الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

اعتذار ألماني عن الإبادة الجماعية في ناميبيا.. فماذا يقول التاريخ؟

كيوبوست

بعد مفاوضاتٍ دامت أكثر من خمس سنوات، حول إبادة جماعية نفذتها ألمانيا بحق شعبَي “هيريرو” و”ناما” في ناميبيا، منذ أكثر من مئة عام، اعترفت ألمانيا، ولأول مرة في تاريخها، بارتكابها إبادة جماعية خلال استعمارها ناميبيا، متعهدةً بتقديم مساعدات بمبلغ يزيد على مليار يورو، سيُدفع على مدى 30 عاماً، على أن يستفيد منه في المقام الأول أحفاد هذين الشعبَين.

 

وفي بيانٍ صادر عنه، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس: “اعتباراً من اليوم سنصنف رسمياً هذه الحوادث بما هي عليه في منظور اليوم: إبادة جماعية”، وأضاف: “في ضوء المسؤولية التاريخية والأخلاقية لألمانيا، سنطلب الصفح من ناميبيا، ومن أحفاد الضحايا” عن “الفظائع” التي ارتكبت بحقهم.

لكن تاريخ الفظائع الألمانية تلك يسبق تاريخ المجزرة؛ فقد استعمرت ألمانيا ناميبيا الواقعة جنوب غرب إفريقيا منذ عام 1884.

الاستعمار الألماني لناميبيا

وقعت ناميبيا تحت الاستعمار الألماني رسمياً عام 1884م، ضمن ما عُرف بـ”التدافع على إفريقيا” الذي بدأ بحلول أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر؛ إذ خططت دول غربية كبريطانيا وبلجيكا والبرتغال وفرنسا، وغيرها، لغزو إفريقيا والسيطرة على مواردها؛ ومنها الذهب والألماس.

لذلك سارعت ألمانيا لحجز مقعد لها في القارة الإفريقية، عبر التسلل من خلال مركز تجاري أنشأه التاجر الألماني “فرانز أدولف لودريتز” عام 1883م، في جنوب غرب إفريقيا (ناميبيا حالياً)، ثم استحوذت أيضاً على المنطقة الساحلية المجاورة، وكانت تلك المنطقة أول مستعمرة وقعت تحت الحماية الألمانية بتاريخ 24 أبريل 1884؛ ومنها امتد الاستعمار الألماني إلى داخل ناميبيا.

وفي عام 1890م، وقَّعت كل من ألمانيا وبريطانيا العظمى معاهدة زنجبار، وبموجبها توسَّع الاستعمار الألماني في ناميبيا، فاستولت على 280 ميلاً (450 كم) إضافية في أقصى شمال شرق الإقليم.

أحد السكان المحليين تم جلده من قِبل مُزارع ألماني- تصوير: رينيش يوهان جاكوب إيرل/ السجلات الألمانية/ أرشيف ولاية ناميبيا

ولأن المستعمرين الألمان تبنوا أفكاراً داروينية، فاعتبروا أن سكان ناميبيا المحليين أقل تطوراً من البشر، وأن تطورهم لم يكتمل! وأشاروا إليهم على أنهم “قرود البابون”، ومارسوا أبشع أنواع الاضطهاد والقمع؛ فقد كان المستعمرون الألمان يطلقون الرصاص على السكان الأصليين دون سبب، كما كانوا يعتدون على النساء جنسياً ويغتصبونهن، واستولوا تدريجياً على الأرض والماشية، وسيطروا على مصادر الألماس والذهب.

رأس أحد سجناء جزيرة القرش استُخدم للتجارب العرقية- ويكيبيديا

ونتيجة لنظرتهم الفوقية تجاه أنفسهم، وتبنيهم أفكاراً مشوشة حول نظرية النشوء والارتقاء، وحلقات التطور المفقودة؛ قام الألمان بنبش قبور أسلاف شعب الهيريرو وسرقة جماجمهم؛ لفحصها ودراستها.

إبادة شعبي هيريرو وناما

كل تلك السلوكيات الإجرامية، دفعت بشعب الهيريرو، وتبعه شعب ناما، لمحاولة إنقاذ أنفسهم وأرضهم من المحتل الألماني، وفي ذات الوقت اعتبر مؤرخون أن ممارسات المستعمرين كانت مقصودة؛ لخلق حجة تدفع السكان المحليين إلى ثورة تمكِّن الألمان من ارتكاب مجزرة.

وفي هذا السياق، صرَّح الجنرال الألماني لوثر فون تروثا، الذي كُلِّف لإدارة الإبادة الجماعية، لصحيفة ألمانية “في البداية، لا يمكننا الاستغناء عن السكان الأصليين؛ لكن عليهم في النهاية أن يذوبوا”، وأصدر أمراً يقضي بصد أية محاولة للوقوف في طريق الاحتلال الألماني للمنطقة بكل الطرق، وكان خيارهم الإبادة الجماعية ما بين 1904م- 1909م.

الجنرال لوثار فون تروثا- ويكيبيديا

وخلال الإبادة، التي وصفها مؤرخون بأنها أولى المذابح الجماعية التي شهدها القرن العشرون، أعطت ألمانيا لجنودها الضوء الأخضر لكبح السكان الأصليين، وبدورهم مارس الجنود أبشع أنواع القمع، ابتداء من الاعتقال والتشريد والعزل في معسكرات حتى الموت، وصولاً إلى التعذيب والقتل.

اقرأ أيضاً: الأرمن يحيون ذكرى الإبادة الجماعية ويحذرون من خطر أردوغان

وتشير التقديرات إلى أن نحو 80% من شعب “هيريرو” ونحو 50% من شعب “ناما” تعرضوا إلى الإبادة؛ فقد كان عدد أفراد شعب هيريرو ثمانين ألفاً، وبعد الإبادة بقي منهم عشرون ألفاً فقط، أما شعب ناما فقد كان عددهم عشرين ألفاً، ليتقلص إلى عشرة آلاف.

القوات الألمانية تهاجم شعب هيريرو- لوحة لريتشارد كنوتل- ويكيبيديا

وخلال الإبادة الجماعية، اضطر بعض السكان المحليين إلى الهرب إلى الصحراء؛ مما تسبب في وفاة معظمهم من العطش، بينما أُرسل جزء من الشعبَين إلى معسكرات الاعتقال؛ مثل معسكرات جزيرة القرش، حيث مات الكثيرون بسبب سوء المعاملة والأشغال الشاقة.

اقرأ أيضًا: ما هو الفرق بين “التطهير العرقي” و”الإبادة الجماعية”؟

كما قامت ألمانيا بالاحتفاظ بجثث القتلى؛ لاستخدامها في دراساتٍ عنصرية، وبيع الجماجم والعظام لجامعات؛ بغرض إجراء دراساتٍ عرقية عليها. وقبل بيع تلك الجماجم، أُجبرت نساء سجينات من شعبي هيريرو وناما، على غليها ونزع فروة الرأس عنها، وإزالة الأدمغة والعينَين، لجماجم تعود إلى أشخاصٍ أعزاء عليهن.

تحررت ناميبيا من الاستعمار الألماني عام 1915، باستسلام قواتها، لقوات اتحاد جنوب إفريقيا، التابعة لبريطانيا العظمى، وذلك ضمن الهزائم المتلاحقة التي مُنيت بها ألمانيا خلال الحرب الأولى، التي انتهت هي الأخرى بتوقيع اتفاقية فرساي؛ واستسلام الألمان.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة