الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

استهداف المساجد في الهند يثير المخاوف من تجدد صراعات دينية

كيوبوست

استناداً إلى مبادئ حقوق الإنسان ومبدأ التعددية، لا يسمح للأغلبية في دولة ما أن تضطهد الأقليات، أو أن تُصادر حقوقهم وحرياتهم الأساسية، سواء أكانت تلك الأقليات عرقية أم دينية؛ إلا أن ذلك يحدث في كثير من الأحيان، ولا يقتصر على جماعة متمكنة دون غيرها.

وتتجسد حالة فرض جماعة ما على الآخرين، لكونها تمثل الأكثرية، في ما يجري في الهند مؤخراً؛ ففي سياق الاضطهاد الذي يتعرض إليه المسلمون كأقلية، يبلغ عدد أفرادها 200 مليون، ادعى الهندوس، وهم الأكثرية، أن مسجد “جيانفابي” يحتوي على عامود حجري يرمز إلى الإله الهندوسي “شيفا”، علماً بأن المسجد يقع في مدينة “فاراناسي”؛ أقدس مدينة في الهند بالنسبة إلى الهندوس، ويحاذي معبد “هندو كاشي فيشواناث الكبير”. ومن جانبهم، رفض المسلمون هذا الادعاء.

مجريات الخلاف

بدأ الخلاف حول مسجد “جيانفابي”، بعد أن تقدمت خمس نساء هندوسيات بالتماس إلى محكمة محلية، مطالبات بحقهن بالصلاة داخل مجمع المسجد؛ بسبب العامود الحجري الموجود داخل المجمع.

من جانبها، قامت محكمة محلية بتعيين فريق لمسح المسجد، خلص إلى أن العامود الحجري الموجود في المجمع يرمز إلى الإله الهندوسي “شيفا”، بينما رفضت سلطات المسجد الادعاء، وقالت إن تلك الآثار هي في الواقع نافورة.

وبناء على تقرير مقدَّم من فريق المسح، منعت محكمة أدنى، المسلمين، من إقامة تجمعات صلاة بأعداد كبيرة، إلا أن المحكمة العليا في ما بعد سمحت للمسلمين بالصلاة في المسجد، وأيدت قرار محكمة في ولاية “أوتار براديش” برفض دعوى تطالب بهدمه. كما أمرتِ السلطاتُ المحلية بإغلاق وحماية المنطقة التي تم العثور فيها على العامود الحجري.

اقرأ أيضاً: الصعود المستمر للقومية الهندوسية

أما الأسس المتجذرة للصراع الديني، فتتمثل في اعتقاد الجماعات الهندوسية اليمينية أن المغول، الذين حكموا الهند بدءاً من القرن السادس عشر لمدة تقارب 300 عام، بنوا العديد من المساجد على أنقاض معابد هندوسية مهمة هدموها، مدعين أن مسجد “جيانفابي” هو أحد هذه المساجد.

تعميق الصدع الديني

بينما أثارت هذه الممارسات الهندوسية المخاوف من تعميق الصدع الديني بين الأغلبية الهندوسية والمسلمين في الهند، وتقويض الأسس العلمانية للبلاد، خصوصاً أن المسجد المستهدف ليس الأول ولا الوحيد.

كما أن حزب “بهاراتيا جاناتا” القومي الهندوسي الحاكم في الهند، بدلاً من إخماده فتيل الصراع، قام بإذكائه، ويمكن تقفي ذلك بالنظر إلى تصريحات أعضائه؛ ومنها تعليق الوزير المنتمي إلى الحزب “كوشال كيشور”، على نتائج مسح المسجد؛ إذ قال: “ذلك يعني أنه موقع معبد”، مفسراً ذلك بأنه يجب أن تتاح للهندوس الصلاة فيه.

اقرأ أيضاً: صعود حركة هندوتفا يلقي بظلالٍ من الشك حول مستقبل الأقليات في الهند

وذكَّر الخلاف الدائر مؤخراً حول مسجد “جيانفابي”، بما حدث مع مسجد “بابري” في مدينة أيوديا، الذي هدمته جماعات هندوسية عام 1992م، بدعم من الحزب نفسه الذي شجَّع منذ الثمانينيات على بناء معبد مخصص للإله راما في موقع المسجد؛ حيث وقعت حينها أعمال شغب طائفية دامية أسفرت عن مقتل الآلاف، معظمهم من المسلمين، وكانت سبباً في وصول رئيس حزب بهاراتيا جاناتا، ناريندرا مودي، إلى رئاسة الوزراء خلال انتخابات عام 2014م.

من أعمال العنف والهدم التي دارت في جامع “بابري” 1992م- أرشيف صحيفة “التليغراف” الهندية

وبعد أعمال العنف تلك عام 1992م، جَرَت محاولات لتسوية الخلاف؛ ولكنها فشلت، وبناءً عليه سلَّمت المحكمة العليا الموقع إلى الهندوس في عام 2019م، وخصصت موقعاً بديلاً للمسلمين لبناء مسجد.

معالم مستهدفة أخرى

ومع أن الجماعات الهندوسية المتطرفة تستهدف حالياً مسجد “جيانفابي”، إلا أن تركيزها الأساسي ينصب على “تاج محل” الذي بناه المغول بين الأعوام 1631م- 1648م، بأمر من الإمبراطور المغولي “شاه جهان”؛ لتخليد ذكرى زوجته الراحلة “ممتاز محل”.

ويعد تاج محل رمزاً عالمياً للحب، وجوهرة العمارة الهندية، وأبرز المعالم السياحية الرئيسية فيها، وواحداً من المواقع المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، إلا أن الهندوس أجروا تحركات للحصول على الحق في الصلاة فيه، بدعوة أنه بُني في موقع حرم قديم مخصص للإله “شيفا”.

تاج محل- M & G Therin-Weise

واستكمالاً لتلك التحركات، قدَّم هذا الشهر أحد أعضاء حزب “بهاراتيا جاناتا” في أوتار براديش، التماساً لإجبار وكالة الآثار الهندية على فتح عشرين غرفة في تاج محل، ادعى أنها تحتوي على تماثيل هندوسية؛ لكن الهيئة نفت وجود تماثيل، ورفضت المحكمة الالتماس.

مسجد “شاهي إدجاه”- أرشيف

ولم يتوقف الأمر عند تاج محل؛ إذ وافقت محكمة هندية على النظر في طلب لتدمير مسجد “شاهي إدجاه” في مدينة ماثورا، والذي بناه الإمبراطور المغولي “أورنج زيب”، بعد أن غزا المدينة ودمر معابدها عام 1670م، ويعتقد الهندوس أن المسجد بُني على أنقاض معبد هندوسي؛ حيث ولد الإله “كريشنا”.

كما يندرج مسجد “قطب منار” في ولاية دلهي، تحت خطر الهدم، فبعد أن رفضت محكمة ولاية دلهي دعوى هدمه في فبراير الماضي، وعلقت على قرار رفضها: “نحن لا ننكر أخطاء الماضي؛ ولكن ما حدث في الماضي لا ينبغي أن يعكر السلم الذي نعيشه في الحاضر”، فتقدمت جماعة “مهكال ماناف سيفا” الهندوسية، بطلب جديد إلى المحكمة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة