الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

اعترافات إيخمان حول “الحل النهائي”

تم الكشف مؤخراً عن تسجيلات أدولف إيخمان التي يعترف فيها بمسؤوليته عن أعمال الإبادة التي قام بها النازيون ضد اليهود والأقليات في ألمانيا

كيوبوست- ترجمات

نيريت أندرمان

الفيلم الوثائقي “اعترافات الشيطان: تسجيلات إيخمان المفقودة” يقدِّم عرضاً مروعاً لاعترافات إيخمان بناءً على التسجيلات التي كانت مفقودة طوال السنوات الماضية. نيريت أندرمان من صحيفة “ها آرتس” كتبت مقالاً تستعرض فيه هذا الفيلم، وتثير تساؤلات حول إحجام إسرائيل عن استخدام التسجيلات أثناء محاكمة إيخمان.

قبل نحو ثلاث سنوات من القبض عليه في بوينس آيرس التقى أدولف إيخمان -وهو أحد المسؤولين عن تنفيذ “الحل النهائي” للمسألة اليهودية في ألمانيا النازية- مع الصحفي الهولندي ويليم ساسن الذي قام بتسجيل اعترافاته المطولة حول الدور الذي لعبه في إبادة اليهود، بصفته رئيس قسم اليهود في الغستابو.

قال لإخمان متبجحاً: “لو أننا قتلنا 10,3 مليون يهودي كنت سأشعر بالرضا، وسأقول: حسناً، لقد دمرنا العدو. من الصعب قول ذلك، وأنا أعرف أنه سيتم الحكم عليّ بسبب ذلك، ولكن هذه هي الحقيقة”. كان إيخمان متعجرفاً إلى درجة تقديم أرقام ومعلومات حول طريقة عمل آلة الموت النازية، والتفاخر بمساهمته في هذه الجرائم. ولكنه لم يكن يتصور أنه في غضون سنواتٍ قليلة سيمثل أمام المحكمة في إسرائيل، وسيكون الشخص الأول الذي ينفَّذ فيه حكم الإعدام في إسرائيل.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يزال الهولوكوست حدثاً مهماً؟

نشرت صحيفة “لايف ماغازين” اقتباسات من تسجيلات إيخمان. وبعد القبض عليه، وجلبه للمحاكمة في القدس، أراد المدعي العام أن يستخدم التسجيلات كدليلٍ لدحض دفاع إيخمان الذي كان يدعي أنه كان ينفِّذ أوامر رؤسائه فقط. رفضت المحكمة قبول اقتباسات الصحيفة كدليل ضده، وطالبت الادعاء بتقديم أشرطة التسجيلات الأصلية. لكن التسجيلات كانت مفقودة، ولم يسمع العالم بصوت إيخمان حقيقة ما حدث في أقبية آلة القتل النازية.

ظلت التسجيلات مفقودة حتى نهاية التسعينيات، حيث تم استرداد نحو 15 من أصل 70 ساعة من التسجيلات قدمها مالكها المجهول إلى الأرشيف الألماني، ولكنه رفض السماح بنشرها لسنواتٍ. والآن فقط، في الفيلم الإسرائيلي الجديد الذي سيُعرض في مهرجان دوكافيف للأفلام الوثائقية في تل أبيب هذا العام، سيكون من الممكن الاستماع إلى أحد مهندسي “الحل النهائي” الرئيسيين، يشرح بصوته كيف تم تنفيذ هذا المشروع المروِّع، وماذا كان سيحدث لو تمكن النازيون من تحقيق أهدافهم.

أدولف إيخمان أثناء محاكمته في القدس- ها آرتس

تمكن المخرج الإسرائيلي ياريف موزر من تحديد مكان التسجيلات، وحارب للحصول على إذن لاستخدامها في إنتاج فيلم وثائقي، وجنّد مستثمرين لإنتاج واحدٍ من أكثر الأفلام التي تم إنتاجها في إسرائيل كلفة. وإلى جانب الكشف عن بشاعة جرائم النازية، يكشف الفيلم أيضاً عن المصالح والتدخلات السياسية التي حدثت وراء كواليس المحاكمة، والتي حالت دون الاستماع للتسجيلات فيها.

يقول موزر: “ليس لديّ أي دليل على أن أحداً سيأتي ويقول صراحة إن بن غوريون هو من أعطى الأوامر بألا يتم الاستماع إلى التسجيلات في المحكمة، ولكن هذا هو استنتاجي”. ويضيف: “ربما يكون من المبالغة القول إن إيخمان هو مهندس الحل النهائي، فقد كان هنالك آخرون قبله مثل هيدريش، هيملر، مولر، لكنه هو كان المنفذ. وبناء على توقيعه، تم قتل ما لا يقل عن مليونين ونصف المليون يهودي”.

اقرأ أيضاً: مسلم بريطاني يوضح أهمية الاحتفاء بذكرى الهولوكوست

ثم يقول في وصف إيخمان: “لقد كان أكثر من مجرد موظف. كان مخلصاً في وظيفته إلى درجة التعصب، وكان مهووساً بتحقيق أقصى ما يمكنه فعله، وليس لديّ أدنى فكرة أنه كانت هنالك عدة مرات تلاعب فيها بالنظام كي يعمل بالطريقة التي يريدها”.

كان الصحفي الهولندي ساسن نازياً، وهرب مثل كثيرٍ من النازيين إلى الأرجنتين، واستقر هناك. كان ساسن يعتقد أن إبادة اليهود لم تحدث، وأن العالم لفّق الاتهامات لتشويه صورة هتلر. ووفقاً لاعترافات إيخمان، فإن غرض ساسن من المقابلة كان إثبات أن هتلر لم يكن على علم بالمخطط لإبادة اليهود.

إيلي غورنشتاين، إلى اليسار في دور إيخمن- ها آرتس

التقى الرجلان على مدى أشهر في بيت ساسن، حيث تم تسجيل ساعاتٍ طويلة من الاعترافات التي يقول فيها إيخمان إن مذابح الهولوكوست قد تم التخطيط لها بعناية، ويقر بأنه كان يعلم أن العديد من اليهود الذي تم إرسالهم بناء على تعليماته إلى معسكرات الاعتقال كان مصيرهم الإبادة، ويعلن أنه لا يشعر بأي ندم على ذلك.

قال إيخمان في تسجيلاته: “لم أكترثْ بمصير اليهود المرحلين إلى معتقل أوشفيتز، كانت أوامر الفوهرر واضحة، اليهود القادرون على العمل سيعملون، وغير القادرين سيرسلون إلى الحل النهائي”. ويروي في تسجيلٍ آخر كيف أخبره قائد لواء من قوات الأمن الخاص أنهم “سيضعون في الحمامات مرشات تشبه الدش، ثم يجلبون الحمقى ويطلقون منها غاز سيانيد الهيدروجين”.

اقرأ أيضاً: معرض لمأساة الهولوكوست في دبي

ويبدو أن إيخمان قد توصل إلى اتفاقٍ مع ساسن، يقوم بموجبه الضابط إيخمان بإعطاء ساسن معلوماتٍ تفصيلية عن عملة الآلة النازية، وفي المقابل يتعهد الأخير بعدم نشر محتوى المحادثة طالما أن إيخمان لا يزال على قيد الحياة. ولكن سرعان ما انهارت هذه الاتفاقية بعد اعتقال الموساد لإيخمان، حيث أدرك ساسن أنه يمتلك كنزاً ثميناً، فقرر بيع حقوق نشر مقابلاته إلى صحيفة “لايف ماغازين”.

وفي عددها الصادر في 28 نوفمبر 1960 نشرت الصحيفة مقالها “إيخمان يحكي قصته الملعونة”. لم يستطع إيخمان فعل أي شيء سوى إنكار ما نشرته الصحيفة أثناء محاكمته. وظلت الحقيقة الواضحة مسجلة على الأشرطة التي يتم نشرها الآن فقط.

صحفيون يحضرون محاكمة إيخمان- ها آرتس

يوضح موزر أن التسجيلات ظلَّت مفقودةً لسنواتٍ عديدة، وهو يعتقد أن ساسن شعر بتأنيب الضمير على خيانته لإيخمان، فأعطى التسجيلات لعائلته، وفي التسعينيات باعت العائلة التسجيلات لناشرٍ ألماني قبل أن ينتهي بها المطاف في الأرشيف الوطني الألماني. وبعد أن تأكد الأرشيف من صحة التسجيلات، قام بتمرير بضع دقائق منها لوسائل الإعلام، حيث عرضت خمس أو ست دقائق في مسلسل وثائقي ألماني في أواخر التسعينيات.

ولكن موزر كان مصمماً على الوصول لكاملِ التسجيلات، وبعد وساطة من رئيس الأرشيف الألماني وافق مالك التسجيلات المجهول. وأدركت هيئة البث العامة الإسرائيلية أهمية الفيلم، وقررت الاستثمار فيه، وكذلك فعل عدد من المستثمرين الأمريكيين، وقدمت شركة MGM ميزانية تقدر بنحو 2.34 مليون دولار، إلى جانب مساهمة ميفال هبايس، وصندوق جيشر للأفلام، والصندوق الإسرائيلي للسينما، وبدأ العمل على إنتاج الفيلم.

اقرأ أيضاً: حاييم سعدون: إنكار الهولوكوست غير مقبول.. والمغرب يعتبر اليهود أبناء

أصر موزر على استخدام تسجيلات ساسن الأصلية في الفيلم، على الرغم من رداءة الصوت فيها، واستحضر ممثلين يتكلمون الألمانية، وطلب منهم تحريك شفاههم بالتزامن مع التسجيل الأصلي، وقام باستخدام تقنية الدبلجة العكسية. واتخذ قراراً فنياً آخر يقضي بتلوين المشاهد الأرشيفية الأصلية المستخدمة في الفيلم على الرغم من معارضة المنتجين الأمريكيين في بداية الأمر، لأنهم يعتبرون أن “هذه المواد أصبحت في حكم المقدسة باللونين الأبيض والأسود”. وكانت هيئة البثّ الإسرائيلية قلقة من إعادة إحياء شخصية إيخمان، ولكنها وافقت على الأمر في نهاية المطاف.

تشير كاتبة المقال إلى أن أحد الأجزاء الأكثر إثارة في الفيلم، هو عندما يكشف موزر من خلال المحادثات والوثائق عن الكيانات المختلفة التي كانت تتدخل من وراء الكواليس في محاكمة إيخمان. حيث يشير الفيلم إلى المشروع النووي الإسرائيلي الألماني الذي تطلب أموالاً أكثر بكثير مما تمتلكه الحكومة الإسرائيلية، كما يرسم الفيلم صورة لمحاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بن غوريون إقناع المدعي العام بعدم ذكر الأمور التي يمكن أن تحرج الحكومة الألمانية. ويقول موزر: “كان شرط ألمانيا لاستخدام أموالها في المشروع النووي، هو وقف محاكمات النازيين ومطاردتهم”.

بن غوريون كان يخشى أن تحرج تسجيلات ساسن الحكومة الألمانية- ها آرتس

كذلك أرادت الحكومة الإسرائيلية عدم إثارة قضية رودولف كاستنر [صحفي هنغاري اشتهر بمساعدته لليهود في أوروبا الشرقية في الهروب من النازية أثناء الهولوكوست، اغتيل عام 1957 بعد أن وجهت له محكمة إسرائيلية تهمة التعاون مع النازية- المترجم] الذي ذكره إيخمان في تسجيلاته.

يقول موزر: “بصفتي منتج أفلام وثائقية، أود أن أعلن أنني لا أقدم الحقيقة كما هي فعلاً، فهذا الأمر غير ممكن، ولكنني أقدمها كما أراها.” ويضيف: “أنا لستُ مخطئاً، لكن ليس لديّ دليل قاطع لأن الموساد والشين بيت لا يفتحان أرشيفيهما. وما لم تكشف الحكومة الإسرائيلية، والموساد والشين بيت، عن وثائقهم السرية، فلن نتمكن من معرفة الحقيقة الكاملة. وآمل أن يدفع هذا الفيلم إسرائيل إلى فتح هذا الأرشيف. نحن الدولة الوحيدة في العالم التي تخفي وثائق متعلقة بالحرب العالمية الثانية”.

المصدر: ها آرتس

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة