الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الألغام في اليمن.. مشكلة تسلط الضوء على خطر عالمي

كيوبوست

تشير التقديرات إلى وجود 2 مليون لغم زُرع في مختلف أنحاء اليمن بواسطة المتمردين الحوثيين. العديد من تلك الألغام زُرعت في أماكن مدنية؛ مثل مداخل المدن والأراضي الزراعية والطرقات، مما يجعلها تتسبب في مقتل المئات كل عام. وفي حين أن الأضرار الأولية للألغام يمكن أن تكون كارثية؛ مثل الموت أو بتر الأطراف، فإن الآثار طويلة المدى أكثر ألماً ومأساوية بالنسبة إلى العديد من الناجين.

غالباً ما يعاني الناجون من الألغام الأرضية الألمَ والعجز والعزلة والصدمات العقلية مدى الحياة. الإصابات الداخلية شائعة أيضاً؛ مثل الألم المزمن وتلف الأعضاء الداخلية ومشكلات الخصوبة. كما يمكن أن تكون المناطق التي توجد بها ألغام أرضية ملوثة لسنوات حتى بعد إزالة المتفجرات؛ مما يصعِّب على الناس العودة إلى منازلهم ومزارعهم.

تشير التقارير إلى أن المتمردين الحوثيين هم المسؤول الأول عن زراعة حقول الألغام في البلاد. يبتكر الحوثيون باستمرار طرقاً تجعل الألغام والأدوات المتفجرة أكثر فتكاً وحساسية للحركة؛ مثل تحويل الألغام المضادة للدبابات إلى ألغام مضادة للأفراد، أو ربط الألغام بأسلاك بحيث تنفجر عند تحريك أي جسم لذلك السلك أثناء المرور وليس عند الضغط عليه.

اقرأ أيضاً: اليمن: اختطاف العرولي.. حياة الناشطين في خطر بسبب الحوثيين

للألغام الأرضية والأدوات المتفجرة تأثير مدمر على البلدان في جميع أنحاء العالم. وفقاً لمرصد الألغام الأرضية والذخائر الحربية، هناك آلاف الضحايا بسبب الألغام الأرضية والمخلفات المتفجرة كل عام. يشكل المدنيون النسبة الأكبر من الضحايا، ويمثل الأطفال نحو الربع منهم. تشمل قائمة الدول الأكثر تضرراً: أفغانستان، أنغولا، كمبوديا، كولومبيا، العراق، ليبيا، ميانمار، باكستان، جنوب السودان، سوريا، اليمن.

الحوثيون.. المسؤول الأول عن الألغام

استخدم المتمردون الحوثيون الألغام الأرضية المضادة للأفراد منذ بداية الصراع في اليمن؛ في عام 2017، مثلاً، قال تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”: إن قوات الحوثي وصالح استخدموا الألغام الأرضية في ست محافظات على الأقل منذ أن بدأ التحالف بقيادة السعودية عملياته العسكرية. في عام 2019، دعا تقرير آخر الحوثيين إلى التوقف فوراً عن استخدام هذه الأسلحة، مضيفاً أن قوات الحوثي تتحمل المسؤولية الأساسية عن الضحايا المدنيين والأضرار.

يوجد بعض أكبر حقول الألغام في اليمن في محافظة الحديدة على الساحل الغربي للبلاد. لطالما تفاخر الحوثيون عبر وسائل إعلامهم بزراعة الألغام في تلك المناطق. كما ذكرت عدة تقارير تحذير الحوثيين للسكان في الحديدة من وجود ألغام متفرقة هنا وهناك، في اعتراف واضح بالجريمة؛ إذ تعتبر الهجمات التي تستخدم أسلحة محظورة أو بطريقة عشوائية غير مشروعة انتهاكات لقوانين الحرب.

خريطة إرشادية توضح منطقة خطر التلوث بالألغام الأرضية التي حددها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي- HRW 2019

وعلى الرغم من تركز عدد كبير من الألغام ومخلفات الحرب الأخرى في المناطق الغربية؛ فإن العديد منها يتناثر في مناطق مختلفة من البلاد، مثل عدن والبيضاء وشبوة وأبين.. وغيرها من المحافظات.

لماذا يستخدم المتمردون الألغام؟

ينتشر استخدام الألغام الأرضية والأدوات المتفجرة -مثل العبوات الناسفة- بين الجماعات المتمردة؛ لأن اقتناءها واستخدامها سهل نسبياً، كما أنها فعالة في وقف التقدم أو التسبب في أضرار كبيرة لقوات العدو. يسمح استخدام هذه الأسلحة المحظورة باكتساب ميزة نفسية على خصوم المتمردين من خلال غرس الخوف وعدم اليقين، بالذات عندما يكون الخصم أكبر وأفضل تجهيزاً.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام هذه الأسلحة لأهداف عالية القيمة؛ مثل الأفراد العسكريين أو المسؤولين الحكوميين أثناء تنقلهم داخل المدن، أو انخراطهم في جبهات القتال والوصول إلى مناطق كانت تحت سيطرة المتمردين.

اقرأ أيضاً: فشل تمديد الهدنة في اليمن: الأسباب والنتائج المحتملة

من المعروف أن الجماعات المتمردة تستخدم الألغام الأرضية كوسيلة لاستهداف القوات المعارضة والمدنيين في العديد من مناطق الصراع حول العالم. في أفغانستان مثلاً، غالباً ما استخدمت “طالبان” الألغام الأرضية كوسيلة لاستهداف قوات الأمن الأفغانية والقوات الدولية. في عام 2010، زُرع ما يقرب من 3000 لغم مضاد للأفراد في جميع أنحاء البلاد، مما أدى إلى سقوط أكثر من 1000 ضحية (نحو ثُلثهم من المدنيين).

كما استخدمت الجماعات المتمردة في العراق الألغام الأرضية على نطاق واسع؛ لا سيما خلال ذروة الصراع الداخلي في البلاد من 2003- 2011.

خريطة توضح التوزيع العالمي لحقول الألغام ومخلفات الحرب والمتفجرات- ICBL 2011

معاناة مستمرة

يمكن أن تشمل آثار الألغام الأرضية والمتفجرات بلداناً بأكملها حتى بعد توقف القتال؛ غالباً ما تُترك هذه الأسلحة بعد انتهاء الحروب لفترة طويلة، ويمكنها منع الناس من الوصول إلى الموارد الحيوية؛ مثل المياه أو الأراضي الزراعية. كما تتسبب في إغلاق الطرق، مما يعرقل وصول المساعدات إلى مَن يحتاجون إليها.

بسبب خطورتها العالية، غالباً ما تواجه البلدان المتضررة من الألغام الأرضية صعوبة في جذب الاستثمار الأجنبي والسياحة لفترة طويلة جداً حتى بعد انتهاء الصراع.

تشير التقديرات إلى أن هناك 110 ملايين لغم أرضي مزروعة في الوقت الحالي في مناطق مختلفة من العالم، مع وجود كمية مساوية لها تقريباً في المخازن تنتظر زراعتها أو تدميرها. على الرغم من أن غالبية الدول تخلت عن الألغام الأرضية وانضمت إلى اتفاقية حظر الألغام؛ فإن 33 دولة لا تزال خارج المعاهدة، وغالبية هذه الدول تحتفظ بمخزونات يبلغ مجموعها مجتمعة نحو 50 مليون لغم أرضي.

تكاليف باهظة

لا يكلف صناعة لغم أرضي سوى ما بين 3 دولارات و30 دولاراً فقط؛ لكن تكلفة إزالته تتراوح من 300 دولار إلى 1000 دولار، ناهيك باحتمالية تعرض الخبراء والعاملين في المجال إلى الخطر؛ بما في ذلك الموت.

اقرأ أيضاً: هل الحوثيون مستعدون لتقديم تنازلات في اليمن؟

يرجع تفاقم مشكلة الألغام عالمياً إلى حقيقة أن العديد من البلدان -كاليمن- لا تملك الموارد اللازمة لإزالة جميع الألغام الأرضية؛ مما يترك مساحات شاسعة من الأرض خطرة لا يمكن الوصول إليها. تشير التقديرات إلى أن تكلفة إزالة كل الألغام من مناطق العالم المختلفة تتراوح بين 50 و100 مليار دولار، وبالتالي من غير المرجح أن تتمكن جميع البلدان من تحقيق هذا الهدف عما قريب. في غضون ذلك، سيستمر سقوط الضحايا وتفاقم الآثار.

في اليمن، تعاني السلطات والجهات الفاعلة صعوبةً في الوصول إلى حقول الألغام التي خلفها الحوثيون وراءهم؛ بسبب المساحات الشاسعة وعدم توفر خرائط لتلك الحقول. تشتكي المنظمات الإنسانية أيضاً مراراً وتكراراً من أن الألغام تعرقل توزيع المساعدات، وتمنع اليمنيين من ممارسة الكثير من الأنشطة الاقتصادية؛ مثل الزراعة وصيد الأسماك ونقل البضائع. بالإضافة إلى كل ذلك، يتفاقم الخطر الذي تشكله الألغام في اليمن مع كل موسم للفيضانات والأمطار الغزيرة.

ما الذي يمكن فعله؟

يقف اليمن اليوم منهكاً أمام عدد لا حصر له من التحديات؛ مثل حقول الألغام. هناك عدد من الطرق التي يمكن للمجتمع الدولي من خلالها مساعدة البلدان الفقيرة -كاليمن- المتضررة من حقول الألغام. إحدى الطرق هي تقديم المساعدة المالية؛ للمساعدة في تكاليف تطهير حقول الألغام، وتقديم الدعم للمتضررين.

طفل فقد رجلَيه نتيجة انفجار لغم.. عدن- AFP

طريقة أخرى للمساعدة هي تقديم المساعدة التقنية لإزالة الألغام الأرضية؛ وهي عملية طويلة ومكلفة، والعديد من البلدان لا تملك الخبرة أو المعدات اللازمة لها. يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد من خلال توفير التدريب والدعم للمنظمات المحلية التي تعمل على تطهير حقول الألغام. أخيراً، من المهم زيادة الوعي بالقضية وممارسة الضغط على الحكومات لاتخاذ إجراءات. يمكن القيام بذلك من خلال التغطية الإعلامية والحملات، وكذلك من خلال الضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية؛ مثل الأمم المتحدة.

وفي حين أن كل ذلك يمكن أن يكون إجراءات حاسمة، إلا أنه من المهم أيضاً تعزيز قدرة السلطات اليمنية على الوقاية من خطر زراعة المتمردين للألغام، ويشمل ذلك تحسين الإجراءات الأمنية -بالذات في الأهداف المحتملة- والتأكد من وجود معلومات استخبارية كافية لإحباط خططهم. من الضروري أيضاً اتخاذ إجراءات مباشرة؛ مثل استهداف قادة المتمردين المعروفين وصانعي القنابل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة