الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

اعتقال مسيح فيساريون

د. نجاة عبد الصمد

اعتقلت روسيا، الثلاثاء الماضي، زعيم طائفة سيبيريا ادعى أنه المسيح، وذلك خلال عملية شاركت فيها القوات المسلحة والطائرات. الرجل يُدعى سيرغي توروب، وهو شرطي سابق معروف لدى أتباعه باسم فيساريون؛ في عام 1991 أسَّس سيرغي توروب ما يُعرف الآن بـ”كنيسة العهد الأخير”، التي انضم إليها عدة آلاف من المؤمنين وشكلوا “طائفة فيساريون” في قرى نائية في سيبيريا.

عاصفة

في وقتٍ مبكرٍ من صباح يوم الثلاثاء 22 سبتمبر، هبطت ست مروحيات تابعة لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي إلى وادي “مدينة الشمس” في إقليم كراسنويارسك في روسيا؛ نصف عناصرها بزيٍّ مدني، والباقي يحمل أسلحة آلية، ومعها دخلت خمسون حافلة وسيارة إسعاف وطاقم طبي، في مهمةٍ للقبض على سيرغي توروب؛ شرطي سابق في مينوسينسك، وزعيم مجتمع “فيساريون”، ورئيس منظمة “كنيسة العهد الأخير” الدينية حالياً. كذلك تم القبض على مساعدَيه الأقرب: فاديم ريدكين (عازف درامز سابق وخازن سجلات التعاليم الجديدة)، وفلاديمير فيديرنيكوف. اقتيد الثلاثة إلى جهة مجهولة، وأفادت لجنة التحقيق أن تهمة المعتقلين هي تأسيس جمعية دينية ترتبط أنشطتها بالعنف النفسي ضد المواطنين؛ ما تسبب في أذى جسدي خطير لشخصَين أو أكثر. وذكرت مذكرة التفتيش أن أنشطة “كنيسة العهد الأخير” مرتبطة بالعنف وإلحاق الأضرار بصحة الناس، وإكراههم على التخلي عن الالتزامات المدنية، وارتكاب أعمال غير قانونية، وكذلك اشتبه التحقيق في أن إيغور كيتسينكو، أحد أتباع فيساريون، مارس الجنس مع فتيات قاصرات تحت ستار طقوس “التنشئة إلى مرحلة البلوغ” بمباركة من فيساريون نفسه.

نفى السكرتير الصحفي لفيساريون فاديم ريدكين وكيتسينكو، هذه الاتهامات.

أثناء الاستجواب أطلق المحققون على مجتمع فيساريون صفة: “الطائفة الشمولية”؛ فاعترض الأتباع وأفادوا أنهم يتخذون قراراتهم جماعياً، والآن وإن حجزت السلطات سيدهم خلف القضبان فإنهم سينظمون حياتهم: “وفقاً لما تمت كتابته بالفعل”؛ بل واجهوا المحققين: “في عالمكم يتعرض السياسيون إلى الاضطهاد وإطلاق النار، بينما نحن نعيش في سلام ووئام منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً”.

أول أجوبة توروب للمحققين أن جميع الاتهامات بحقه وهمية، مختلقة..

فيساريون نفسه لا يتواصل مع الصحافة؛ لكن أحد الصحفيين تحدث مع توروب قبل أيام من اعتقاله، قال إنه يبتسم دوماً، ويتحدث ببطء، صوته منخفض، قال توروب: “الظروف مواتية الآن لما يفيد الجنس البشري بأكمله، لا يهمنا أي دين، فقط أن نعيش جميعاً معاً وبسلام، أن نبني بيئة محبة ووداداً بين الناس، ليأتِ مَن يريد إلينا في سيبيريا، وسيشعر فوراً بالصداقة والود في علاقاتنا الإنسانية”.

سيرجي توروب زعيم مجتمع فيساريون بعد جلسة المحكمة المحلية المركزية في نوفوسيبيرسك. (الصورة من موقع ريا نوفوستي ومن تصوير ألكسندر كرياجيف)

فلاديمير فيديرنيكوف، منظِّم مجتمع فيساريون، قدم منذ ثلاثة عقود من كيشيناو إلى كراسنويارسك، وعمل لمدة 18 عاماً مسؤولاً عن سبع كنائس ومراكز ثقافية ومدارس الحرفيين في 15 قرية من قرى التايغا؛ حيث يعيش أتباع كنيسة العهد الأخير. وقد أدلى قبل اعتقاله بأيام لأحد الصحفيين بأن عمليات البحث والاستجواب كانت قد بدأت في ديسمبر الماضي. جاء ممثلو جهاز الأمن الفيدرالي بملابس مدنية إلى المدارس الخاصة لتفتيشها وإلى منزله؛ صادروا منه المعدات والوثائق والمطبوعات والمحفوظات دون أمر قضائي، اتهمه الرائد بقمع الناس وابتزازهم، وسأله عن مكان دفن أفراد المجتمع الذين ماتوا من الجوع أو البرد أو التعذيب، وعن استخدام البخور في الكنائس، وعما إذا اغتصب أحدٌ ما الفتيات القاصرات. من يومها عرف فيديرنيكوف أن الأمن لن يتركهم. وأضاف: “وإذا استشهد المعلم بين أياديهم، فإن إيماننا سيزداد”.

فاديم (ريدكين)، المساعد الثاني لمسيح فيساريون، قال إن المحققين بدأوا مطاردة مجتمعه منذ عام 2018؛ ففي ذلك الصيف تم تفتيش عائلتَين في إطار القضايا الجنائية، وبعد إغلاق القضايا أعادت مديرية لجنة التحقيق فتحها. كذلك قابل المحققون أقارب الفيساريين في جميع أنحاء روسيا، واحتُجز أحدهم لمدة ساعات في داغستان قيد الاستجواب، سألوه إن لاحظ أي تعذيب أو ابتزاز في مدينة الشمس، وإذا انتشرت فيها المخدرات، وهل صحيح أن كثيرين يموتون بسبب الإرهاق وفقر الدم؟ واهتم المحققون أيضاً بما إذا كان فيساريون ورفاقه قد صادروا ممتلكات تابعيهم الذين اختفوا في ظروف غامضة.

اقرأ أيضًا: أُمي.. قصة طفل قرر معاقبة المسيح!

وتابع ريدكين بأنهم في الآونة الأخيرة بالغوا في مضايقتهم، وأن التحقيقات تجري في قضية غير معروفة للمسؤولين الأمنيين أنفسهم، وإلا فلماذا لا يسألون الفيساريين سوى: هل يجيز لهم القانون احتطاب الأخشاب من أراضيهم؟ وهل يستفيدون من الرعاية الطبية؟ وكيف يعيش أطفالهم وماذا يأكلون؟

نفى ريدكين جميع التهم، وهو يعتقد أن تصرفات المحققين مرتبطة بنقص في فهم تنظيم مجتمعهم.

دولة داخل دولة

أطلق سيرغيه توروب حركته الدينية منذ نحو ثلاثين عاماً في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، باسم “كنيسة العهد الأخير”، المعروفة أيضاً باسم “طائفة فيساريون”. بدأ بتنبيه الناس أن يسوع موجود، وهو يراقبهم من “مدار قريب من الأرض”، وأن العذراء مريم “تتولى الشفاعة لروسيا”، بعدها أعلن نفسه “المسيح الجديد”، “ابن الله”، “المعلم”، “المنقذ”، المنذر باقتراب نهاية العالم. بعد تجمُّع الأتباع حوله قادهم إلى جبل سوخوي (جنوب إقليم كراسنويارسك). هناك بنوا “دار الفجر” على مساحة أرض تقارب ثُلثَي مساحة بلجيكا، سمَّاها توروب: “فيساريون”، وذاع اسمها في وسائل الإعلام: “مدينة الشمس”، ومع أنها مستوطنة مفتوحة بالكامل رسمياً، فإن توروب جعلها أشبه بدولة مستقلة داخل الدولة، فيها نظام ضريبي وأمن وموظفون مخلصون، ويحيط بها حراس الأمن، وعلى الداخل إليها أن يمر بنقاط التفتيش؛ حتى إن الشرطة المحلية كانت تخشى الذهاب إلى هناك.

سيرجي توروب الشرطي السابق الذي أعلن نفسه مسيحاً- (الصورة من موقع ريا نوفوستي تصوير غريغوري سيسويف)

حاولت الجهات القانونية تفعيل القانون ضد جمعية فيساريون عدة مرات، وتمكن الفيساريون كل مرة من الهروب من العدالة، إلى أن أصبحوا واثقين من الإفلات من العقاب، (فضاعفوا اعتداءاتهم ولم يعودوا يأبهون)، هكذا صرح ألكسندر دفوركين؛ رئيس الرابطة الروسية لمراكز دراسة الأديان والطوائف. وأضاف أن الاعتقال متوقع تماماً؛ لكنه يستغرب لماذا تأخروا نحو عشرين عاماً على اعتقالهم؟! ووفقاً لدفوركين، فقد كان فيساريون شخصياً تحت أنظار الصحافة والسلطات المحلية: “كانت الشكاوى المدعمة بالأدلة الخطيرة ضده تصل بانتظام إلى هيئات التحقيق، وقد رُفعت سبعُ قضايا جنائية وأربع قضايا إدارية واثنتان مدنيتان ضد أتباعه”.

قبل تأسيس دعوته، تعالج توروب من إدمان الكحول بالتنويم المغناطيسي، وكان مولعاً بتعاليم هي مزيجٌ من المسيحية والبوذية والباطنية، وتؤمن بتناسخ المسيح، فآمن أتباعه أنه يشفي المرضى بلمسة يدَيه؛ بمَن فيهم مرضى السرطان والإيدز.

يعيش مجتمع فيساريون بأكمله محتسباً لنهاية العالم. وقد تنبأ رئيسه توروب عدة مرات بهذه النهاية على شكل كارثة تكنوجينيك، وأن مَن يغادر مع “المسيح” إلى إقليم كراسنويارسك في منطقة التايغا لبناء “مدينة الشمس” سوف ينجو. غيَّر توروب تاريخ نهاية العالم أكثر من مرة؛ وكان آخرها في عام 2013.

مجتمع فيساريون

اسم مدينتهم: “مدينة الشمس”، أو “دار الفجر”؛ منذ أكثر من ربع قرن بدأ يهرب إليها الحالمون والباحثون عن التنوير الروحي، ومثقفو المدينة الذين قرأوا بنهم دانيال أندريف، و منذ أكثر من ربع قرنٍينيك، وأنّولة لتصحيح المسار في السنوات الست الماضيةة جدا في كل مصر، ونشوف مصر في مكان تاني  ف السنة العدد كارلوس كاستانيدا، وآل روريش، وبلافاتسكي، نصوص الكتاب المقدس؛ هؤلاء تبعوا “مسيح سيبيريا” أو فيساريون من جميع أنحاء البلاد، لبناء صرح ديني عند جبل سوخوي يعيدون توطين أنفسهم فيه. وهي على عكس المدينة الفاضلة الكلاسيكية لتوماسو كامبانيلا، موجودة بالفعل عند سفح سوخوي بالقرب من بحيرة تيبركول، على بعد ألف وخمسمئة كيلومتر من كراسنويارسك؛ حيث استأجروا أرضها لمدة 50 عاماً، وفي عام 2000 سجلوا مؤسستهم رسمياً في وزارة العدل باسم: “كنيسة العهد الجديد” وخطّوا طريقتهم وقواعدهم الصارمة في جميع مجالات الحياة الشخصية والاجتماعية.

سيرجي توروب، المسيح المعلم (تحت المظلة) يلتقي أتباعه في وادي الاندماج. (الصورة من موقع تاكيي ديلا تصوير: سيرجي كاربوف)

يتذكر مؤسسو فيساريون كيف في أوائل التسعينيات عاشوا لسنوات في الخيام المغطاة بالبلاستيك، وكيف تجمد الماء في الدلاء، قبل أن يبنوا منازلهم الأولى في التايغا ويثقوا في أنهم نجوا وثبَّتوا أقدامهم وأصبحوا أقوى بفضل الصلاة والتعليم، حتى جمعوا أخيراً نصوص العهد الأخير في ثمانية عشر مجلداً، لونها أحمر داكن، وعلى أغلفتها أحرف ذهبية، وهي موجودة على رفوف كل منزل في بيوت أتباع فيساريون.

“مدينة الشمس” صغيرة، عدد سكانها نحو ثلاثمئة نسمة (أربعين عائلة)، وحولها مجموعة من القرى النائية يصل المرء إليها من أباكان ثم يمشي عبر التايغا، يعيش فيها نحو خمسة آلاف آخرين ثُلثهم من الأطفال، وليس لدي سكانها سجلات، وقليلاً ما يتواصلون مع العالم الخارجي، ويصنعون معظم أثاثهم بأيديهم. سطوح منازلهم منحوتة من الخشب، وحدائقهم بألوان الخريف، وفيها برك ماء وزنابق ونوافير ومروج خضراء كالحرير، وكل ما فيها مميَّز؛ الفراولة والبطيخ والابتسامة على الوجوه وعدد الأشخاص السعداء وملابس الأطفال الفاخرة التي يروحون بها إلى المدرسة، وبعد المدرسة ينتظرهم العمل البدني والبستنة والموسيقى والباليه والطلاء، ويلعبون في فرق موسيقية للأطفال، أو يتجولون في الشوارع على الدراجات متينة الإطارات.

في مجتمع فيساريون لا أحد يشتم أو يقول ألفاظاً نابية، ولا أحد يشرب أو يدخن، أو يأكل اللحوم، وجميعهم يؤمنون بتوروب، الرجل الطويل الملتحي، “المسيح” الذي يرتدي سترة مخملية حمراء ويعيش مع النخبة من أتباعه عند الجبل، ويزور رعيته كل أربعة أشهر ليقول ذات العبارة: “كل شيء إلى فناء”.

في بدايات مجتمع فيساريون كانت القيود شديدة على الناس؛ ففي الرعاية الطبية مثلاً قال فيساريون: “لا يحتاج المؤمن إلى الشفاء، ولا شيء يساعد غير المؤمن”، ولذلك في عام 2000 بدأ المعلمون والعاملون الصحيون في مستشفى المنطقة دعوى قضائية ضد المجتمع، بعدها اجتمع الطاقم الصحفي لصحيفة “أرض الميعاد” الناطقة باسم الفيساريين وصرَّح بأن الرعاية الطبية لم تعد (خطيئة).

كذلك فُرضت قيود صارمة على نوع الطعام، ومُنع الناس من تناول أي طعام من أصل حيواني، باستثناء قطعة زبدةٍ يوم الأحد؛ بل كان هناك حظر لبعض الوقت على شرب الماء. تجول الفيساريون بين البيوت وأعلنوا أن: “السكر واللحوم سموم”، وحظروا الشاي والزيت، حتى الزيت النباتي، ولم يعد الناس يأكلون البيض والحليب. وشمل هذا الحظر طعام الأطفال.

اقرأ أيضًا: الانحدار العالمي للتدين

كما طلب فيساريون من أتباع طائفته في البداية أن يتخلوا تماماً عن ممتلكاتهم وأموالهم؛ لكنه سمح في ما بعد بالموبايل والتليفزيون واللواقط الفضائية، وإذا حلموا بالنقانق فيمكنهم الحصول عليها. كما استقبل فيساريون مراسلاً صحفياً بسيارة بيضاء فاخرة.

والطريف أن توروب، المسيح، فيساريون، الذي حظر الكحول، كان يشرب أحياناً؛ ما أثار غضب بعض مؤيديه. والطريف أنه في تعاطيه الكحول، يلقي المسيح بلومه على مؤيديه؛ لأنهم اضطروه إلى إدمانه: “لقد أوصلتموني إلى حالةٍ ألجأ فيها قليلاً؛ إلى هذا الدواء ليمكنني مواصلة العيش معكم”.

في مجتمع فيساريون، كما في روسيا كلها، عدد النساء أكبر من عدد الرجال، من هنا سمح فيساريون في طائفته بتعدد الزوجات، أو ما يُسمى بـ(المثلثات)، وقد جمع بنفسه حريماً كاملاً، من مبدأ أنه يولي الاهتمام لتكاثر أتباعه ومضاعفة عدد مجتمعه. وحاول إقناع النساء ألا يكن غيورات، وإقناع الرجال ألا يخافوا من الجمع بين زوجتَين. لكن زوجته “لوبوف” نفسها لم تستطع تحمُّل أن يكون لزوجها أكثر من زوجة، فهجرتْ زوجَها مؤسس الجماعة، ومن بعدها تفككت (مثلثات) أخرى.

كما حافظ فيساريون على ضريبة دخل سمَّاها (العُشور)؛ أي (ضريبة العُشر)، يدفعها سكان فيساريون بانتظام لميزانية المجتمع، ويدفع المعلمون في مجتمع فيساريون ثُلث رواتبهم ليوزَّع على أفراد يعملون بشكل غير رسمي.

سيرجي توروب، المسيح المعلم (تحت المظلة) يلتقي أتباعه في وادي الاندماج. (الصورة من موقع تاكيي ديلا تصوير: سيرجي كاربوف)

شهادات الأتباع

في يوم الثلاثاء التالي لاعتقال ثلاثة من قادة المجتمع، تبادل الأتباع الفصل الأخير من كتيب تعاليمهم عبر الإنترنت، رداً على محاولة حظر عقيدتهم وتدمير أدبهم.

مارينا بياتاكوفا؛ معلمة في مدرسة من مدينة الشمس، قالت: “كان على مرمى أبصارنا، كلنا نعرف زوجته الجميلة، وجميع أطفاله نشأوا ولعبوا ودرسوا مع أطفالنا.”

داريا: مدرسةٌ للغة الروسية وأدب العصور القديمة في سانت بطرسبرغ، جاءت لتقيم مع أسرتها في فيساريون، حين استقبلت الصحفيين كانت تعلِّب الخضار لزوجها وطفلَيها لفصل الشتاء، بينما ينحت زوجها دبّاً من الخشب سوف يطرحه للبيع. سألوها عما إذا كانت طائفة فيساريون تشبه طائفة جونستاون، (الطائفة التي انتهى الأمر بأفرادها إلى الانتحار الجماعي). قالت: “نحن مؤمنون، لا خلافات في منازلنا، ولا يمكن أن نفكر بسوء تجاه الآخرين..”.

قال رئيس البلدية فياتشيسلاف أوسيبوف: “لا أدري عن أي ضغط يتحدثون! يعيش الناس هنا كلٌّ في منزله وحديقته الخاصة، ويتجولون بأمان، ويريدون جلب أهاليهم إلى هنا حيث السلام. ما كانوا ليفعلوا لو كان عليهم ضغوط. الحظر الوحيد عندنا على الشتائم والتدخين! هل هذا سيئ؟”.

في سياق الحوار، تبين أن رئيس البلدية كان على صلة وثيقة مع الفيساريين، كان يحميهم؛ لكنه رفض الجواب قطعياً حين سألوه إن كان هو نفسه من أتباع هذا المجتمع!

إلينا بلوتنيكوفا وصفت دخول الأمن إلى مدينة الشمس بالهجوم المستفز، “قافلة جنود، أحضروا معهم أقفاصاً للمرضى العقليين، أرتال سيارات، أخذوا المعلم وفاديم بطائرة مروحية. خفتُ على أطفالنا منهم”.

سأل الصحفي إيلينا، 48 عاماً: “لماذا أنتِ هنا في التايغا؟”. أرتهم صور والديها المعوقين وصور أطفالها. قالت: “إنها قصة طويلة. والداي معوقان وعلى الكرسي المتحرك، كانا في دار لرعاية المسنين. أجهض الأطباء حمل أمي الأول؛ لأنه يفترض بالمعوقين ألا ينجبوا، وحين حملت بي أخفت الخبر، ولدتني وأرسلتني إلى دار الأيتام. ليس في يد أبي سوى أصبعَين، تعلَّم بهما الحياكة لإخراجي من دار الأيتام وإعالتنا، نشأتُ في غرفة صغيرة. حين صار عمري 17 عاماً دعاني صديقي للقاء المعلم، الذي زارنا بعدها ومعه مساعده ريدكين، وغيرا حياتنا بانتقالنا معهما إلى هنا، أنجبت سبعة أطفال، وزوجي يحبني ونحن سعداء. هنا وجدت السلام”. كان زوجها يعزف أثناء اللقاء، وابنتهما بولينا، 10 سنوات، تتأرجح على أرجوحة، بينما قالت عن أبنائها الأكبر سناً إنهم اختاروا الحياة الدنيوية.

إيلينا ميلنيكوفا؛ امرأة أخرى، أخبرتنا أن زوجها عالم الفيزياء النووية أحضرها إلى هنا، باع شقة في نوفوسيبييرسك أكاديمغورود، وتبرع إلى مجتمع فيساريون بربع ثمنها. خلال وجودها في الطائفة أنبأها فيساريون بيوم القيامة مرتَين: الأولى عام 1996، هدَّد فيساريون بأنه لن ينجو على هذا الكوكب سوى المؤمنين، ثم تأجلت نهاية العالم حتى عام 2003، قال لهم: “انتظروا حدوث انفجار في نيفادا، وسوف يقضي كوكب نيبيرو الطائر إلى كوكب الأرض على جميع الآثمين”.

تتذكر ميلنيكوفا أن توروب ورفاقه لم يطلبوا المال علناً؛ لكنهم قالوا إن مَن لا يعطي ليس عليه بالمقابل أن يطلب شيئاً، والذين والوا فعلاً جلبوا كل شيء.

تشير ميلنيكوفا إلى أنه “يتمتع الرجال هنا بالامتيازات. النساء يعانين، يتعرضن إلى ضغوط؛ كان بينهن انهيار عصبي وذُهان، الآن تم تخفيف القواعد، صار الأطفال يذهبون إلى مدارس التعليم العام بعد أن كانت محظورة في السابق. أمرت المحكمة بأن يتلقى أعضاء فيساريون التعليم الإلزامي، بعدها قامت الطائفة ببناء مدارسها الخاصة في قريتَين، وفي باقي القرى ذهب الأطفال إلى المدارس العادية.

أحد طقوس مجتمع فيساريون. (الصورة من موقع ريا نوفوستي تصوير ألكسندر كرياجيف)

اعترفت إيلينا أنها لا تقتنع بنظام فيساريون الغذائي، وأنها تشاجرت مع زوجها لهذا السبب، وبقي مُصراً عليه حتى أصيب ابنها الأكبر بفقر الدم؛ نتيجة تحريم الكثير من الغذاء، والأطفال يحتاجون إلى تغذية منوعة، أصبح عمر طفلها 12 سنة، ولم يرتفع ضغطه أعلى من 70 إلى 40. قالت إيلينا إن وفيات كثيرة حدثت؛ بما في ذلك الأطفال أثناء الولادة، مرَّة تمكنوا بالكاد من نقل شخص بالمروحية إلى وحدة العناية المركزة.

كان هناك في مدينة الشمس العقيد ماليكا: اشتغل كمحامٍ سابقاً، والآن يعزف الباص في أوركسترا سيبيريا. والعقيد ألكساندر يعزف الآن على الكلارينيت، وكان مسؤولاً عن نحو ألف مصفٍّ ممن كانوا يصفّون الناس في تشيرنوبيل. جاء عام 2004 إلى التايغا محبطاً تماماً من حياته في موسكو. قال ألكسندر: “كان لديَّ شعور داخلي بعدم الرضا عن كل ما فعلته. أدركت أن الناس ببساطة لا يعرفون كيف يتوصلون إلى اتفاق في ما بينهم، فليتفقوا بدلاً من أن يركضوا فوراً إلى المحكمة. حاولت أن أشرح لماذا قررت المغادرة إلى هنا ولم يفهموني، مثلما حاولت أن أشرح للمحققين لماذا آمنتُ بفيساريون، وصنفوها (منظمة متطرفة). يبدو أن هناك نية لحظر إيماننا”.

فلاديمير ألكساخين؛ عقيد سابق في وزارة الطوارئ، وعمل كحارس إنقاذ في تشيرنوبيل والشرق الأقصى قبل أن يعتنق الإيمان بفيساريون وينتقل إلى إقليم كراسنويارسك. نحو عام 2000 استأجر الأرض في وسط أباكان، وتعلم البستنة، وصمم حدائق الأحلام والإلهام. أنتجت شركته دخلاً جيداً وتبرعت للمجتمع بملايين الروبلات؛ من أجل المعدات والبذور والشتلات، من أجل الخير، وانتقل هو وعائلته إلى الجبل. يقول: “لا أعتبر المعلم هو المسيح، هو قبل كل شيء صديق عزيز عليَّ، سافرنا كعائلات إلى تايلاند وإيطاليا، ودفعت تكاليف رحلاتنا”.

يبلغ عمر فيساريون الآن 62 عاماً، ومع أن مجتمع فيساريون قد تغيَّر بوضوح في السنوات الأخيرة؛ لكن ما كان يبدو على مؤسسه، حتى لحظة اعتقاله، أنه لا يزال يريد أن يبقى مجتمعه خاصاً ومغلقاً..

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة