الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

الأحواز… وجود عربي أصيل ومقاومة عمرها مئة عام

كيوبوست

شهدت إيران، منذ بداية شهر مايو الماضي، حالة سخط متجددة في عدة مناطق من إقليم الأحواز، ذات الأغلبية العربية. وكانت الشرارة هذه المرّة؛ احتجاجات على غلاء الأسعار، فيما اندلعت احتجاجاتٌ أخرى في مدينة “عبادان” في الإقليم منذ بضعة أيام، على إثر انهيار مبنى متروبول المؤلف من 10 طوابق، ما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص، في واقعةٍ يُلقى فيها باللوم على الفساد، وعدم مراعاة قواعد السلامة.

من جانبها، واجهتِ الشرطة الإيرانية غضب السكّان بالعنف، عبر إطلاق النار والغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين. وردًا على الاحتجاجات الأخيرة بالأحواز، وكالعادة المتبعة دائمًا في السياسة الإيرانية الداخلية، أحال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، مسؤولية ما يحدث إلى جهاتٍ خارجية، وقامت السلطات بقطع الإنترنت، للتغطية على القمع، فيما ظلّت الاحتجاجات تتسع بالموازاة مع تصاعد القمع.

مبنى “متروبول” المنهار في مدينة “عبادان”- AFP

بداية المعاناة

ما تمر به الأحواز حالياً ليس وليد اليوم، إنما هو امتداد لبذرة المعاناة التي بدأت منذ احتلال إيران لإمارة عربستان (الأهواز أو الأحواز، وحالياً خوزستان) الواقعة على ضفتي نهر “كارون”، بعد إسقاط آخر أمرائها العرب “خزعل الكعبي” عام 1925م، على يد شاه بلاد فارس حينها، رضا خان، الذي أسر الكعبي، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، وجرده من ممتلكاته، وقتله عام 1937م بالتواطؤ مع بريطانيا.

ولكن بداية الأطماع الفارسية بالأحواز التي غيّر شاه إيران، رضا بهلوي، اسمها من عربستان إلى محافظة “خوزستان” وعاصمتها الأهواز، كانت بعد اكتشاف النفط فيها في مدينة مسجد سليمان، وذلك عام 1908م، وإنشاء أكبر مصفاة للنفط في مدينة عبادان عام 1913م، وساعد التحالف الفارسي-البريطاني في تلك المرحلة، القائم لمواجهة روسيا القيصرية التي سيطرت على مناطق واسعة من أذربيجان، وكانت تسعى للسيطرة على إيران من أجل الوصول إلى الخليج العربي، في إسقاط الإمارة العربية، علماً بأن الكعبي كان حليفًا لبريطانيا لكنها تخلّت عنه.

النفط يتدفق من أحد الآبار الأولى التي تم حفرها في مدينة مسجد سليمان في الأحواز عام 1908م- Getty Images

وبعد سقوط الإمارة العربية، الواقعة جنوب غرب إيران، وشمال الخليج العربي، تعرض السكان هناك، لاضطهاد وقمع مستمرين منذ ذلك الحين، ومحاولة لطمس هويتهم العربية بشكلٍ ممنهج من قبل الدولة الإيرانية وتفريسهم (عملية تغيير ثقافي نحو الفارسية) بالعهدين البهلوي والآيات، فقد عملت الدولة على تشويه ديموغرافية المنطقة على مدار 100 عام، عبر تشجيع إيرانيين من أصول فارسية على الانتقال إلى الإقليم، ومنع سكان الإقليم العرب من شغل المناصب الأساسية فيه، كما عمدت إلى تغير أسماء المدن والمعالم، ومنعت الزي الشعبي والتعليم باللغة العربية، وفرضت اللغة الفارسية.

أما على الصعيد اللوجستي، فقد غيّرت الدولة في زمن الحكم الديني، مسارات الأنهار عبر بناء مئات السدود، لتحويل مياهها إلى مدن فارسية، ما أدى إلى مشاكل بيئية عاني منها سكان الإقليم، وكان حرمان الأحواز من المياه سبب اندلاع الاحتجاجات خلال عام 2021م.

سد “جوتفاند” المقام على نهر كارون، والذي أدى إلى مشاكل بيئية في الأحواز

الوجود العربي في الأحواز

الوجود العربي في إقليم الأحواز أصيل، فهو لا يرجع للقرن السابع حينما فتح العرب المنطقة، التي كانت آنذاك منطقة حدودية بين الإمبراطوريتين الرومانية البيزنطية والساسانية، إنما إلى أبعد من ذلك؛ عندما قدمت قبائل عربية إلى الأحواز، من العراق والجزيرة العربية.

وأطلق العرب عليه اسم الأحواز، وتفيد إحدى الروايات المفسرة لسبب التسمية، أن “أحواز” هي جمع كلمة “حوز”، وهي مصدر للفعل “حاز”. ووصف المؤرخون العرب إقليم الأحواز في القرن الثاني عشر، بأنه مركز منطقة كبيرة لزراعة قصب السكر والأرز، وتتم سقايتهما بواسطة نظام قنواتٍ كبيرة من سدٍّ تم بناؤه عند نهر على صخور صلبة.

اقرأ أيضًا: عرب “الأحواز” يعانون اضطهاد النظام “الفارسي” وإهماله

فيما اعترفت كل من الدولة الصفوية والعثمانية بالإمارة العربية رسميًا في القرن السادس عشر، ضمن ما عُرف حينها بالإمارة “المشعشعية”، لينتقل الحكم في القرن الثامن عشر إلى قبيلة الكعبي. وتُعتبر منطقة الأحواز غنية جداً بمكوناتها الثقافية نظراً لتاريخها الممتد من 6000 عام ق.م، عندما استقر شعب من أصولٍ سومرية فيها. كما تشكلت فيها المملكة العيلامية وعاصمتها “السوس” حوالي 3200 ق.م، ثم شهدت بعدها مسلسلاً طويلاً من الغزوات، ومرَّ عليها عدة شعوب وأقوام.

المعبد العيلامي “جغا زنبيل” في الأحواز- Getty Images

ويتمز سكان الأحواز، الذين يبلغ عددهم حوالي 8 ملايين نسمة، بكرمهم وحسن ضيافتهم، وتنتشر عدة لغات ولهجات في الإقليم، أولها الفارسية، ثم العربية، يليها البختيارية، ويعمل بعض السكان في الزراعة، نظراً لأن بعض أراضي الإقليم ظلّت صالحة للزراعة، برغم تغيير مجاري الأنهار.

اقرأ أيضًا: تظاهرات الأحواز تزعج النظام في إيران.. فكيف سيتعامل معها؟

كما يمتلك الأحوازيون مطبخاً شعبياً يتميز بالمأكولات البحرية بالدرجة الأولى، مثل طبق “غاليه ماهي”، وهو طبق سمك محضّر بالتوابل الثقيلة والبصل والكزبرة. ومن الأكلات الشعبية المنتشرة هناك؛ “الكوبة” وهي أقراص أرز مقلية ومحشوة باللحم المفروم والتوابل العربية، وهي تشبه إلى حد كبير الكبة الشامية.

فيما خرّجت الأحواز العديدَ من العلماء والشعراء، بما في ذلك الشاعر أبو نواس.

محاولات للتحرر

بعد احتلال الأحواز من قبل إيران، ظهرت المقاومة، التي خاضت عدة ثورات ضد الاحتلال الإيراني جاء أولها عقب إسقاط خزعل الكعبي عام 1925م، فيما واصل الأحوازيون نضالهم السلمي، من أجل الحصول على الحق في تقرير المصير، إلا أن تحركاتهم كانت تُقابل بالقمع والتجاهل.

علم الأحواز- Semedxudai

ومن ضمن المحاولات التي خاضها الأحوازيون -منذ عقود- لنيل حقوقهم، ولفت الأنظار لقضيتهم، أن دعموا ثورة الخميني عام 1979م، متوسمين بأن تنصفهم، إذ خرجوا في مظاهرات تمكنت من وقف الإنتاج النفطي فيها آنذاك، في ظل تواصل كان قائماً بين الشيخ الخاقاني القائد الروحي للأحواز، وقائد الثورة الخميني قبل قدومه إلى إيران.

إلا أن نتائج دعم الثورة الإيرانية كانت مخيبة للآمال، فقد تعرَّض عددُ من الأحوازيين للاعتقال والإعدام والنفي، لكون الدولة التي سعَت لتحقيقها الثورة الإيرانية تقوم على الإقصاء، ولا تقبل التعدد، لكن بالمقابل أُعطي أهالي الإقليم بعض الحقوق، كالتمثيل النقابي، وبعض الحريات الفردية.

ومن ضمن المآسي التي عايشها الأحوازيون كانت الحرب العراقية-الإيرانية، فبسبب موقعها بالقرب من الحدود مع العراق، تعرضت الأحواز لقصفٍ شديد خلال الحرب، أفضى لمقتل أعداد كبيرة من الأحوازيين، وتدمير العديد من القرى والبنية التحتية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة