اسرائيلياتالواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الأسباب الاجتماعية لغضب يهود الفلاشا في إسرائيل

كيوبوست

عاد يهود “الفلاشا” يوم الإثنين الماضي إلى التظاهر في إسرائيل، بعد الإفراج عن الشرطي قاتل الشاب اليهودي من أصول إثيوبية، سولومون تاكا (19 عامًا)، قبل أسبوعَين. وجاء قرار الإفراج بطلب من وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحاش)؛ إذ فرضت المحكمة تقييدات مشددة على الشرطي؛ منها الحبس المنزلي ومنع الاتصال والتواصل مع جهات ذات علاقة بملف التحقيق، وهو ما استفز مشاعر اليهود الأفارقة أكثر.

وكان المجتمع الإسرائيلي قد شهد موجةً من مظاهرات اليهود من أصول إثيوبية جنوب تل أبيب وعدد من المدن الأخرى، بعد مقتل الشاب سولومون تاكا، وهو يهودي إثيوبي (فلاشا) من مدينة حيفا في شمال إسرائيل، وقُتل برصاص شرطي إسرائيلي خارج الخدمة، ادَّعى أنه ألقى نحوه حجرًا هدَّد حياته خلال شجار في حديقة عامة. وكشفت تلك المظاهرات عن حجم الغضب المكتوم لدى اليهود الإثيوبيين (الفلاشا) في إسرائيل، وعن تجذُّر العنصرية في المجتمع الإسرائيلي الذي لم يستطع تقبُّل أو دمج الأفارقة اليهود (الفلاشا) في المجتمع بشكل صحي، والذين يبلغ عددهم نحو 150 ألفًا، موزعين على 19 بلدة، ويعيشون في أحياء فقيرة ومهملة، ويعانون البطالة وانخفاضًا كبيرًا في مستوى المعيشة؛ حتى إن نسبة المعتقلين الجنائيين في صفوفهم تبلغ 40٪.

اقرأ أيضًا: مواجهات حادة بين الشرطة ويهود “الفلاشا” في إسرائيل بسبب مقتل مراهق من أصول إثيوبية

ليست الأولى ولن تكون الأخيرة

هذه المظاهرات لم تكن الأولى، فقد سبق أن تظاهر يهود “الفلاشا” في العاشر من يناير 2012، عندما اقتحم نحو 3 آلاف إسرائيلي (من الفلاشا) مقر الكنيست؛ اعتراضًا على العنصرية ضدهم، بعد الكشف عن رفض تجمعات لليهود البيض جنوب إسرائيل بيع أو تأجير بيوت لليهود الإثيوبيين.

ورفع المتظاهرون شعارات، قالوا فيها: “دمنا الأحمر يصلح فقط للحروب”، و”وجوهنا سوداء ولكن قلوبنا بيضاء، وأنتم وجوهكم بيضاء ولكن قلوبكم سوداء”، و”نتنياهو.. متى ستستنكر العنصرية؟!”.

ثم شهدت تل أبيب عام 2015 اضطرابات مشابهة عندما تظاهر يهود “الفلاشا”؛ اعتراضًا على التمييز العنصري ضد جندي من اليهود الإثيوبيين، اسمه داماس باكادا، كان بصدد دفع دراجته الهوائية على الرصيف عندما اعترض طريقه شرطيان إسرائيليان انهالا عليه بالضرب المبرح قبل أن يعتقلاه.

اقرأ أيضًا: أمهات “الفلاشا” يقُدن تظاهرات في إسرائيل ضد التمييز العنصري  

هل “الفلاشا” يهود؟

تتزايد الروايات حول جذور اليهود الإثيوبيين الذين يسمون أنفسهم “بيتا إسرائيل” (بيت إسرائيل)، ويقولون إن أصولهم ترجع إلى النبي سليمان وملكة سبأ بلقيس.

واعترف الحاخام الأكبر السابق لليهود الشرقيين (السفارديم) في إسرائيل، يوسف عوفاديا، بيهودية “الفلاشا” في عام 1973، بإعلانهم قبيلة من سلالة سبط “دان”؛ لكن هناك طوائف يهودية لا تعترف بهم، ولا تعطيهم الحق في الدفن وَفق الشريعة اليهودية ولا في المقابر اليهودية.

لهذا بذلت إسرائيل جهودًا كبيرة لنقل اليهود الإثيوبيين سرًّا من بلادهم خلال سنوات المجاعة التي ضربت القارة الأفريقية، وقد وصل أغلبهم في إطار عملية “موسى” عامَي 1984 و1987، وعملية “سليمان” عام 1991، ونقل الآلاف منهم سرًّا عبر السودان بتنسيق مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد).

معاناة الإثيوبيين في إسرائيل

يعاني يهود الفلاشا صعوبة التواصل في المجتمع الإسرائيلي، وعدد الإسرائيليين من أصل إثيوبي يبلغ قرابة 2% من إجمالي التعداد السكاني لإسرائيل. ولد أكثر من 85 ألفًا منهم في إثيوبيا ومازالوا لا يتقنون اللغة العبرية ولم يتمكنوا من التأقلم مع المجتمع على الرغم من برامج الاندماج التي أطلقتها الحكومة، وهذا حسب مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل عام 2017.

ووَفق الدراسة التي أعدَّها عامر خليل عامر، بعنوان “السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا.. السودان نموذجًا”، فإن غالبية يهود “الفلاشا” تزاول أعمالًا منخفضة الأجور لا تحتاج إلى تأهيل علمي؛ مثل النظافة والعمل بقطاع الأغذية.

يحصل 55.4% فقط من طلاب المدرسة المنحدرين من إثيوبيا على الشهادة الثانوية، ينال 39% منهم الشروط اللازمة للالتحاق بالجامعات.

مواطنون من “الدرجة الثانية”

ويتهم الإثيوبيون الإسرائيليين “البيض” بممارسة “التمييز العنصري النظامي الممنهج” في حقهم وحرمانهم من حقوقهم الشرعية، برغم أن إسرائيل تقدِّم نفسها بأنها تسترشد بقيم الديمقراطية والتعددية والمساواة! ويرى الإثيوبيون أن الشرطة تتعامل معهم بالعنف التعسفي وتستخدم القوة المفرطة ضدهم.

دكتور أحمد فؤاد أنور

وعن تجدُّد مظاهرات يهود “الفلاشا”، أدلى دكتور أحمد فؤاد أنور، أستاذ العبري الحديث والفكر الصهيوني بجامعة الإسكندرية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، بتصريح إلى “كيوبوست”، قائلًا: “إن مظاهرات يهود (الفلاشا) في المجتمع الإسرائيلي تعبر عن احتقان وغضب مكتوم داخل المجتمع الإسرائيلي؛ خصوصًا أن الشرطة الإسرائيلية صنَّفت هذه المظاهرات على أنها أعمال عنف، ومن حقها قمعها واستخدام القوة”.

وأضاف أنور أن الدعاوى التي صاحبت قدوم يهود “الفلاشا” والتبشير بأرض الميعاد، تلاشت بعد القدوم إلى إسرائيل؛ فقد اكتشف الإثيوبيون أن المجتمع اليهودي لا يعترف بيهوديتهم من الأساس، لهذا هم في نظر مؤسسات الدولة الإسرائيلية مواطنون إسرائيليون لكنهم ليسوا يهودًا؛ مما يحرمهم من امتيازات متعددة، منها حق الوفاة والزواج؛ فالإثيوبيون ممنوعون من الزواج باليهوديات من الطوائف الأخرى، وممنوعون من بعض المناصب في الدولة؛ فضلًا عن أن “الفلاشا” ينظر إليهم على أنهم أقل اجتماعيًّا وثقافيًّا من اليهود الغربيين، وقد تسرَّب إلى الإثيوبيين أنهم موجودون فقط للموت في الحروب مع العرب بدلًا من اليهود الآخرين؛ وهو ما أغضبهم بشدة، ولعل هذه المظاهرات تشهد لأول مرة رفع شعار “اذبح اليهود”.

وتابع أستاذ العبري الحديث والفكر الصهيوني بأن هذه المظاهرات مرشحة للتزايد وانضمام طوائف جديدة إليها؛ مثل اليساريين و”عرب 48″ وبعض الطوائف المحرومة اجتماعيًّا، كما حدث في ثورة الخيام. وعلى الرغم من جهود الدولة للتهدئة؛ فإن الأمر مرشح للتصعيد، وربما يستخدم المتظاهرون أساليب غير مسبوقة في تطوير عمليات التظاهر، إن لم تتمكن الدولة من تفريغ شحنات الغضب التي وصلت إلى مستوى أكبر بكثير من الفترات السابقة.

وأكد أنور أن العنصرية هي أساس المجتمع الإسرائيلي، ويصعب تخليه عن فكرة التفوُّق النوعي والعنصري لصالح المساواة المجتمعية؛ حتى إن هناك مَن يتهم المتعاطفين مع اليهود الإثيوبيين بأنهم ممولون من الخارج وأنهم يعملون لهدم الدولة الإسرائيلية أو أنهم من اليسار العلماني.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة