الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

“الأقليات الدينية” في الجزائر.. بين ممارسة الشعائر وتهديد النسيج الاجتماعي

يكفل مختلف الدساتير التي عرفتها الجزائر حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين.. لكن الواقع يختلف ويتطور أحياناً إلى اتهامات تنال المختلف دينياً بالعمالة للخارج والارتباط بمنظمات دولية تسعى لزعزعة استقرار البلاد

الجزائر – علي ياحي

يُعتبر الحديث عن الأقليات الدينية، ومدى تمتعها بحرية ممارسة شعائرها في الجزائر، من الموضوعات الحساسة التي يكتنفها الكثير من الغموض، ويتحكم فيها عديد من الأطراف، في الداخل والخارج. وجاءت مسودة التعديلات الدستورية المطروحة للنقاش لتكشف عن حقيقةِ الضبابية التي تلف هذا الملف بعد أن عرف أغلب المواد والنصوص نقاشات، ما عدا حرية الدين والمعتقد التي تجاهلها الجميع؛ بمَن فيهم المعنيون من القائمين على مختلف الديانات والمعتقدات في الجزائر.

وإذا كان الأمر محسوماً من الناحية القانونية؛ حيث تكفل مختلف الدساتير التي عرفتها الجزائر حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، كما أتاحت للحكومة سن قانون في 2005 يحدد ضوابط إنشاء معابد دينية لغير المسلمين، وممارسة الأقليات الدينية شعائرها، وهو الأمر الذي تم التنصيص عليه أيضاً في مسودة الدستور الجديد، غير أن الواقع يعرف جدلاً واسعاً يحتل المشهد العام في عديدٍ من المناسبات، ويتطور إلى اتهامات بالعمالة للخارج والارتباط بمنظمات دولية تسعى لزعزعة استقرار البلاد من خلال خلق أقليات؛ خصوصاً بعد دخول السلطات الحكومية على خط التوتر بغلق كنائس غير مرخصة، وبالكشف عن وجود دعم أجنبي لمجموعاتٍ تبشيرية تنشط في الجزائر بشكل غير معلن؛ من أجل إشاعة حرية المعتقد بلا ضوابط تكون مبرراً للتدخل الأجنبي.

اقرأ أيضاً: الجزائر.. لماذا تصاعد صراع الهوية منذ انهيار حكم بوتفليقة؟

يعتبر محمد لوني؛ مساعد قسيس ومسؤول الإعلام بكنيسة وهران، غرب الجزائر، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن الأقليات الدينية لا تمارس شعائرها بحرية؛ حيث إنها تتعرض إلى اضطهاد “سواء من طرف المجتمع الذي يرفض الاختلاف العقائدي الديني، أو من جهة الحكومة التي ترفض منح تراخيص لإنشاء جمعيات دينية التي أصلاً محمية بالدستور الجزائري”، قائلاً: “إن مواد الدستور التي هي عبارة عن جملة واحدة يقابلها العديد من القوانين التي تُحرم على غير المسلم السُّني الحق في الحرية الدينية الكاملة، باستثناء الطائفة الإباضية التي تمارس حريتها الدينية، مع صعوبة الحصول على تراخيص لإنشاء مساجد خاصة بها”.

محمد لوني مساعد قسيس ومسؤول الإعلام بالكنيسة البروتستانتية بوهران غرب الجزائر

ويوضح لوني أن السلطات رفعت قضية لدى المحكمة؛ من أجل غلق 3 كنائس بروتستانتية موجودة في منطقة وهران، رغم أنها معتمدة ومنضوية تحت لواء جمعية الكنيسة البروتستانتية المرخصة، كما تم غلق العديد من الكنائس في محافظتَي تيزي وزو وبجاية، وتم استدعاء الكثير من المسيحيين في الشرق الجزائري كما في الغرب؛ حيث طُلِب منهم عدم إقامة صلوات جماعية، موضحاً أن الكنيسة البروتستانتية التي يرأسها صلاح الدين شلاح، لم تسلم من التضييق، متابعاً بأن الجمعية تتلقى مجرد وعود بحل المشكلات؛ لكن بالمقابل نرى العكس، حيث حملة الغلق متواصلة، لافتاً إلى أن “المشكلة ليست فقط في حرية العبادة؛ لكنها تعدت إلى الحريات الشخصية، فمثلاً حتى الآن لا يزال بعض الأزواج عالقين في المحاكم؛ بسبب عدم تسجيل أبنائهم بأسماء مسيحية في بعض مناطق الوطن، باعتبار أنها ليست عربية، وغير موجودة في قاموس الأسماء المعد من طرف الدولة خلال ثمانينيات القرن الماضي”، بالإضافة إلى حرمان المسيحي من الميراث، وكذا معاناته مع دفن الموتى. وختم بأن المسيحي في الجزائر يُعتبر مواطناً من درجة أدنى.

اقرأ أيضاً: كيف يقضي الطلبة العالقون في الجزائر بسبب كورونا شهر رمضان؟

وفي حين تنتقد الكنيسة البروتستانتية التضييق، أكد رئيس الكنيسة الكاثوليكية بول ديفارج، أن أوضاع المسيحيين الكاثوليك بالجزائر مريحة وطيبة، نافياً وجود أي تضييق على المسيحيين من قِبل السلطة أو منعهم من ممارسة طقوسهم الدينية، كما يردد بعض من في الأوساط المسيحية؛ خصوصاً المبشرين، قائلاً: “إن السلطات تنظر إلى المسيحيين الجزائريين نظرة إيجابية، وهناك مجهودات من طرف الدولة ترمي إلى تهيئة كل الظروف اللازمة ليمارس المسيحيون ديانتهم”، مدعماً كلامه بتصريح لوزير الشؤون الدينية والأوقاف السابق محمد عيسى، الذي قال: “أنا وزير لكل الديانات وليس وزير الدين الإسلامي فقط”.

مقاربة ثلاثية

الأستاذ الجامعي عبدالرحمن طايبي، يستحضر، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، مقاربة ثلاثية بخصوص حرية المعتقد في الجزائر؛ الأولى قانونية؛ مفادها أن القوانين ابتداءً من أعلى وثيقة التي هي الدستور، مروراً بقانون تنظيم ممارسة الشعائر الدينية، تكفل هذه الحقوق الإنسانية، ويؤكدها وجود دور عبادة لغير المسلمين مرخص لها قانونياً تمارس نشاطها بشكل عادي، والثانية اجتماعية؛ مرتبطة بخوفٍ غير مبرر في كثير من الأحيان للمخالف الديني؛ لا سيما المواطن من إظهار تدينه أو عقيدته في وسطٍ اجتماعي أغلبيته من المسلمين لظروف نفسية وتاريخية، وقد سجلت تصريحات رسمية لممثلي الديانة المسيحية المعتمدين يشيدون فيها بمستوى سقف الحرية الدينية، وممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين بكل أريحية، ثم إن كثيراً من الصينيين المقيمين في الجزائر، وأغلبهم من البوذيين والكونفوشيوسيين يلقون الترحيب والاحترام من قِبل غالبية الجزائريين.

د. عبدالرحمن طايبي

وتابع طايبي: “إن تخوف المخالف في تدينه لأغلبية الجزائريين من إعلان عقيدته وممارسة شعائره بكل حرية وعلانية يرجع إلى ارتباط المسيحية بالاحتلال الفرنسي في الضمير الجمعي للجزائريين، والأمر الثاني هو مساهمة اليهود في توطئة الأرضية للفرنسيين من أجل احتلال الجزائر”؛ من خلال ما قام به كل من “باكري” و”بوشناق” من توريط للجزائر، وتقديمها على طبق من ذهب إلى الفرنسيين، إضافة إلى تداعيات القضية الفلسطينية وارتباط غالبية الجزائريين بها.

نصوص جديدة

وضمت مسودة التعديلات الدستورية المطروحة للنقاش نصوصاً جديدة تخص حرية ممارسة العبادات من دون تمييز، وأفردت لها في المادة 51 ثلاثة بنود تتعلق بأنه “لا مساس بحرمة حرية المعتقد وحرمة حرية الرأي”، و”حرية ممارسة العبادات مضمونة وتمارس بلا تمييز في إطار احترام القانون”، فضلاً عن مسؤولية الدولة عن حماية أماكن العبادة؛ بحيث “تضمن الدولة حماية أماكن العبادة وحيادها”.

الحقوقي سليمان شرقي

اقرأ أيضاً: رفع الراية الأمازيغية وتصاعد خطاب الكراهية.. هل تعاني الجزائر أزمة هوية؟

وفي السياقِ ذاته، يعتقد الحقوقي سليمان شرقي، في حديثٍ إلى “كيوبوست”، أن ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين متاحة، وهي مضبوطة بقانون 2006، مشيراً إلى أن الدستور الجديد محل النقاش ينص صراحةً على تكريس وحماية حرية المعتقد، وسيكفل ممارسة العبادات في إطار ضوابط دستورية، وهو “محاولة من المشرع لغلق الباب أمام المنظمات الحقوقية الغربية التي تستغل الأوضاع وتصدر تقارير سوداء سنوياً تزعم وجود تضييق وانتهاك لهذه الحقوق”.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

علي ياحي

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة