الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةمقالات

الآن وغداً.. العلاقة مع إسرائيل

مروان البلوشي♦

إنْ حلَّقَتِ العلاقة الجديدة بين الإمارات وإسرائيل بعيداً، فإن هذا سوف يُحسِّن كثيراً من موقع الدولتين في المنطقة؛ لا يعني هذا بالضرورة قلب التوازنات الإقليمية بشدة أو حسم صراعات منطقتنا قريباً، فالإمارات وإسرائيل قوى متوسطة الحجم وقدراتهما لا تعينهما على ذلك؛ لكن في حال تقاربت الرؤى لفترة مطولة بيننا وبين تل أبيب حول تنسيق الجهود في عددٍ من الملفات، فإن هذا سوف يزيد من أرباح الدولتين في المدى المتوسط أو القصير على أقل تقدير.

أكتب هذا لأننا لا نعرف الآن إن كانت هذه العلاقة الجديدة ستتطور لشراكة استراتيجية، ومن الأفضل ترك هذا التساؤل للمستقبل، فتنسيق الجهود لفترة مستدامة مع إسرائيل سيكون صعباً. تاريخياً، فضلت السياسة الخارجية الإسرائيلية أن تحتفظ بمساحة كبيرة من حرية الحركة والمناورة، معاكسةً في ذلك سياسات وسلوكيات حلفائها؛ وأبرزهم حليفتها الأساسية أمريكا، حتى عندما كانت الرؤى متشابهة بينهما. ولكي نستطيع قياس تطور العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب، لنأخذ مثلاً مواجهة التمدد التركي؛ وهي على رأس أولويات السياسة الخارجية الإماراتية، هل تولِي إسرائيل نفس الأولوية لهذا الملف؟

العلمان الإماراتي والإسرائيلي

نعرف أن تل أبيب غير مرتاحة منذ سنوات للتوسع التركي في شرق المتوسط (وهو أحد أسباب استثمارها مؤخراً في قواتها البحرية)؛ ولكن التبادل التجاري بين البلدين لا يزال كبيراً، وهو ما سيضع عائقاً أمام خيارات تل أبيب للانضمام إلى مشروع مواجهة طموحات أنقرة الإمبراطورية، والإمارات تقود هذا المشروع.

اقرأ أيضًا: كيف يغير اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي خارطة التحالفات في المنطقة؟

هل سوف تنتظر تل أبيب حتى تتضح نتائج هذه المواجهة؟ أم ستنضم إلى هذا الطرف؛ ولكن بشكل مقنن بانتظار جني الفوائد لصالحها؟ ولا ينبغي أن تتأخر الإجابات عن هذه الأسئلة؛ فالخيار الذي يضعه الرئيس التركي أردوغان على الطاولة أمام الجميع، واضح؛ فهو يتصرف فعلاً كسلاطين الدولة العثمانية في بداية توسعها: التدخل والتوسع باستمرار في كل المناطق الضعيفة حول تركيا، وعلى الآخرين الانضمام أو المقاومة.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

وعلى أية حال، هذه علاقة جديدة، ونحتاج إلى بعض الوقت كي نفهم السلوك الإسرائيلي، ونعرف سماته المميزة والمصادر التي تشكل هذه السمات، ونحتاج إلى وقت كي نتقن التعامل مع المنغصات التي ستعتري علاقتنا معهم، وهذه سوف تبرز برأسها بكل تأكيد، والقرار السياسي السريع مطلوب؛ لكي تتأسس منظومة الحوافز التي ستغري تل أبيب للانضمام بفاعلية إلى المشروعات الجيوسياسية التي تقودها أبوظبي أو تشترك بها.

مضاعفة المكاسب مع تل أبيب

على المديين القصير والمتوسط، يُفضل أن تعمل الإمارات وبسرعة على بناء شبكة تبادلات اقتصادية وعسكرية وبحثية، عميقة ومربحة مع إسرائيل. هذا بالضبط ما عملت عليه تركيا مع إسرائيل في العقود الماضية، وأيضاً ما تفعله الصين والهند مع الدولة العبرية منذ بداية التسعينيات. والمنطق من وراء ذاك واضح: هي رسالة نوجهها إلى تل أبيب بأننا شريك ملتزم بتنمية العلاقة وَفق شروطنا وبما يفيدها أيضاً.

اقرأ أيضًا: اتفاقية السلام التاريخي …من الشعارات إلى الواقعية السياسية

نستطيع على سبيل المثال، الدخول في مشروعات تصنيع عسكري مشترك؛ ليس فقط بصفة الممول (وتل أبيب تبحث عن ممول جديد بشدة؛ لأنها متضايقة من شروط التمويل الأمريكي)، ولكن أيضاً كدولة تريد تدريب مهندسيها وكوادرها البحثية، ورفع مستوى بنيتها التحتية الصناعية بالتعاون مع إسرائيل.

هل هناك مثال يشبهنا ويشتغل الآن بهذه الصفة؟ نعم، سنغافورة، وقد حققت نجاحات كبيرة في جوانب عسكرية ومدنية. وواحدة من الحوافز المغرية بالنسبة إلى إسرائيل هي فتح أسواق ناشئة وجديدة لها عن طريق الإمارات، التي تستطيع بشبكة علاقاتها وتداخلاتها في الاقتصاد العالمي أن تفعل ذلك. كل هذه الحوافز والمغريات وغيرها سوف ترسخ العلاقة وتجعل إغضاب أبوظبي أو خسارتها أمراً صعباً على تل أبيب. قد يبدو من حديثي أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر الآن؛ لكن هذا غير صحيح على المدى الطويل، فبعد فترة من التعاون المشترك سوف يرتفع مستوى مراكز البحث والتطوير لدينا، ومع إطلاق برامج التبادل التدريبي والتعليمي ستزيد خبرة الكوادر الإماراتية وقدرتها على بدء مشروعات محلية بالكامل ذات منتجات بجودة تنافس في السوق العالمية.

الرئيس الأمريكي خلال الإعلان عن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي

لن يكون سلاماً بارداً

اتفق خبراء العلاقات الدولية، ومعهم الإعلام العالمي، على تسمية اتفاقيات السلام بين مصر والأردن وإسرائيل بـ”السلام البارد”؛ أي أنها علاقات رسمية حذرة وشعبية فاترة. لا أعتقد أن الأمر سيكون هكذا في السلام الإماراتي؛ لا يوجد توجه شعبي محلي ضد تل أبيب يجب مراعاته والحذر منه، ولا يحتوي الفضاء الثقافي الإماراتي على إرث أيديولوجي معارض لوجود إسرائيل، كما أن الإمارات غير مقيدة بتوجهات دول أخرى أو بتقلبات الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

شاهد: فيديوغراف.. اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي لحظة فريدة

ستكون هذه العلاقة فاعلة ونشطة؛ لأن هناك رغبة من الجانبين في إنجاحها أمام الآخرين، لكن من الأفضل أن لا نتطرف ونندفع بتوقع نشأة تحالف بيننا وبينهم في المستقبل القريب، ما زلنا بحاجة للتأكد من أن تل أبيب تشترك معنا في القراءة الاستراتيجية لخارطة المنطقة وملفاتها بنفس عدساتنا، وهذه خطوة أولى فحسب.

♦باحث دكتوراه إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبره في بريطانيا.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مروان البلوشي

باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

مقالات ذات صلة