الرياضةالواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

الأسطورة والإرث والذكاء تقف وراء العصر الذهبي لريال مدريد

بينما تعتمد الفرق الأخرى على الأنظمة والفلسفات يجمع ريـال مدريد بين الثقة الكبيرة بالنفس والعبقرية المحسوبة

كيوبوست- ترجمات

بارني روناي♦

عندما تحوَّل العالم إلى أطياف من اللون الأبيض عند منتصف الليل في باريس تردد الأغاني والهتافات وتلوح بكأس أبطال أوروبا بكل ثقة بالفوز، كان هنالك شعور بشيء يتكشف، وبسؤال تتم الإجابة عنه.

في إطار التحضيرات لانتصار ريـال مدريد الحاسم في ملعب فرنسا يوم 28 مايو، كان هنالك الكثير من الحديث في إنجلترا حول مزاعم العظمة والتفوق التي نتجت عن نجاحات ليفربول المتتالية على مدى الموسم.

اقرأ أيضاً: هكذا تسلل اليمين الأوروبي المتطرف إلى كرة القدم

بالنسبة إلى فريق يورغن كلوب، فقد استحق المجد عندما صار قاب قوسين أو أدنى من القمة؛ إذ كان على بُعد خطوة واحدة ليحقق موسماً رائعاً ومثالياً. ولكن على الأقل تم حل لغز كبير في باريس. وسواء أكانت العظمة أم لأنه فريق العمر، فإن الفريق الذي سيقضي على أحلام ليفربول كان في ملعب فرنسا في ذلك اليوم. إنه ريـال مدريد.

الأمر الرائع في التفوق هو أنه لا يتكرر كثيراً، ودائماً ما يحدث بالطريقة نفسها. ستصعد إمبراطوريات أخرى وتحتل كراسي القوة والتكتيكات والأنظمة والقدرة المالية؛ ولكن وبكل المقاييس لا يزال هذا زمن ريـال مدريد. وهو زمن يصعب شرحه وفهمه دون التطرق إلى أمور مثل السحر وسلالة اللاعبين العظماء وتاريخهم الحافل بالتألق.

مشجعو ريـال مدريد يستقبلون أبطالهم العائدين من فرنسا- “الغارديان”

ما الحكمة هنا؟ ماذا يعني عصر ريـال مدريد؟ وكيف يمكننا تقليده؟ الجواب الواضح هو أنه لا يمكنك فعل ذلك إلا إذا كنت ريـال مدريد، ولا مكان إلا لريال مدريد واحد هنا. هذه هي عظمة أن تؤمن بأسطورة حقك الإلهي بأن تكون ملكاً. إن مجرد سرد تلك القصة وتكرار القول مرة بعد أخرى بأن ريـال مدريد يعرف كيف يفوز هو مصدر قوة بحد ذاته.

هنالك خواص ملحمية، وربما غير عادية في هذه الانتصارات الخمسة في دوري أبطال أوروبا في ثماني سنوات. تتكرر الملاحم، نفس المشهد، ونفس تفاصيل الحكاية، ونفس النتائج أصبحت جزءاً من السيناريو اليومي لكرة القدم. وكلما روينا قصة الانتصار هذه أصبحت حقيقية أكثر، لدرجة أن كتابة عبارة “كلما روينا هذه القصة” تصبح ملاحظة صغيرة في هذه الملحمة المتجددة بشاعريتها وتكرارها وأبطالها الملحميين وخصائصها الشعرية ونورها الأبيض ونفس الأشكال والأغاني.

كانت هذه الفكرة موجودة في المباراة النهائية نفسها؛ حيث قيل لنا عدة مرات إن فينيسيوس جونيور سيجد مكاناً خلف ترينت أليكساندر أرنولد، حتى أصبح الأمر حقيقة في عقولنا قبل حدوثه. وحتى عندما انطلق فينيسيوس راكضاً بعد ثلاثين دقيقة من بداية المباراة، قبل ثانية من انطلاق التمريرة في اتجاهه واعتراضها، كان من الممكن سماع صوت مدريد بأكملها يهتف لحدث لم يحصل بعد؛ ولكنهم يتنبؤون بحصوله. التكرر الملحمي له مفعول اللاعب الثاني عشر في الفريق على أرض الملعب.

اقرأ أيضاً: تدخلات “فيفا” في كرة القدم الإفريقية تعكس فشل قياداتها

ولكن بالطبع لا بد من أن يتدخل العقل في مرحلة ما. في الواقع الأمر ليس سحراً. وإذا ما استعرضت صناعة الأساطير فستجد أن التفوق الحقيقي هو نوع بسيط من البراعة؛ لم يكن هنالك مخطط تكتيكي، ولا “نظام” ولا أسلوب مدريد. لقد فاز مدريد لأنه عبارة عن مجموعة من لاعبي الكرة البارعين والأذكياء إلى أقصى حد.

وبهذا المعنى كان الحديث عن القدرة على العودة إلى الانتصار دائماً هو مجرد خداع؛ لأن ما يريده لاعبو ريـال مدريد حقاً هو السيطرة. وهذا ما وجدوه في باريس؛ ففي النهاية سدد ليفربول 24 تسديدة على المرمى، كان أربع منها ضمن القوائم، بينما لم يحقق مدريد سوى أربع تسديدات فقط. واستحوذ ليفربول على الكرة أكثر من مدريد وحقق ضربات ركنية أكثر بثلاث مرات من خصمه.

كارلو أنشيلوتي المدير الفني الوحيد الذي فاز بدوري الأبطال 4 مرات- “الغارديان”

مدريد كان دائماً أكثر تركيزاً ودقة؛ فقد أضاع لاعبو الخط الأمامي الثلاثة الكرة ثماني مرات، بينما أضاع محمد صلاح بمفرده الكرة ثماني مرات. وفي وسط الملعب بدا ريـال مدريد أكثر تألقاً. توني كروس لم يجرِ أو يضغط بشدة؛ لكنه نجح في 93% من تمريراته التي بلغ عددها 83 تمريرة. وفقد كروس ولوكا مودريتش السيطرة على الكرة عندما كانت بحوزتهما مرة واحدة خلال المباراة بأكملها. ببساطة، إنها مجموعة متفوقة من اللاعبين، تتمتع ببرودة أعصاب في خط الوسط طوال الوقت، بالإضافة إلى أسلوب اللمسة الخفيفة الدقيقة والمخادعة الخاص بكارلو أنشيلوتي.

وقد تصادف أن لوكا مودريتش لا بد أن يسعد بذكريات جميلة في كل مرة يرى فيها اسم جوردان هندرسون في قائمة اللاعبين. وقد لعب هندرسون أمام لوكا خمس مرات؛ حيث تعادل في واحدة، وخسر أربع مرات؛ بما في ذلك نهائي دوري أبطال أوروبا مرتين ونصف نهائي كأس العالم. علينا أن نكرر ذلك أكثر: ليس السحر أو الإيمان الداخلي هو فقط ما يجعل كروس ومودريتش وكاسيميرو، وهم الذي يشكلون مزيجاً مثالياً من المهارة والجهد والرؤية، أفضل من هندرسون وفابينيو وتياغو الذي فقد لياقته؛ بل هو الأداء الملحمي المستمر منذ ثماني سنوات.

اقرأ أيضاً: المستثمرون العرب في كرة القدم الأوروبية

وبالإضافة إلى ذلك هنالك بالطبع شيء آخر، ربما يكون هو العامل الرئيسي لسنوات المجد الثماني؛ فقد تبين أن نموذج ملكية ريـال مدريد كان بمثابة الورقة الرابحة الذهبية. بالنسبة إلى ريـال مدريد فإن جزءاً من روعة الفوز بدوري أبطال أوروبا هو حقيقة أن الفرق التي هزمها كانت أندية مرشحة للفوز بالبطولة، مشاريع، وتمتلك أموالاً طائلة يقدمها مستثمرون جدد في عالم كرة القدم؛ وناديان منها تملكهما حكومات دول، بينما كان فريق منها يخضع مالكه لعقوبات بسبب حرب على الأراضي الأوروبية.

لاعبو ريـال مدريد لديهم شعور واضح بأنفسهم في هذا النظام العالمي الجديد، وكانوا شرسين بشكل علني، وإلى حد ما استقوا إلهامهم من خطر فقدانهم قوتهم. وسلسلة انتصاراتهم على باريس سان جيرمان وتشيلسي ومانشستر سيتي، تعيد إلى الأذهان نهاية فيلم العراب؛ حيث يقضي مايكل كورليوني على الوجوه الجديدة في المدينة وعلى الوافدين الجدد إلى العائلة بسلسلة من الضربات الدراماتيكية. كلنا يتذكر المشهد الختامي للفيلم: قبِّل الخاتم، فقد عادت “المجموعة المحتكرة” الكارتل إلى القمة من جديد.

يورغن كلوب فخور بهذا الموسم المتميز ويتعهد بعودة ليفربول بقوة- “الغارديان”

والميزة الحقيقية هنا هي أنه عند حدوث التقلبات والتدخلات يكون نموذج الملكية الاجتماعية نوعاً من العزلة، وربما مرتعاً للغرر والسياسة والتعاملات المشبوهة وتسهيلاً للقروض التي لا تنتهي. ربما يكون ريـال مدريد تحت ضغوط اقتصادية، وقد يكون تحت رحمة نفاد أموال الآخرين، ولكن هنالك درجة من التركيز والمصالح المتفرقة. وهذا كله سيكون في نهاية المطاف وفي جميع الأحوال هوساً بكرة القدم.

وقد تم اتخاذ خيارات جيدة عبر السنين. وحتى الفشل في شراء كيليلن مبابي قد يكون أمراً إيجابياً؛ فهو على الأقل متوقف في مكان آخر. ويرجع نجاح ريـال مدريد الأخير إلى عمليات الشراء الذكية، والانتقال إلى ما قبل غالاكتيكو، وشراء نيمار التالي قبل أن يصبج نيمار (شراء النجوم قبل أن يصبحوا نجوماً) وشراء فينيسيوس الذي كان -لحسن الحظ- آلة ربح حية ونظيفة.

ومن ناحية معينة، فإن هذا الفريق العظيم بدأ يتقدم بالسن، وخط الوسط العظيم، المصدر الحقيقي للقوة، على وشك أن يتفكك؛ ولكن مع ذلك لطالما غادر اللاعبون ولم يمت الفريق قط. لا يزال هذا الفريق الملكي الأبيض متماسكاً، وقد تبين أن هذا هو ما يبدو عليه التفوق.

♦كبير المراسلين الرياضيين في صحيفة “الغارديان”

المصدر: ذا غارديان

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة