًا، كان 70 في المائة من الجزائريين يتحدثون الأمازيغية، أما الآن فالعدد لا يتجاوز 35 في المائة”، حسب أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة وهران الجزائرية “رابح لونيسي”، صاحب كتاب “ربيع جزائري في مواجهة دمار عربي”.

ما سر العداء بين الأمازيغ وأذرع الإخوان في المنطقة المغاربية؟ وكيف نفهمه؟

كثيرة هي ومتعددة النقاط الخلافية بين “الأمازيغ” و”الإخوان” في المغرب الكبير، إلا أن الشق اللغوي حاضر أكثر من غيره؛ لأن الطرفين يعيان أهمية اللغة في معادلة الوطن والهوية؛ لا سيما أن “الأحزاب الوطنية” عملت على تعريب كل شيء، عبر النظام التعليمي مع فجر استقلال الدول المغاربية، تماشيًا مع النفس القومي، والبعثي، أو الإخواني.

ترحيب الحركات الإخوانية بالتعريب الممنهج “الإقصائي”، والمساهمة في تسريع وتيرته، كما تردد دائمًا شخصيات عدة محسوبة على الحركة الثقافية الأمازيغية؛ مرده عند الإخوان تميز اللغة العربية بالمقارنة مع باقي اللغات، ولعلاقة العروبة بالإسلام كما يتصوروها، ورغبة منهم في توحيد الأمة لغويًا (قسرًا) بعدما وحدت دينيًا، ولأنها لغة النبي محمد (ص)، ولغة القرآن الكريم، ولسان أهل الجنة…

في هذا السياق الذي يكتسي حساسية خاصة، قال زكريا أرسلان أستاذ اللسانيات بجامعة مدينة مكناس المغربية، في تصريح خاص لكيوبوست: “ينبغي أن نعلم أولًا أن علاقة الإسلاميين باللغة العربية هي علاقة إيديولوجية غير مؤسسة علميًا؛ فعندما تدعي أنّ العربية أفضل اللغات وأحسنها وأفصحها، وتقيم دعواك على الاختيار الإلهي لها في القرآن، فهذا لا معنى له لسبب بسيط، هو أنّ كل أهل الحضارات القديمة زعموا هذا الزعم وادعوا أن لغاتهم هي لغات الآلهة، ولا أدل على ذلك من قول التوحيدي أبو حيان: “وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات”.

ويضيف الأستاذ ذاته، مؤلف كتاب “إبستمولوجيا اللغة النحوية”: “وهذا لا معنى له لأن وجوه الفضل معروفة، وإنما هي بعمل أو اختصاص ولا عمل للغة؛ ولا جاء نص في تفضيل لغة على لغة، وقد قال تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، وقال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور، وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية، فتساوت اللغات في هذا تساويًا واحدًا”.

وفيما يخص “الادعاء” الأخير، أكد الأستاذ أرسلان أن لغة أهل الجنة وأهل النار لا علم عندنا حولها، اللهم  ما جاء في النص والإجماع، ولا نص ولا إجماع في ذلك، إلا أنه لا بد لهم من لغة يتكلمون بها ولا يخلو ذلك من أحد 3 أوجه، لا رابع لها: إما أن تكون لهم لغة واحدة من اللغات، القائمة بيننا الآن، وإما أن تكون لهم لغة غير جميع هذا اللغات، وإما أن تكون لهم لغات شتى؛ لكن هذه المحاورة التي وصفها الله تعالى توجب القطع بأنهم يتفاهمون بلغة إما بالعربية المختلفة في القرآن عنهم، أو بغيرها مما الله تعالى أعلم به.

يتضح لنا من خلال ما سبق أن المكون الأمازيغي قديم قدم التاريخ في المنطقة المغاربية، وليس من حق أحد المزايدة عليه لا في الأرض ولا في الدين والهوية والثقافة، وبالتالي فالتصالح معه ليس ضعفًا، بقدر ما هو قوة، ومقدمة لا بد منها لبناء الدولة المدنية العصرية التي تعترف بحقوق مواطنيها، كل مواطنيها.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة