الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

الأحداث الشوارد في التاريخ

د.عبدالرحمن الشقير♦

تتعرض المجتمعات إلى حوادث غير متوقعة، ويصعب تكرارها، ولا يمكن تحولها إلى ظاهرة لأنها حالة فريدة، ومن أبرز سماتها أن تكون غير متوقعة ولا متكررة وشديدة التأثير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني، إلى درجة أن تكون الحياة بعدها ليست كالحياة قبلها، ويبقى أثرها مدة طويلة، وتُسمى هذه الحالة “الأحداث الشوارد” Wild Cards. ومن أبرز الأمثلة الحية للأحداث الشوارد: أحداث 11 سبتمبر 2001، وسقوط بغداد 2003، وجائحة كورونا (كوفيد- 19).

ويعد مفهوم “الأحداث الشوارد” من المفاهيم الجديدة في العلوم السياسية، وسبق أن كتبت عنه مقالة في العلوم الأمنية، ثم وجدت أنه يمكن أن يكون مناسباً للاستعانة به في أحداث شوارد في التاريخ؛ وذلك لأن التاريخ مليء بالخبرات العربية والإسلامية، ولكنها أُقصيت من الواقع بسبب دراساتها بوصفها سرديات غائية، وأحداثاً تخص الزمان والمكان الذي وقعت فيه غالباً، وتداخل فيها سرد المؤرخ برأيه وانطباعاته حتى صار الباحثون يتداولونها بوصفها حقائق تاريخية.

تأتي هذه الورقة للتنبيه إلى أهمية الاستعانة بمفاهيم العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ بل والعلوم الطبيعية في دراسات التاريخ، كما هي الحال مع علم الاجتماع الذي استطاع أن يفسر كثيراً من الظواهر الاجتماعية من نظريات البيولوجيا والفيزياء والكهرباء.. وغيرها. مع تقديم نماذج للأحداث الشوارد، ونماذج للأحداث التي تعد فاصلة في تاريخ الإسلام؛ ولكنها ليست شوارد.

اقرأ أيضًا: جائحة كورونا ستسرع من وتيرة التاريخ أكثر من إعادة تشكيله

ما الأحداث الشوارد؟

يعرف “معهد كوبنهاجن للدراسات المستقبلية” الشوارد الأمنية بأنها: حدث مستقبلي ومن الصعب وقوعه؛ ولكنه إذا وقع يكون له تأثير كبير على الواقع والمستقبل.

وتوجد مجموعة شروط ينبغي أن تتوافر في الحدث التاريخي حتى يصنف ضمن الأحداث الشوارد؛ مثل: ألا يتكرر الحدث، أو يتكرر نادراً وعبر أجيال، وذلك لأن تكرار الحالات سوف يحولها إلى ظاهرة مستقرة في المجتمع. وألا يكون متوقعاً من قِبل الخبراء وعلماء المستقبليات؛ بمعنى ألا يوجد مؤشرات تدل على قرب وقوعه، وأن يكون له تأثير كبير على المجتمع. وبالتالي فإن الشوارد الأمنية أو الأحداث الشوارد قليلة تاريخياً؛ ولكن رصدها يمثل فرصة كبيرة لإعادة فهم الواقع.

وتوجد قوائم حصرية للأحداث الشوارد جديرة بالاهتمام؛ من أشهرها قائمة بيترسون مؤلف كتاب “الأحداث الشوارد غير المتوقعة” (1997)، وقد رصد فيها (78) حدثاً شارداً، وقائمة شتاين مولر في كتاب “مستقبل الأحداث الشوارد” (2003) ورصد فيها (55) حدثاً شارداً؛ وذلك بهدف حصرها والتوصل إلى تعريف شامل ودقيق، وبناء مقياس للتنبؤ بالمتشابهات التي قد تحدث مستقبلاً، وتساعد على بناء تخيلات غير واقعية ولكنها مستمدة من جذور واقعية، ثم استخدامها في دعم اتخاذ القرار ورسم السياسات.

من محاذير الأحداث الشوارد أنها صعبة الرصد، وصعوبة الاتفاق على ما هو حدث شارد، وذلك نظراً لحداثة المفهوم وندرة الأدبيات حوله، ولخضوعه التام للقدرة على تحديد الأثر وإثبات الندرة، وبالتالي تكون الصعوبة أكثر في الأحداث الشوارد في التاريخ، ويمكن التغلب عليها بتكثيف الدراسات حولها.

الأحداث الشوارد في التاريخ

يلحظ أن مفهوم “الأحداث الشوارد” جديد ويركز على رصد الأحداث الشوارد المعاصرة، ومن المهم تتبع الظاهرة تاريخياً من أجل فحص صلابة المفهوم، وإضافة العنصر التاريخي هو ما يميز هذه الورقة، والميزة الثانية لهذا الموضوع أنه مستعار من مفاهيم العلوم السياسة الحديثة، وليس من نظريات ومفاهيم علم التاريخ، كما تقع الأحداث الشوارد التاريخية في سياق إعادة دراسة التاريخ وتفكيك أحداثه وإعادة تركيبها بتقسيم مختلف؛ مما يسهم في ابتكار منهج بحثي جديد.

سوف يسهم سجل الأحداث الشوارد في التاريخ في مراجعة كثير من أحداث التاريخ الإسلامي والعربي، وفصل الجوانب المثيرة والبارزة في الحدث عن الجوانب التي تسببت فيه أو نتجت عنه، وذلك لأن المؤرخ يتأثر دون أن يشعر برصد الجوانب المثيرة ولا يعنى كثيراً بعمق الحدث، وسيأتي أمثلة.

الأحداث الشوارد في التاريخ.. نماذج

حاولت تتبع نماذج من الأحداث الشوارد في التاريخ العربي والإسلامي عبر أزمنة مختلفة ومناطق عديدة؛ بهدف لفت الانتباه إلى أهمية الموضوع، والثيمة الجامعة بينها أنها أحداث شوارد، من خلال تحديد الحدث، والتعريف الموجز له، وتحديد المعايير والمؤشرات التي تصنفه حدثاً شارداً، والتعرف على تأثيره السياسي والاجتماعي والاقتصادي في ما بعد، ويلحظ أني لم أشر إلا إلى المعلومات المتداولة في المصادر الرئيسية، والمتفق عليها في كل حادثة أعدها من الشوارد، واستبعدت الدخول في التفاصيل أو المختلف فيه من أجل إيصال فكرة مفهوم الأحداث الشوارد في التاريخ دون لبس، وذلك كما يلي:

انهيار سد مأرب

يرتبط تاريخ سد مأرب بحضارة سبأ اليمنية التي اشتهر منها الملكة بلقيس، ويرجع تاريخ بناء السد الشهير إلى الألف الأولى قبل الميلاد، ويقع في مدينة مأرب اليمنية، وقد شيدته قبيلة سبأ، ويصنف ضمن أحد أهم المعالم العمرانية في التاريخ البشري، وذلك لأنه يغذي جماعات قبيلة تقع على مساحة كبيرة من الأراضي المحيطة به.

وقد اشتهر سد مأرب بتهدمه أكثر من شهرته ببنائه، وقد أشار إليه القرآن الكريم بقوله: “لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل”.

سد مأرب – أرشيف

تسبب انهيار سد مأرب أو سد سبأ في هجرات كبيرة متتابعة لسكان اليمن إلى أماكن متنوعة من جزيرة العرب، ويعد مؤرخو التاريخ القديم أن هذه الهجرات إحدى أهم موجات التحول البشرية، وقد انتشر كثير منهم في عمان والحجاز وسواحل الخليج وشمال الجزيرة، وأُعيد تشكيل التركيبة السكانية ولا تزال بعض السلالات العربية القديمة التي استوطنت أجزاءً من جزيرة العرب في منازلها حتى الآن.

معركة صفين

تعد معركة صفين (صفر عام 37هـ) أحد أهم الأحداث الشوارد في التاريخ الإسلامي؛ وذلك لأنها وقعت بين جيش علي بن أبي طالب، الذي بويع له بالخلافة بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وجيش معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهم جميعاً، الذي رفض مبايعة علي حتى يقتص من قتلة عثمان، بوصف بني أمية أولياء الدم. وبعد أن اشتبك الجيشان، واقترب جيش علي من النصر، غيَّر جيش معاوية من خطته القتالية، فرفعوا المصاحف على أسنة الرماح، ودعوا إلى تحكيم القرآن بينهم، فتوقف أكثر جيش علي مستجيباً لهذا الطلب، بل ضغطوا على علي بقبول تحكيم القرآن، ولا حكم إلا لله تعالى، ومن هذا الموقف قال علي كلمته الشهيرة: “كلمة حق أُريد بها باطل”.

يمكن اعتبار وقعة صفين أهم وأخطر حديث شارد عرفه التاريخ الإسلامي منذ وقوعها حتى الآن؛ وذلك لأنها أنتجت فرقة الخوارج التي لم تكن معروفة من قبل، ولا تزال أفكارها تغذي الجماعات الدينية المتشددة. ونتج عن الوقعة ثنائية السُّنة والشيعة التي أرهقت الأمة بصراعات داخلية ولا تزال حتى الآن.

اقرأ أيضًا: من معركة صفين إلى سيد قطب.. السياق النفسي للحاكمية والتكفير

مقتل الحسين

قتل الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، على يد جيش يزيد بن معاوية في كربلاء بالعراق، في 10 محرم 61هـ/ 10 أكتوبر 680م، في سياق قصة طويلة وبالغة التعقيد في تاريخ الإسلام، وصار يوم مقتله يُعرف في التراث الشيعي بيوم عاشوراء، وتقام فيه الطقوس الدينية والمآتم سنوياً؛ إحياء لذكرى مقتله.

ومنشأ ذلك أن المسلمين بايعوا الحسن بن علي بن أبي طالب، ثم تنازل بعد ثمانية أشهر لمعاوية بن أبي سفيان؛ حقناً للدماء وإنهاء للخلاف، وبويع لمعاوية بالخلافة عام 41هـ/ 661م، وسمي ذلك العام بعام الجماعة؛ لأنه أنهى فتنة كبرى بدأت منذ مقتل عثمان بن عفان عام 36هـ. وبعد وفاة معاوية عهد الخلافة إلى ابنه يزيد؛ وهو ما رفضه الحسين وتسبب في خروجه على يزيد وقتاله حتى انتهى بمقتله.

تعد حادثة مقتل الحسين أول حالة انتقال في النظام السياسي في الإسلام من الخلافة إلى الوراثة، وقد نتج معه منظومة جديدة من الفقه الإسلامي الذي أثرى الفكر العربي بمناقشة مسألة الإمامة والسلطة السياسية، كما أنها تحولت إلى مأتم سنوي كبير للشيعة، يذكي روح الحادثة ويؤصل للمذهبية.

لوحة معركة كربلاء بمتحف بروكلين

هجرة بني هلال

بنو هلال، قبيلة من هوازن من عدنان، كانت منازلها في منطقة الحجاز، وجزء من عالية نجد، ثم اضطرت إلى الهجرة الجماعية إلى صعيد مصر، في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ثم انتقلت إلى شمال إفريقيا واستقرت في تونس، ولا تزال سلالتهم فيها حتى الآن. والدراسات حولهم قليلة، أما الدراسات حول تأثيرهم في تونس وشمال إفريقيا فتكاد تكون نادرة، إلا أنه من المتفق عليه أن هجرتهم تعد من أهم الهجرات البشرية العربية في العصر الوسيط.

تمثل هجرة بني هلال النموذج الصريح، وربما الوحيد، على انتقال قبيلة كاملة من المشرق إلى المغرب، لأسباب اقتصادية؛ وذلك لأن الهجرات تأتي غالباً على مراحل ولأسباب متنوعة وتكاد تقتصر على الهجرات للبلدان المجاورة، إذ تتركز أسباب وجود بعض قبائل جزيرة العرب في المغرب من أجل المشاركة في الفتوحات الإسلامية.

وقد كان لقبيلة بني هلال دور سياسي كبير في ما بعد، وينسب إليها الفضل في المساهمة في نشر اللغة العربية بين القبائل الأمازيغية، وأنتجت هجرة بني هلال ما يعرف في الأدب العربي الشعبي بالسيرة الهلالية وتغريبة بني هلال.

عودة الدولة السعودية الثانية

تعد ظاهرة نشأة الدول وسقوطها من قوانين التاريخ، وهي الحالة الطبيعية، وتعد حالة سقوط الدولة السعودية الأولى، ثم بقاء الجيش المصري والتركي في الدرعية سنوات عدة لترتيب القضاء على الدولة نهائياً، من خلال هدم الأسوار وتخريب البلد وتشحيم النخيل وتهجير السكان، وأسر الأمراء والمشايخ وترحيلهم إلى القاهرة ثم ترحيل بعضهم إلى الأستانة. كل هذه الإجراءات كافية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لعدم عودة الدولة السعودية، ولا ظهور للدعوة السلفية، ولكنها عادت وكأن شيئاً لم يكن بعد سبع سنوات من سقوطها، وذلك على يد الإمام تركي بن عبدالله، الذي كان من ضمن المحاصرين في الدرعية؛ ولكنه رفض التسليم، وهرب من الدرعية بعد تسليمها، ثم عاد إلى الرياض لتأسيس الدولة السعودية الثانية.

اقرأ أيضًا: 90 عاماً.. السعودية ملحمة التأسيس ورؤية 2030 المستقبلية

ما قام به الإمام تركي بن عبدالله يعد حدثاً شارداً من أحداث التاريخ، وقد كرر التجربة الملك عبدالعزيز بعد ثمانين سنة، بعدما سقطت الدولة السعودية الثانية بسبب صراعات داخلية.

الملك عبد العزيز آل سعود – صورة أرشيفية

أحداث تاريخية فاصلة ولكنها غير شاردة.. مراجعة نقدية

تتسم الأحداث الشوارد التاريخية بالغزارة، إلا أنها بالغة التعقيد؛ وذلك لأن المؤرخين تأقلموا مع الأحداث الكبيرة، ووصفوها بأنها أحداث فاصلة في تاريخ الإسلام، في حين تركز الأحداث الشوارد، كما أتصورها، على الأحداث التاريخية التي لها تأثير مستدام. وهناك أحداث تاريخية نادرة وتعد فاصلة في تاريخ الإسلام، ولكنها لم تكن شاردة؛ لأنها افتقدت بعض أهم سماتها، ومن هذه الأحداث:

غزوة أحد

تعد أول غزوة يُهزم فيها المسلمون، وهي بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اكتفى جيش قريش بإلحاق الهزيمة العسكرية بالمسلمين وكسب غنائمهم، وأهملوا الهزيمة السياسية؛ إذ كان من المفترض أن يتوجه جيش قريش إلى المدينة، وهي تقع على بُعد ساعة من مكان الغزوة، ثم يخربونها أو يستبيحونها، وينهون الدولة الإسلامية، ثم يحدث التأثير الكبير؛ وهو ما لم يحدث، وبذلك لا تعد غزوة أحد حدثاً شارداً؛ لأن هزيمة المسلمين كانت شكلية، ومكاسب قريش فيها رمزية مؤقتة.

ولا تزال حادثة غزوة أحد يشار إليها في التاريخ بوصفها هزيمة على المسلمين؛ وذلك بسبب تأثر المؤرخ بسرد القصة، ثم تناقل الباحثين لها بوصفها حقيقة، دون إخضاعها للتحليل ووضعها في سياقات سياسية وعسكرية واقتصادية جديدة.

يبدو أن انبهار المؤرخين بضخامة الحدث المشاهد شعبياً أنساهم أهمية تحليل تأثيره، والبحث في اكتمال فكرته.

معركة حطين واسترداد بيت المقدس

تعد معركة حطين التي قادها صلاح الدين الأيوبي واسترداد بيت المقدس من الصليبيين (583هـ/ 1187م)، من الأحداث الكبيرة في التاريخ الإسلامي، وتكثفت المعاني الرمزية حولها، وصارت أحد أهم الأحداث في مقررات التاريخ في التعليم لسنوات طويلة، مع أن المسلمين خسروا بيت المقدس بعد أربعين عاماً تقريباً من استرداده، وكانت خسارته بصفقة سياسية عُرفت في التاريخ باتفاقية يافا (626هـ/ 1229م)؛ حيث تنازل بموجبها السلطان الكامل ناصر الدين محمد (ابن أخ صلاح الدين الأيوبي)، عن كل من: بيت المقدس، وبيت لحم، والناصرة، وصيدا، لفردريك الثاني، مقابل أن يدعم إمارته ضد أبناء عمه. ومن هنا لا يصح أن تعد معركة حطين واسترداد بيت المقدس من الأحداث الشوارد في التاريخ؛ وذلك لأن أسلوب بيع بيت المقدس كان صدمة للمسلمين وهزيمة نفسية، يؤكد ذلك أنه تمت استعادة بيت المقدس بعد ذلك دون أن يحظى بتلك العناية التاريخية، على الرغم من أنه أطول عهداً.

لوحة تعود لعام 1490 وتمثل معركة حطين

هذا المثال يؤكد أهمية مراجعة التاريخ وإعادة إنتاجه بأساليب بحثية جديدة ومنهجيات تستعين بالعلوم الاجتماعية الأخرى ونظرياتها.

نجد في بعض المؤلفات التاريخية اهتماماً كبيراً بالحدث وليس بمعايير شروده، وعمق تأثيره الاجتماعي في ما بعده؛ مثل كتاب “مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام” (الطبعة الخامسة 1997م) لمحمد عبدالله عنان، حيث صنف المواقف الحاسمة في حصار العرب لقسطنطينية ومعركة بلاط الشهداء ومعركة ملاذ كرد والحروب الصليبية وموقعة حطين واسترداد بيت المقدس وعين جالوت.. وهكذا من المواقف التي أخذت شهرة تاريخية، دون تفكيك تأثيرها المستدام في ما بعد.

مشروعات حضارية وليست شوارد تاريخية

هناك إنجازات تاريخية شاردة، وإيجابية، ولها تأثير كبير؛ ولكنها مشروعات حضارية تكررت كثيراً في ما بعد، وليست أحداثاً؛ مثل: اكتشافات الإنسان الأول مثل النار والعجلة واستئناس بعض الحيوانات وغيرها، ومثل اكتشاف طريق الحرير، وطريق البخور. وفي التاريخ الإسلامي إنجازات كانت شاردة في حينها، إلا أنها تكررت وتطورت؛ مثل: مشروع الترجمة الكبير الذي حدث في عصر الخليفة المأمون، والاكتشافات الطبية لابن سينا والرازي والكندي والزهاوي وابن الهيثم. ومثل الاكتشافات الجديدة في مجال العمارة والموسيقى.. وهكذا.

خاتمة

تمثل هذه الأحداث الشوارد أحداثاً متباعدة الموضوع شكلياً، من حيث اختلاف زمانها ومكانها ونوعيتها، إلا أن السمة الجامعة بينها أنها أحداث شوارد، وهذا يدعو إلى تعميق النظر في امتداد تأثيرها إلى اليوم؛ وهي كذلك، وبالتالي تأكيد تقدير التاريخ وانعكاساتها على الواقع والمستقبل.

هذه نماذج مقترحة لتقديم التاريخ بمنهجية جديدة، وتحتاج إلى نقد المتخصصين ومشاركتهم في حوار الفكرة لتطويرها؛ وهي دعوة لأجيال المؤرخين الجدد بأهمية استعانتهم في دراسة التاريخ بالنظريات والمفاهيم الحديثة من خلال الانفتاح على العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم الطبيعية، وتوظيف المناسب منها في البحث التاريخي.

♦ الباحث السعودي، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة