الواجهة الرئيسيةدراساتشؤون دوليةشؤون عربية

استهداف المساجد.. إرهاب في الشرق والغرب

دراسة أخيرة تؤكد استمرار عمليات استهداف المساجد في الشرق من جانب الجماعات الإرهابية وفي الغرب من جانب اليمين المتطرف

كيوبوست

كشفت دراسة “قنابل ومآذن.. خرائط الإرهاب ضد المساجد خلال العقد الماضي” عن استمرار عمليات استهداف المساجد في الشرق باعتبارها “معابد للجاهلية”، من جانب الجماعات الإرهابية، وفي الغرب من جانب اليمين المتطرف؛ نتيجة “الإسلاموفوبيا” والشعور المتزايد بالقلق من الإسلام.

وقالت الدراسة، الصادرة عن مركز سلام لدراسات التطرف التابع لدار الإفتاء المصرية، إن الهجوم على دور العبادة يعد أحد أبرز مظاهر الإرهاب العالمي والمحلي؛ سواء أكانت إسلامية أم مسيحية أم يهودية، حيث يتخذ الإرهاب ضد دور العبادة بشكل عام صوراً وأنماطاً مختلفة؛ حيث تشمل كل أنواع العنف التي تستهدف المصلين داخل تلك الدور أثناء تأدية بعض طقوسهم أو في مناسباتهم الدينية، وتهدف تلك العمليات الإرهابية بشكل أساسي إلى إراقة دماء المصلين أو تدمير الدور وممتلكاتها وأصولها بأشكال تخريبية موسعة.

قتل 56 شخصا على الأقل في تفجير استهدف مسجدا للشيعة، في مدينة بيشاور -“EPA”

وأشارت إلى أن العمليات الإرهابية ضد المساجد نفذت بعدة أنماط وأسلحة متنوعة؛ منها العمليات الانتحارية، أو استخدام الدراجات والسيارات المفخخة، أو زرع لغم أو قنابل وتفجير السترات المتفجرة، أو إطلاق نار بشكل عشوائي، لافتةً إلى أن الفترة من 2009 حتى 2019 سجلت ارتفاع عدد العمليات الإرهابية ضد المساجد بوصفها دور عبادة للمسلمين في مختلف الأقطار، واستخدمت فيها أسلحة متنوعة ومختلفة راح ضحيتها آلاف المصلين المسلمين، حيث وقعت 184 عملية إرهابية أسقطت أكثر من 3447 قتيلاً وإصابة أكثر من 6333 مصاباً، مع تصاعد عمليات العنف خلال الفترة من 2015 حتى 2019.

وأوضحت الدراسة أن الجماعات المتطرفة تنظر إلى المساجد المقامة في البلاد الإسلامية باعتبارها “معابد الجاهلية”؛ لأنها مقامة في مجتمعات لا تطبق أفكارهم؛ وعلى رأسها “الحاكمية”، فالمجتمع الذي لا يطبق أفكارهم “جاهلي”، والمساجد الموجودة فيها “مساجد جاهلية”، وإن أُقيمت فيها الشعائر الإسلامية، بل وينظر إلى المساجد التي تُبنى من التبرعات التي تُجمع من المواطنين ويكون الهدف منها التقرب إلى الله، على أنها تتحول إلى مساجد ضرار بعد أن تخضع لإشراف الجهات المختصة انطلاقاً من أن الدولة تضع لها أئمة من علمائها؛ وهم في وجهة نظرهم “علماء سلطة وشيوخ السلطان”.

لم يرَ سيد قطب في الثقافة الغربية إلا الفسق والابتذال والمادية- أرشيف

فكر قطب و”القاعدة”

ترتبط قضية جواز الاعتداء على المساجد وتدميرها عند الجماعات الإرهابية بفكرة تكفير الأئمة العاملين في هذه المساجد والمشرفين عليها؛ حيث تشير إحدى هذه الفتاوى إلى أن الجماعات التكفيرية تنظر إلى الأئمة العاملين في هذه المساجد والخاضعين لقوانين الدولة، على أنهم “مشركون”، ومَن يصلي خلفهم؛ فلا نعمة ولا كرامة تصله من هذه الصلاة، والمصلى خلفه وإن كان يعلم بكفره فهو ليس بمصلٍّ بل هو ممن اتخذوا دينهم لعباً، وصلاته مردودة عليه.

تقول الدراسة إن سيد قطب، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وضع قاعدة “جاهلية المجتمع” كمحدد رئيسي للعلاقة بين الإرهابيين والمتطرفين والمجتمع؛ فصفة الجاهلية تشمل كل شيء داخل المجتمع، حتى المساجد التي يؤدي فيها المسلم عبادته بشكل يومي، فنزع عنها أية صفة للقدسية بحيث يتم التعامل معها دون قيد أو مانع شرعي يمنع استهدافها كدار للعبادة تُقام بها الشعائر الدينية.

عجلة عسكرية تقف أمام مسجد النوري بعد تفجيره في الموصل

وواصل أبو محمد المقدسي، أبرز منظري تنظيم القاعدة على وجه الخصوص، تأويل النصوص المقدسة واقتطاعها من سياقها؛ بحيث تتماشى مع أعمال القتل والتخريب بتأكيد معاملة المساجد كباقي المجتمع، فلا قدسية لها كدار عبادة؛ لكونها غير خاضعة للفكر الإسلامي الصحيح وَفق تصوره المشوه عن الإسلام، وهو ما ذكره بشكل واضح في رسالته “تحفة الأبرار في أحكام المساجد الضرار”، مجيزاً الاعتداء على المساجد لأنها لا تؤسس على التقوى والتصور الصحيح للإسلام.

اقرأ أيضاً: في ذكرى افتتاحه.. الجامع الأزهر أحد المعاقل التاريخية للعلم والدعوة

ذروة العنف

وقالت الدراسة إن عام 2015 كان من أكثر السنوات عنفاً ضد المساجد الشيعية؛ خصوصاً في العراق والسعودية والكويت وأفغانستان وباكستان، وهو ما تزامن مع تنامي خطاب تنظيم داعش الذي سعى لتوظيف مسائل الفتنة الطائفية ضد الشيعة في محاولة لاستقطاب عناصر جديدة، فضلاً عن تركيزه في بعض هجماته على المساجد الصوفية بعد تكفير الطرق الصوفية وأتباعها والدعوة إلى هدم ضرائحها وقتل مشايخها.

التفجير الإرهابي بمسجد الإمام الصادق بالکويت

وكشفت خريطة توزيع العمليات الإرهابية العنيفة ضد المساجد عن انتشارها وتوزعها في 36 دولة؛ حيث جاءت عواصم ومدن العالم الإسلامي المنضوية تحت لواء منظمة التعاون الإسلامي هي الأكثر معاناة من العنف والإرهاب ضد المساجد والمصلين.

وتصدر العراق قائمة أكثر الدول من حيث درجة العنف ضد المساجد؛ تلته باكستان ثم نيجيريا وأفغانستان وسوريا، بينما تعد مصر أكثر الدول من حيث متوسط الضحايا التي سقطت جراء تنفيذ عمليات إرهابية ضد المساجد، فرغم حدوث 3 هجمات سقط 306 ضحايا، يختزل الرقم الأكبر بالهجوم الأكثر دموية في مسجد الروضة بشمال سيناء؛ الذي سقط فيه 305 أشخاص، بينما حلَّت هجمات (نيوزيلندا- لبنان) في المرتبة الثانية من حيث متوسط الضحايا.

إرهاب بجرائم منظمة

وأكدت الدراسة أن التعاون بين الجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة أسهم بشكل كبير في زيادة نسب الأسلحة لدى التنظيمات الإرهابية، إلى جانب أن تنظيم داعش وعقب ظهوره وسيطرته على الكثير من المواقع العسكرية في سوريا والعراق وغيرهما، ساعد على نقل الأسلحة بين التنظيمات الأخرى؛ الأمر الذي أسهم في تصاعد العمليات ضد المساجد وتعدد أنماطها.

أعادت مصر بناء مسجد الروضة بعد الهجوم الإرهابي – وكالات

وأشارت إلى أن 34% من العمليات نُفذت عن طريق الهجوم الانتحاري؛ حيث يعتبر هذا الأسلوب هو الأفضل بالنسبة إلى الجماعات الإرهابية، لكونه يحقق لهم عدة أهداف؛ على رأسها إسقاط أكبر عدد من الضحايا في الأماكن والجهات المستهدفة، فضلاً عن تسويقه بين أفرادها باعتباره أقصر الطرق نحو الوصول إلى “الجنة والفوز بالحور العين”، بينما تصدر تنظيم داعش المرتبة الأولى من حيث تنفيذ الهجمات على المساجد عن طريق العمليات الانتحارية، تلته جماعة بوكو حرام التي تعتبر استهداف المساجد جزءاً من أيديولوجياتها؛ حيث تنظر إلى السلطة الدينية الموجودة في نيجيريا باعتبارها علمانية ولا تميز بين أتباعها.

اقرأ أيضاً: جامع عقبة بن نافع.. روعة العمارة الإسلامية وإلهام فني

استهداف المساجد في الغرب

وفي محور آخر، تطرقت الدراسة إلى دوافع ومؤشرات الاعتداء على المساجد في الغرب والتي جاء في مقدمة أسبابها “الإسلاموفوبيا”؛ حيث جاءت الاعتداءات على المساجد ودور العبادة المسلمة كجزء أساسي ورئيسي من منظومة الكراهية والعقيدة العنصرية تجاه المسلمين والتي تحولت إلى عقيدة عنف تهدد قيم التعايش السلمي والاندماج بين السكان الأصليين والوافدين المسلمين.

المساجد للعبادة وليست للتوظيف السياسي- (صورة وكالات)

ولفتت الدراسة إلى نتائج عدة تحليلات تناولت أسباب وتداعيات مناهضة بناء المساجد الجديدة أو تطوير المساجد القديمة؛ حيث ظهرت دوافع مركبة مرتبطة بالرهاب الاجتماعي الذي تشكله عملية بناء المساجد والخوف من أسلمة أوروبا، بالإضافة إلى التشريعات الحكومية لمكافحة الإرهاب وتهديدات الجماعات الإرهابية الإسلامية على مستوى العالم والنظرة الغربية للإسلام والمسلمين باعتباره تهديداً للسكان الأوروبيين مع اعتبار المساجد قلاعاً محصنة وليست أماكن عبادة روحية.

وأوضحت أن المساجد بالنسبة إلى بعض الأوروبيين بمثابة تمثيل رمزي للمسلمين وبصمة واضحة للوجود الثقافي الإسلامي؛ حيث أرجعت دراسة حول أسباب رفض السكان المحليين في بريطانيا بناء مسجد بعد استغلال اليمين المتطرف الأمرَ إلى الخوف من تأسيس “قرية مسلمة” ستحيط بالمسجد، ليتحول مسجد المدينة إلى مركز مجتمعي للمسلمين فقط، مع الإشارة إلى أن معارضة بناء المساجد أو التوسع فيها في بريطانيا مرتبطة بالمخاوف من طغيان العمارة الإسلامية على الحضارة المدنية والمسيحية.

المسجد المركزي في كولونيا ’دويتشه فونك كولتوغ’

ولفتت الدراسة إلى أن التحريض الإعلامي يمثل المنطلق الأساسي لبقية مظاهر الاعتداءات ضد المساجد في الغرب، حيث تقوده بعض الأعمال الدرامية والسينمائية والصحفية، بالإضافة إلى ما تبثه الروايات والكتابات التاريخية الهادفة إلى تشويه حقائق الإسلام، مشيرةً إلى أن الولايات المتحدة وألمانيا من أكثر الدول التي تعرضت فيها المساجد إلى اعتداءات بأنماط مختلفة.

واختتمت الدراسة بالتطرق إلى أنماط الاعتداء على المساجد في الغرب، والتي تنوعت ما بين “النوافذ المحطمة” و”الكتابة على الجدران” والتدنيس” و”إشعال الحرائق العنيفة” و”التفجيرات”، مع الإشارة إلى الاعتداءات غير المباشرة التي تحدث بشكل غير مباشر بقصد خلق رعب بين المسلمين وتقليص تحركاتهم وممارساتهم اليومية أو التي تسعى لإحداث ضرر نفسي؛ ومن بينها رسائل التهديد التي تصل إلكترونيًّا.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات