الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةرفوف المكتبةمقالات

«الأعمال الكاملة» ليوسف إدريس.. قطعة من الفن الرفيع

من رفوف الكتب

إيهاب الملاح♦

– 1 –

بعد نفادها واختفائها من المكتبات لما يزيد على ثلاثة عقود، غابت فيها أعماله الكاملة عن أيدي قرائه وعاشقي فنه بجماهيريته الوافرة وشهرته التي تخطت الحدود الجغرافية والسياسية، صدرت أخيرًا عن دار نهضة مصر الأعمال القصصية والروائية الكاملة لسيد القصة العربية القصيرة؛ الكاتب الراحل يوسف إدريس أو “تشيخوف العرب”، كما شهر بهذا اللقب طوال حياته. جاءت هذه الطبعة في ثلاثة مجلدات؛ خُصص الجزءان الأوليان منها لمجموعاته القصصية، والثالث للروايات.

أكثر من خمسين عامًا أو يزيد، وقصصه القصيرة ورواياته ومسرحياته التي أحدث بها ثورة حقيقية في الإبداع العربي المعاصر، تلقى رواجًا وجماهيرية طاغية من المحيط إلى الخليج، صارت قصصة نماذج تُحتذى، وغاية يتطلع إليها كل شادٍ إلى القصة قراءة وكتابة في عالمنا العربي.

يوسف إدريس

– 2 –

ليوسف إدريس (1927-1991)، بلا شك، مكانته وقيمته الكبرى في أدبنا العربي المعاصر، إنه “صاحب طريقة مخصوصة في السرد”، بتعبير الناقد خيري دومة. إدريس هو كاتب القصة القصيرة الأول في زمنه بلا منازع، حرّر كتابتها من أجواء الرومانسية الزاعقة، والبلاغة الكلاسيكية، و”الرطرطة الفارغة” بتعبير محمد مندور، وأصّل حضورها في تربة الثقافة العربية؛ إذ كان شغله الشاغل وهمه الأول هو كتابة “قصة مصرية خالصة”، أو “الوصول بها -أي القصة المصرية- إلى ما يؤكد هويتها الخاصة”.

جسارته الإبداعية عبّرت عن نفسها منذ أول مجموعة أصدرها، «أرخص ليالي» (1954)، وجمع ببراعته الأدبية العديد من المتناقضات، يرصدها باقتدار الناقد الراحل غالي شكري؛ إذ أدخل العامية في الفصحى، ومزج بين ذوق النخبة والحس الشعبي، وتعرض للجنس دون أن يسقط في الابتذال، وانتزع أشكاله الفنية من براثن الفطرة.

اقرأ أيضًا: فلور مونتانارو: لا ننوي إنشاء جائزة بوكر للقصة القصيرة

غلاف مجموعة “أرخص ليالي”

مع مطالع الخمسينيات، استهل إدريس رحلته الأدبية، عندما كانت مصر وأرجاء العالم العربي كله حُبلى بالتغيير، حلمها الأبدي هو “النهضة”، المناخ العام هو الذي كان يقود المثقفين المصريين والعرب إلى بلورة الحلم، أن ينهض المجتمع كله، الشعوب العربية بأكملها، وكان إيمان المثقف المصري والعروبي -بحسب شكري عياد- أنه لن يجد نفسه إلا في قلب الشعب، أو الأكثرية منه، ذلك الشعب البائس الذي ينوء بالجهل والمرض والفقر ويصبر على الظلم، حضور هذه الأكثرية كان هناك في أعماق الريف والصعيد وقاع المدينة. في هذا السياق نذر إدريس نفسه لاقتناص إنسانية وخصوصية هذه الأكثرية، بإزميل الفن سجل ملحمته، بطولته الحقيقية دون مبالغة أو تهويل، الصبر على أفدح الكوارث، وقدرة عجيبة وهائلة رغم ذلك على السخرية، والضحك من قاع القلب.

– 3 –

خلال الفترة (1954-1958)، أي خلال 5 سنوات فقط، أعلن يوسف إدريس عن نفسه بقوة وشموخ ورسوخ، ونشر خمس مجموعات لافتة شكلًا وموضوعًا، يعدّها الناقد صبري حافظ وحدة فنية متماسكة من مراحل تطور القصة القصيرة عنده، وفيها استخدم إدريس القصة لتقديم لون من المسح الاجتماعي الرهيف للقضايا الاجتماعية والسياسية التي يجب على النظام الجديد تناولها ومعالجتها. وكان كل وعيه منصبًا على القضايا الاجتماعية والفكرية التي يريد تناولها، أو على تقديم قصة مصرية (وعربية) حقيقية، كما يقرر هو، لقد أفصحت موهبته عن نفسها بتدفق وعنفوان غير مسبوق.

غلاف الجزء الأول من الأعمال القصصية الكاملة ليوسف إدريس

ولكن عالم يوسف إدريس سرعان ما تغير، بعدما اطلع على أعمال أسلافه ومعاصريه وعلى أعمال الأدباء العالميين. فدخلت الكتابة القصصية عنده في مرحلة جديدة بدءًا من مجموعته السادسة «آخر الدنيا» (1961)، التي شكلت مع مجموعاته الثلاث التالية: و«لغة الآي آي» (1965)، «المهزلة الأرضية» (1965)، و«النداهة» (1969)، مرحلة مغايرة في عالمه القصصي؛ يرصد صبري حافظ سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي بدقة “فقد بدَّد مقدم الستينيات تفاؤل بدايات الخمسينيات، وما إن انتهى من هذا العقد الوردي حتى كان جل رفاق يوسف إدريس في الحلم بمستقبل مشرق وراء القضبان بعد القبض على جلِّ مثقفي اليسار وناشطيه عام 1959. واتسمت الستينيات بتناقضاتها الحادة الناجمة عن تخثر الأحلام الوطنية وإخفاقاتها. وسجلت هذه المجموعات الأربع هذا كله من خلال اختلاف عالمها القصصي عن سابقاتها، برغم وجود شيء من الاستمرارية بين المرحلتين. لكن لم يعد الفرد ممثلاً للجماعة بل نقيضًا لها. فقد أصبحت الجماعة الآن أشد تواطؤًا مع الوضع السائد، وأكثر عداء لمحاولة الفرد للتمرد عليه”.

اقرأ أيضًا: رحلة داخل مكتبات العالم

غلاف مجموعة “العتب على النظر”

أما في مجموعاته الأربع الأخيرة «بيت من لحم» (1971)، و«أنا سلطان قانون الوجود» (1978)، و«اقتلها» (1982)، و«العتب على النظر» (1987) فقد تغيرت بنية القصة القصيرة مرة أخرى، وتبدلت معها طبيعة العالم القصصي. وانشغلت القصص باقتناص متغيرات الواقع الاجتماعي في السبعينيات والثمانينيات، والكشف عن منطق تراكم الاستثناءات وإحكامها التدريجي لقبضتها على الواقع حتى تحولت إلى قواعد صارمة ومقبولة، انتفت معها قيم العالم القديم الأخلاقية، واختفى استهجانها لكل ما هو فاسد أو قبيح. وتجسد قصص هذه المجموعات الأخيرة آليات العالم المقلوب الذي تبدلت فيه القيم، واختلت المعايير، واستشرى الفساد، وعجز الفرد عن فهم هذا الانقلاب، ناهيك عن التمرد عليه..

– 4 –

أما المجلد الثالث والأخير من أعماله الكاملة، فيضم أعماله في الرواية، وهو النشاط الذي مارسه يوسف إدريس بموازاة إبداعه القصصي والمسرحي، واستهله بروايته الأولى «قصة حب» التي ظهرت أولاً في مجموعته القصصية الثانية «جمهورية فرحات» (1956)، ثم نشرها منفردة بعد ذلك بعنوان (قصة حب) وهو نفس العنوان الذي ظهرت به في المجموعة. أما أشهر رواياته فهي «الحرام» (1959)، وهي بإجماع النقاد أفضل أعمال يوسف إدريس الروائية، وفيها يسعى إلى فضح مفهوم “الحرام”، السائد في المجتمع. وهو الأمر ذاته أيضًا الذي عالجه بتنويعةٍ أخرى في روايته القصيرة «العيب»، أما روايته «البيضاء» فكانت، ولا زالت، ملهمة لنقاده وقرائه على السواء.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات