الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الأجانب يغادرون آسيا.. و”كوفيد-19″ ليس السبب الوحيد

كيوبوست- ترجمات

عندما دخلت جاكرتا في مرحلة الإغلاق العام في أبريل الماضي، تلقت شركة “آسيان تايغرز” للشحن، موجة كبيرة من الطلبات من مقيمين أثرياء غادروا البلاد بين ليلة وضحاها، وتركوا عناء قيادة عمال الشحن إلى الخدم أو الأصدقاء. وفي غياب أصحاب البيوت، وجد عمال هذه الشركة أنفسهم وهم يضعون المُلاءات وأغطية الأسرة المتسخة في صناديق، إلى جانب الألعاب المكسورة، والكثير من المهملات. جميع الأجانب الذين يريدون المغادرة قد فعلوا، وليس هنالك إلا القليل من القادمين، وبدأت شركة “آسيان تايغرز” في تسريح بعض عمالها للمرة الأولى في تاريخها الذي يمتد إلى خمسة وثلاثين عاماً. يقول بيل لويد؛ مدير عمليات إندونيسيا في الشركة: “ما لم يُفتح الصنبور مرة أخرى، فإننا في وضعٍ صعب للغاية”.

لطالما اجتذبت العواصم الآسيوية المهاجرين من الدول الغنية؛ فالأعمال سريعة النمو والموارد الطبيعية الهائلة والبيئة التجارية غير المألوفة أعطت نوعاً من المتعة للأعمال فيها. وفي الوقت نفسه، مكَّنت تكاليف الحياة المنخفضة المقيمين الأجانب من توظيف الخدم والإقامة في منازل كبيرة لم تكن في متناولهم في أوطانهم. كان هنالك نحو ثلاثة ملايين مهاجر من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم عدداً من الدول الغنية، يقيمون في آسيا في العام الماضي بالمقارنة مع 2.3 مليون في عام 1990، إلا أن الجائحة أبرزت مساوئ الحياة في الغربة؛ بما فيها البعد عن العائلة، وفي بعض الحالات نقص المنشآت الطبية. وعلى العكس من معظم المهاجرين، كان هؤلاء من الميسورين الذين يمتلكون خيار الانتقال، وسارع الكثيرون منهم للعودة إلى أوطانهم بدلاً من مواجهة الجائحة في بلد أجنبي.

اقرأ أيضاً: 4 أسباب وراء رفض بعض الدول لميثاق الهجرة العالمي

شكَّل هذا الأمر خسارة لدولهم الأصلية وللدول المضيفة. يشكل المهاجرون من الدول المتقدمة إلى الأسواق الناشئة نسبة ضئيلة جداً من أعداد المهاجرين بشكل عام على مستوى العالم التي تصل إلى 270 مليوناً؛ ولكنهم يلعبون دوراً كبيراً جداً في الاقتصاد العالمي، ويجلبون أفكاراً جديدة وروابط عالمية إلى حيث يذهبون. وجدت دراسة كندية أن زيادة المهاجرين من بلد معين بنسبة 10% ترتبط بزيادة قدرها 1% في الصادرات إلى هذا البلد و3% في المستوردات الواردة منه. ترى أماندا كليكوفسكي فون كوبنفيلس، من جامعة كنت، أنه لا يوجد سبب يمنع الهجرة إلى الاقتصادات النامية من تحقيق نتائج مماثلة، وتقول: “نادراً ما نفكر بنصف الكرة الشمالي كمنطقة مستفيدة من هجرة مواطنيها؛ ولكنها بالتأكيد تستفيد.. إنها حركة صغيرة؛ ولكنها قوية للغاية”.

اقرأ أيضاً: تغير ثوري في تايلاند

وعلى كل حال، فقد قلَّل “كوفيد-19” من جاذبية العيش في الخارج بالنسبة إلى الكثير من مواطني الدول الغنية. أمضى إننيغو لومبريراس دي مازاريدو، معظم سنوات عقده الثالث في الترقي في وظيفته في شركة توصيل أطعمة في آسيا. ويرى أن أفضل ما في حياة المغترب هو فرص السفر حول العالم ومقابلة أناس جدد. بعد أسبوعين من التوتر وإلغاء أربع رحلات جوية إلى بلده، تمكن من الوصول من كمبوديا إلى إسبانيا في أبريل. يقول الشاب ذو التسعة والعشرين عاماً: “الغاية الرئيسية من السفر كانت اكتساب الخبرة؛ ولكن هذا الأمر لم يعد خياراً ممكناً الآن”.

الأجانب والسكان المحليون يداً بيد لمكافحة الجائحة في جنوب شرق آسيا- “إنسايدر”

لا تتوفر بيانات دقيقة عن الهجرة في آسيا؛ ولكن كل الأدلة تشير إلى نزوح جماعي. بحلول شهر يونيو كانت الولايات المتحدة قد أخلت أكثر من 15.000 من مواطنيها من السياح والمقيمين في القارة. وقد لاحظ الوكيل العقاري الدولي نايت فرانك، ارتفاعاً كبيراً في عدد المغتربين الذين يتطلعون إلى شراء عقارات لهم في أوطانهم؛ خصوصاً أولئك الذين لديهم أهل مسنون أو أولاد في مدارس داخلية في الوطن. وتبين أن 30% من عملائه يخططون للعودة الدائمة و60% منهم يريدون تقسيم وقتهم بين موطنهم الأصلي ومكان إقامتهم الحالي.

أما بالنسبة إلى أرباب العمل، فقد أظهرت الجائحة في آسيا مساوئ توظيف الغربيين مرتفع التكاليف. طبقت معظم الدول نظام الحجر الصحي، وعلقت إصدار تأشيرات الدخول؛ مما أعاق وصول الناس إلى حيث يجب أن يكونوا. بطبيعة الحال يعتبر التخلص من العمالة الأجنبية المكلفة طريقة سهلة لتوفير المال في أوقات الركود، وفي الوقت نفسه أظهرت الحاجة إلى العمل من المنزل إمكانية أن يقوم الموظفون بالتعاون وإنجاز عملهم بشكل معقول من مسافات بعيدة من خلال مكالمات الفيديو. وقد أعادت أكثر من نصف الشركات موظفين فيها إلى بلدانهم في مهمات عمل طويلة الأجل، ومن غير المتوقع أن يعود أكثر من نصف هؤلاء خلال سنة من الآن، وفقاً لمسح أجرته مؤسسة “إيكا إنترناشيونال” التي تساعد الشركات في نقل موظفيها. وقد قالت جميع الشركات التي شكلها المسح تقريباً إنها تسمح لموظفيها الأجانب بالعمل من أوطانهم إذا رغبوا في ذلك.

آلاف الأجانب غادروا تايلاند بعد فرض الإغلاق العام- “آسيا تايمز”

يقول توبي فاولستون من شركة “روبرت والترز للتوظيف” إن “كوفيد-19” قد سرع من حركة كانت قد بدأت مسبقاً. فقد تحسنت المهارات التعليمية واللغوية بشكل كبير في عموم المنطقة، وتراجعت الحاجة إلى توظيف أجانب لإنجاز العمل. يقول فاولستون إن التأثير المتزايد للصين في هونغ كونغ يعني أن أرباب العمل يبحثون عن موظفين يتكلمون لغة الماندرين الصينية. وهو يقدِّر أن الأجانب باتوا يشغلون خُمس الوظائف ذات التماس المباشر مع الزبائن في البنوك الاستثمارية بعد أن كانت نسبتهم تصل إلى الثلث قبل خمس سنوات.

اقرأ أيضاً: لمَ تعمل من المنزل عندما يمكنك العمل من باربادوس أو برمودا أو إستونيا؟

كما أن حكومات الدول المضيفة باتت تعمل على إعاقة توظيف الأجانب؛ لأنها تتصور أن ذلك قد يخفف مشكلة البطالة. ففي ماليزيا يمكن للشركات تعيين موظفين أجانب فقط في حال لم تتمكن من العثور على مرشحين محليين يناسبون العمل المطلوب. ويجب على أرباب العمل الإعلان عن الوظائف الشاغرة من خلال بوابة مركزية وإجراء مقابلات مع المتقدمين خلال ثلاثين يوماً ثم إعلام السلطات بعد ذلك. وفي أغسطس الماضي رفعت الحكومة السنغافورية الحد الأدنى لرواتب الموظفين الأجانب المطلوب لإصدار تأشيرات دخول لهم، كما أنها أطلقت تحقيقاً في 47 شركة تشتبه أنها لم تعطِ المتقدمين المحليين فرصاً عادلة للعمل فيها. وفي السياق نفسه، تقول دول آسيوية عدة إنها بصدد إلغاء تأشيرات الإقامة للأجانب الذين يغادرون البلاد قبل الحصول على إذن خاص بذلك.

انخفضت نسبة الموظفين الأجانب في البنوك الآسيوية من الثلث إلى الخمس خلال خمس سنوات- “ذا إيكونوميست”

وسواء أرادت الحكومات والشركات أم لم تُرد، فسوف يكون هنالك دائماً الكثير من الغربيين المتشوقين للعيش في آسيا؛ حيث يأتي الناس من أجل العمل أو من أجل الحب. المجموعة الأولى ليست سريعة الهروب، أما بالنسبة إلى المجموعة الثانية، فإن جاذبية الحياة ستعود عند إعادة فتح الحدود، واختفاء قواعد التباعد الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: هل يمكن للإمارات أن تحل محل هونغ كونغ كمركز مالي لآسيا؟

انتقل هيكتور دريك، مؤخراً، إلى لندن مع زوجته لتنجب طفلهما الأول بعد عشر سنوات في هونغ كونغ وبكين وشنغهاي. يقول دريك إن الوباء قد كشف عن مدى جمال أن يعيش المرء في آسيا. فقد كان أداء حكومات هونغ كونغ وسنغافورة وتايوان وفيتنام أفضل بكثير من أداء حكومات الغرب في السيطرة على الفيروس. أُصيب الزوجان بعدوى “كوفيد-19” بعيد عودتهما إلى بريطانيا. وربما يجب على دريك أن يهتم أكثر بشأن تأمينه الصحي في المستقبل، وهو يأمل في أن يعود للعمل في الخارج من جديد. ويقول: سوف يستمر الناس في السعي وراء الفرص إذا وجدت.

المصدر: ذا إيكونوميست

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة