الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الآثار الأمنية المترتبة على مواقف الجماعات الإندونيسية المؤيدة لداعش بشأن لقاح كوفيد-19

كيوبوست- ترجمات

ڤي. أريانتي وأنيسه رحمة♦

قدمت إندونيسيا، اعتبارًا من أكتوبر 2021، 150 مليون جرعة من لقاح كوفيد-19، حيث تحتل المرتبة الخامسة في التصنيف العالمي لأكثر الدول تلقيحًا لسكانها ضد الفيروس، بعد الصين والهند والولايات المتحدة والبرازيل.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى تلقيح سكانها البالغ عددهم 208.3 مليون نسمة -الأفراد الذين يتجاوزون سن 12 عامًا الذين لا يعانون من حالات طبية كامنة- فإن ردود فعل مؤيدي تنظيم داعش في إندونيسيا يمكن أن تؤثر على المشهد الأمني في البلاد، فقد تؤثر الآراء المتضاربة حول لقاح كوفيد-19 بين مؤيدي تنظيم داعش على جهود التعامل الأمني مع القضية، وهو ما سيوضحه التحليل التالي..

اقرأ أيضًا: المخاطر المترتبة على رفض إندونيسيا إعادة مواطنيها الذين انضموا إلى داعش

الجماعات الإندونيسية المؤيدة لداعش منقسمة

تشير البحوث التي أجراها المؤلفان إلى أن الجماعات الإندونيسية المؤيدة لداعش، التي تنظر إلى الحكومة الإندونيسية على أنها مرتدة وطاغية، تنقسم إلى معسكرين؛ الغلاة والرنسيون (rinciyun). يمثل الغلاة، أولئك الذين يتبنون موقف تنظيم داعش بدقة. أما الرينسيون، الذين يعرفون أيضًا باسم البرينسيون، مشتقة من كلمة إندونيسية تعني من يعتنون بالتفاصيل، يتألفون من أولئك “المتساهلون” تمامًا في تفسير موقف تنظيم داعش، الذين يبررون أفعاله من خلال تقديم أعذار مفصلة.

ونتيجة لوصف الحكومة بأنها مرتدة، نشأ خلاف بين المعسكرين حول ما إذا كان ينبغي على أتباع داعش تأييد برامج الحكومة لمكافحة الجوائح أو المشاركة فيها. وفيما يتعلق بمسألة اللقاح، يعارض معسكر الغلاة بشدة حملة التلقيح التي أطلقتها الحكومة ضد كوفيد-19، في حين يستحسنها الرينسيون.

تتركز حجج الغلاة على تصوير حكومة الرئيس جوكوي بشكل مستمر على أنها حكومة كافرة ومعادية للإسلام. ويمكن تقسيم الحجج التي تسوقها إلى فئتين: أولًا؛ الحجج الخاصة بالصحة. يعتقد أتباع هذا المعسكر أن لقاحات كوفيد-19 ستسبب أمراضًا مزمنة ومتلازمة “موت الرُضع المفاجئ”. كما يؤكدون أن اللقاحات التي تعتمد على الحمض النووي الريبي (mRNA) قد تسبب تلفًا لا يمكن إصلاحه للحمض النووي الطبيعي في الجسم. وفي حين انتشرت مثل هذه الحجج أيضًا في المجتمعات غير المتطرفة على الإنترنت، يعتقد معسكر الغلاة على وجه التحديد أن اللقاح يُنتج لإيذاء المسلمين أو قتلهم. ثانيًا؛ الحجج المتشائمة التي تعتقد بقرب يوم القيامة. وهذه ترى أن كوفيد-19 عبارة عن “عمل شيطاني عالمي لتحويل البشر إلى عبيد للمسيح الدجال. وبالتالي يُنظر إلى برامج التلقيح على أنها مشروع طويل الأجل ليأجوج ومأجوج (قوتان عدائيتان وفاسدتان ستعصفان بالأرض قرب نهاية العالم)، أي في إشارة إلى حكومة جوكوي.

الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو

من ناحيةٍ أخرى، تؤكد حجة معسكر الرينسيون أن جائحة كوفيد-19 حقيقية وأرسلها الله كاختبارٍ للمسلمين، في إشارة إلى بيان رسمي لداعش صدر في فبراير 2020. كما استشهد أتباع هذا المعسكر بالنشرة الإخبارية الرسمية للتنظيم، “النبأ”، الصادرة في مارس 2020، التي ذكرت أن كوفيد-19 أضرّ بغير المؤمنين وأرعبهم. واعترافًا منهم بخطورة الجائحة، يعتقد الرينسيون أن إعطاء اللقاحات-التي ثبت علميًا فائدتها الصحية- يتماشى مع سياسة داعش.

الجدير بالذكر أن تنظيم داعش قد سمح في عام 2015، لفريقٍ من المنظمات غير الحكومية بتوفير لقاحات شلل الأطفال للأطفال في الأراضي الخاضعة لسيطرته في سوريا والعراق. كما أكد أتباع معسكر الرينسيون أن لقاحات كوفيد-19 في المناطق التي يسيطر عليها داعش مضمونة كونها تعتمد على مكونات حلال. وفي حين أن حجم المناطق التي تلقت اللقاح في المناطق لخاضعة لسيطرة التنظيم غير واضح تمامًا، فمن المعروف أن أكثر من 200 شخص من سكان مخيم الحول للاجئين في سوريا، الذي يضم زوجات وأطفال مقاتلي التنظيم، قد تلقوا اللقاح حتى أغسطس 2021.

اقرأ أيضًا: الحركة الجهادية في إندونيسيا: نظرة عامة

يمكن أن يُعزى النقاش الداخلي حول مسألة اللقاح جزئيًا إلى حقيقة أن داعش لم يحث أتباعه على وجه التحديد، حتى الآن، على رفضه أو تلقيه. فعلى سبيل المثال، لم تفرض “البروتوكولات الصحية” التي أصدرها التنظيم في مارس 2020 -كإجراء وقائي ضد الإصابة بالفيروس أو نقله للغير– على أتباعه ضرورة تلقي اللقاح.

التداعيات الأمنية

قد يترتب، على هذه التطورات، أثران أمنيان على الأقل. أولًا؛ دعا معسكر الغلاة أتباعه إلى “القتال بكل ما أوتوا من قوة” -ملمحًا بشكل غير مباشر إلى استخدام السكاكين، إذا لزم الأمر- حال إقدام الحكومة على فرض اللقاح. جاء ذلك في سياق نشر الحكومة للشرطة والجيش -وهي كيانات يعتبرها أنصارُ التنظيم الإندونيسيون أعداء رئيسيين- في حملة التلقيح التي تقوم بها. ويدّعي الأفراد في معسكر الغلاة أنهم على استعداد لتحمل عواقب عدم تلقيحهم، بما في ذلك دفع غرامات أو السجن. بيد أنه ينبغي إبقاء هذا التحدي الذي يشكّله معسكر الغلاة في منظوره الصحيح. إذ لا تزال القدرات الفعلية للجماعات الإندونيسية الموالية لتنظيم داعش بعيدة كل البعد عن قدرات ولاية خراسان، فرع التنظيم الذي منع الحكومة الأفغانية في عام 2015 من إعطاء لقاحات شلل الأطفال لنحو 46,000 طفل.

تم تطوير لقاحات “كورونا” بسرعة غير عادية نظراً لاستخدام تكنولوجيا جديدة نسبياً- “ميديكال نيوز توداي”

علاوة على ذلك، سيواجه أتباع معسكر الغلاة غير الملقحين عقباتٍ إذا اعتزموا السفر إلى الخارج للانضمام إلى ولاية خراسان في أفغانستان أو في منطقة صراع أخرى. وذلك لأن التلقيح أصبح الآن شرطًا عند التقدم بطلب للحصول على جواز سفر. ومع ذلك، يمكن لأتباع هذا المعسكر اللجوء إلى الحصول على شهادات تطعيم مزيفة، التي يمكن تسجيلها في التطبيق الحكومي الذي أطلقته الدولة الذي يعرف باسم (PeduliLindungi) الذي يسجل حالة التطعيم لكل مواطن.

الأثر الأمني الثاني، للمفارقة، هو أنه من الممكن أن يُشكّل أتباع معسكر الرينسيون تحديًا أكبر. فمن المحتمل أن يتلقوا اللقاح، ومن ثم يمكنهم السفر. بموجب قانون الدولة، يُسمح الآن بالسفر فقط للأفراد الذين تلقوا اللقاح عبر المدن الإندونيسية، وبتكلفة أرخص. ويُطلب من الأفراد الملقحين بالكامل إجراء الاختبار السريع المعروف باسم (ART) بدلاً من الاختبار الأكثر كلفة المعروف باسم (PCR) للسفر المحلي عن طريق البر أو البحر أو الجو. وسيكون لديهم إمكانية أكبر للوصول إلى المنشآت العامة.

وهذا يعني أنه يمكن للمسلحين من معسكر الرينسيون استئناف توحيد جهودهم من خلال الاجتماع مع مختلف الأفراد الموالين لداعش في جميع أنحاء الدولة، بما في ذلك لقاء الموالين لداعش في السجون. ونظرًا لتعليق زيارات السجون إلى حد كبير بسبب الجائحة، سيسمح للأفراد الملقحين، بدءًا من عائلات النزلاء، بزيارة السجون. وما من شك في أن استئناف زيارات السجون، حتى من قبل عائلات النزلاء، قد يلعب دورًا بالغ الأهمية في ترسيخ الأيديولوجية المتطرفة لبعض السجناء الإرهابيين الذين تلقت عائلاتهم مساعدات مالية من جمعيات خيرية موالية لداعش.

اقرأ أيضًا: مسعى إندونيسيا المتأخر عن الركب للحد من ظاهرة “المتطرفات”

وختامًا، فعلى الرغم من أن معسكر الغلاة أكثر تطرفًا من الناحية الأيديولوجية مقارنة بالرينسيين، فإن الالتزام بحملة التلقيح التي تبذلها الحكومة من المرجح أن يعطي المعسكر الأخير ميزة تكتيكية أكبر. ذلك أن الحصول اللقاح سيمكّن المسلحين من التجول بحرية، بما في ذلك عندما يتعلق الأمر بالتخطيط لهجمات محتملة.

وفي نهاية الأمر، قد يكون من الأصعب على أحد المسلحين اختراق مقر الشرطة كما شهدنا في هجوم أبريل من هذا العام، حيث لن يسمح بدخول هذه المباني إلا للأفراد الذين تلقوا اللقاح. وبالتالي، فإن المجموعة التي يجب مراقبتها عن كثب قد تكون الرينسيون.

♦في. أريانتي وأنيسه رحمة؛ باحثان ومحللان، على التوالي، في المركز الدولي لبحوث العنف السياسي والإرهاب، وحدة تأسيسية في كلية إس. راجاراتنام للدراسات الدولية، جامعة نانيانج التكنولوجية، سنغافورة.

 
 
 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة