الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

الأزمات الداخلية في السلطة الفلسطينية وإسرائيل تنعكس على المواجهات العسكرية

كيوبوست

بعد أيامٍ من الاشتباكات في محيط المسجد الأقصى، وتصاعد الاشتباكات بحي الشيخ جراح في القدس، على خلفية إجلاء سكان فلسطينيين من الحي، اتسعت دائرة الاشتباكات لتشمل تصعيداً متبادلاً بين إسرائيل والفلسطينيين، في وقتٍ قصفت فيه حركة حماس مدناً إسرائيلية عديدة، وردت تل أبيب باستهداف مواقع وقيادات حمساوية في القطاع خلال الأيام الماضية، وسط فشل مفاوضات التهدئة حتى الآن.

تطورات مؤسفة

التطورات على الأرض مؤسفة للغاية، حسب الدكتور نير بومز؛ الزميل والباحث في مركز موشيه دايان بجامعة تل أبيب، الذي يؤكد، في تعليقٍ لـ”كيوبوست”، أنه على الرغم من وجود تاريخ لبعض أعمال الشغب والعنف؛ فإن العنف هذه المرة بدأ من الداخل، وليس من الخارج، وهدد المدنيين في إسرائيل، لافتاً إلى أن جزءاً من الأزمة ارتبط بمسألة إلغاء أو إرجاء الانتخابات الفلسطينية.

أطلقت “حماس” وحلفاؤها صواريخ عديدة على إسرائيل- وكالات

في مقالٍ تحليلي بصحيفة “هآرتس” تتحدث الصحفية الإسرائيلية عميرة حاس، عما وصفته بـ”الغباء” الذي أدى إلى تصعيد الموقف في “الشيخ جراح”؛ خصوصاً في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، بجانب الإجراءات التي تم اتخاذها تجاه المسلمين في القدس، منتقدةً استفزازات الشرطة الإسرائيلية التي منحت فرصة للجماعات الإسلامية المتطرفة بتصعيد الموقف.

الأوضاع في فلسطين مزيجٌ سام من عدة عوامل؛ تتداخل فيه أحداث متواصلة؛ مثل قضية منطقة الشيخ جراح، حسب محمد بهارون، مدير مركز دبي لبحوث السياسات العامة، الذي يؤكد أن قضية منازل “الشيخ جراح” مستمرة من عدة سنوات، ومعروضة على القضاء، وبها جوانب مختلفة قانونية وإنسانية؛ ولكنها أيضاً جزء أساسي من طروحات القدس الشرقية، وتفاهمات حل الدولتَين، وبالتالي رمزيتها السياسية أعلى إذا لم توازِ جوانبها القانونية.

اقرأ أيضًا: لا سلام في الشرق الأوسط من دون حل المسألة الفلسطينية

محمد بهارون

وأضاف بهارون أن المجموعات اليهودية المتشددة، وهي منبوذة حتى من قِبل أطياف مختلفة في إسرائيل، وضعت تجمعات العشرة الأواخر في رمضان مع تجمعات جبل ميرون، وحاولت استغلال قضية “الشيخ جراح”، وللأسف لم تجد الردع من الداخل، كما أن عناصر الشرطة الإسرائيلية تصرفت بشكل قاسٍ جداً بما ينتهك حرمة الأقصى الشريف وحرمة العبادات، وهو خطأ يعترف به المسؤولون، ولكن هناك حاجة إلى ما هو أبعد من مجرد الاعتراف بالخطأ نتيجة ما حدث.

استفادة المتشددين

يلفت بهارون إلى أن الأوضاع السياسية الداخلية في إسرائيل، وعدم تشكيل الحكومة، ومحاولة الاستقطاب السياسي المستمر ما بعد الانتخابات، جعلت ردود الأفعال العنيفة تتحول إلى عملية سياسية مهمة في الوقت الراهن، مشيراً إلى أنه مع وجود نية لإجراء انتخابات فلسطينية، فإن جماعات مثل “حماس” تحاول مدَّ نفوذها السياسي داخل الضفة الغربية، وبالتالي استخدام قضية منطقة “الشيخ جراح”، والانتهاكات الإسرائيلية في الأقصى الشريف، كذريعةٍ لإعادة تقديم نفسها كمدافع عن القضية، وحامل لواء المقاومة المسلحة.

تحاول أطراف عدة تهدئة الأوضاع- وكالات

وحمَّلت صحيفة “هآرتس” رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مسؤولية ما جرى من تصعيد، محذرةً من بوادر انتفاضة على غرار ما حدث عام 2000، معتبرةً أن ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكم أخطاء؛ آخرها القرارات التي اتُّخذت في القدس خلال الأيام الماضية، بما يحتم ضرورة الإسراع باستبدال رئيس الوزراء أكثر من أي وقتٍ مضى.

إياد رابعة

اضطر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى التصعيد بالقدس في الأيام الماضية؛ في محاولة للخروج من المأزق السياسي الذي يعيشه في ما يتعلق بالانتخابات، حسب الباحث في علم الاجتماع السياسي د.إياد رابعة، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن قرار مصادرة بيوت “الشيخ جراح” بالقدس، وما تبعه من أحداث؛ سواء في القدس أو الضفة الغربية أو حتى قطاع غزة، سيجعلان مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي على المحك.

مسؤولية نتنياهو والسلطة

لا يمكن فصل ما يحدث عن عدة أمور، حسب مدير مركز المساواة والمجتمع المشترك في إسرائيل، محمد دراوشة، الذي يرى، في تعليقٍ لـ”كيوبوست”، أن الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل أحد أسبابها، في ظل عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي على تأجيج الموقف بالساحة الأمنية؛ لخلق توترات وتجاذبات بين مركبات الحكومة البديلة، التي قد تطيح فيه بعدما تم تكليف يائير لابيد، ونفتالي بينيت، بتشكيلها قبل أسبوع، من خلال العمل على افتعال أزماتٍ وزرع الشقاق بينها.

محمد دراوشة

تؤيد هذا الرأي النائبة في المجلس التشريعي الفلسطيني د.نجاة أبو بكر، التي تؤكد لـ”كيوبوست”، أن نتنياهو عندما يفشل في الداخل يقرر التحرك عسكرياً وإطلاق الرصاص؛ وهو ما حدث في الحروب السابقة التي خاضها، سواء على غزة أو لبنان أو حتى إثارة الأوضاع بشأن المقدسات، كما فعل في الأيام الماضية، مع فشله في تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة للكنيست.

تؤكد أبو بكر تأثُّر السياسيين في إسرائيل بضغوط قادة المستوطنين الذين يفتقدون الروح السياسية، مشيرة إلى أن هناك دائرة للانتقام قد بدأت بسبب الممارسات الإسرائيلية التي تقضي على أي شعور بالأمان والاحترام، وفجرت غضباً شعبياً لن تتمكن حتى السلطة من إيقافه؛ لأن المواطن الفلسطيني لن يلتزم بما تقوله، فهي لم تعد قادرة على حمايته، وبالتالي فلن يستمع إلى تعليماتها.

استهدف الطيران الإسرائيلي مواقع عدة في غزة- وكالات

تحركات “حماس”

في مقاله التحليلي بصحيفة “جيروزاليم بوست”، يقول الصحفي الإسرائيلي يعقوب كاتس: إن محاولة تصوير التصعيد العسكري باعتباره نتيجة سياسات نتنياهو في القدس، أمر تقوم حركة حماس بالترويج له باعتباره يخدم مصالحها المتمثلة في الهجوم على إسرائيل ومحاولة إضعافها؛ وهو ما جرى بالفعل عبر إطلاق الصواريخ، بما يمثل استمرار الاستراتيجية المتبعة منذ تأسيس الحركة، ويخدم استمرار جولات العنف؛ وهو ما يؤيده الناشط الفلسطيني باسم عيد، الذي يتهم “حماس” بعدم إضاعة فرصة التصعيد العسكري، من أجل زيادة نفوذها السياسي والعسكري، مستغلةً ما حدث في “الشيخ جراح” خلال الأيام الماضية، حسب ما ذكره في مقاله بصحيفة “تايم أوف إسرائيل“.

اقرأ أيضاً: كيف ينظر الفلسطينيون والإسرائيليون لحل الدولتين؟

يؤكد محمد بهارون أن كل الأحداث السابقة، وردود الفعل الإسرائيلية، قد تفتح الباب أمام تدهور أمني كبير في فلسطين لن يفيد السلام، وسيعيد إحياء فكرة المواجهات المسلحة كلغةٍ وحيدة للتفاهم؛ وهو ما سيهدم العدد البسيط من الجسور التي تم بناؤها في السابق، مشدداً على أن المستفيد الوحيد من هذه الحوادث هو توحش الصراع الذي سيُعيدنا سياسياً وإنسانياً عدة مربعات إلى الوراء.

فشل محاولات التهدئة في وقف إطلاق النار- وكالات

أجندة عمل

يعتقد نير بومز أن الانقسام الفلسطيني يعرقل استئناف أي مفاوضاتٍ خاصة، وأن الأطراف الفلسطينية لم تستطع تجاوز انقساماتها، على الرغم من العروض التي قدمتها إسرائيل في الماضي، وما قد تقدمه في المستقبل، والذي سيكون التقدم فيه رهن إيجاد الشريك المناسب على طاولة المفاوضات.

نير بومز

وحذَّر نير بوم من ترك المسألة في أيدي المتطرفين ليكونوا صناع القرار، مؤكداً ضرورة التفكير بشكل مختلف، وإيجاد طرقٍ لوقف العنف وحماية المقدسات، ووقف استهداف المدنيين.

وشدد نير بوم على أهمية التعامل وَفق أجندة عمل مشتركة تحقق مطالب الجانبَين، وتضمن سلامة المدنيين، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية عندما انسحبت من غزة، قيل إن إنهاء الاحتلال سيجعل منها مدينة تشبه سنغافورة؛ لكن ما حدث بعد ذلك من انقسامٍ سياسي واختطافٍ لقطاع غزة، وبدلاً من إنشاء مشروعات، أصبحت مكاناً تجري فيه صناعةُ الصواريخ، ويُستهدف منه المدنيون في إسرائيل.

دمرت إسرائيل مباني عدة في غارات جوية على قطاع غزة- وكالات

يشير دراوشة إلى أزمة السلطة الفلسطينية، بعد أن عرضت الولايات المتحدة في ظلِّ الإدارة السابقة صفقة القرن؛ حيث تجد السلطة نفسها مجبرة على إعادة ترتيب الأوراق لاجتذاب أنظار الإدارة الأمريكية الجديدة؛ لتقديم مبادرة سياسية جديدة تعطي الفلسطينيين أفقاً سياسياً، لافتاً إلى أن الوضع الفلسطيني الميداني حيث ضربت بهم أزمة “كورونا” اقتصادياً، ودفع الكثير منهم ثمناً باهظاً، ولا يرون وسيلة للخروج من أزمتهم؛ مما خلق لديهم قابلية للاندفاع إلى مواجهاتٍ بسرعة.

يحذر إياد رابعة من أن الأحداث الحالية قد تتطور إلى انتفاضة شاملة تختلف عن سابقاتها، فتمتد إلى الداخل الفلسطيني؛ الأمر الذي لا يمكن إيقافه إلا باتفاقٍ سياسي يصحح مسار المفاوضات الشاملة منذ عقدين، مؤكداً أن ما يحدث من تطورات قد يضطر الفرقاء السياسيين إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية من أجل مواجهة التحديات والظروف الجديدة التي فُرضت على أرض الواقع.

يرى دراوشة أن المستفيد الوحيد من التصعيد سيكون نتنياهو الراغب في التمسك بكرسي الحكم، وبن جفير وأصحابه المستوطنين الراغبين في تعزيز سلطة الاحتلال، متوقعاً أن يدفع نتنياهو بالجيش الإسرائيلي لتوسيع دائرة عملياته لتشمل غزة، رغم معارضة وزير الدفاع بيني غانتس؛ لمعرفته نيات نتنياهو من التصعيد العسكري، لكن في الوقت نفسه سيعمل الجيش على توجيه ضربات إلى “حماس”؛ من أجل تعزيز عامل الردع مستقبلاً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة