الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةمقالات

استقرار الإمارات من منظور خارجي

خاص- كيوبوست

 د. موران زاغا♦

د. موران زاغا

منذ البداية، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة مختلفة عن المشهد العام في الشرق الأوسط، وهي الدولة الاتحادية الوحيدة في العالم العربي. وتعد الإمارات الآن من بين الدول الثلاثين الأكثر استقراراً في العالم، والأكثر استقراراً في الشرق الأوسط؛ وفقاً لمؤشر الدول الهشة لعام 2020. ويميل الكثيرون إلى أن يعزوا هذا الاستقرار إلى نعمة النفط، إلا أن هذه المقاربة لا يمكنها أن تفسر انعدام الاستقرار في ليبيا والعراق الدولتَين اللتين تتمتعان بهذه النعمة نفسها. فما السر وراء نجاح الإمارات؟ وكيف نرى هذا الاستقرار من منظور خارجي؟

سأشير في بحثي هذا إلى أعمدة القوة الثلاثة الرئيسية التي تمتلكها الإمارات: الاستمرارية، والمرونة، والشرعية.

الاستمرارية

لقد تجاوز ترسيم حدود دول الشرق الأوسط في عشرينيات القرن الماضي الثقافات التقليدية والهياكل الاجتماعية والسياسية. فالدول الحديثة لم تشكِّل تقسيماتٍ جديدة فحسب؛ بل قدمت أيضاً نماذج سياسية مختلفة قائمة على التراث الغربي. وربما يرى البعض أن عملية التحرر من الاستعمار قد تركت بصماتها على الصراعات الإقليمية حتى يومنا هذا؛ ولكن هذه الصراعات لم تكن يوماً جزءاً من دولة الإمارات العربية الحديثة.

المغفور له الشيخ زايد بن سلطان مؤسس دولة الإمارات- “وام”

ربما يكون الهيكل الاتحادي للإمارات واحداً من أكثر الأفكار ذكاءً في تاريخ المنطقة. فبفضل رسم حدود داخلية تمكنت كل إمارة من الحفاظ على أراضيها وهويتها، وأضافت الهوية الاتحادية التي نشأت عام 1971 طبقة أخرى من الهوية والانتماء. ومع ذلك، فالدولة الاتحادية احتضنتِ الأنظمة السياسية والاجتماعية القائمة بدلاً من إلغائها. واستمرت كل واحدة من الإمارات في لعب دور مهم في بناء الدولة الحديثة والمساهمة في استقرارها.

اقرأ أيضًا: الإمارات العربية المتحدة.. أكثر الدول العربية ازدهاراً للعام الرابع عشر على التوالي

المرونة

من بين جميع الدول العربية تمتلك الإمارات العربية المتحدة أفضل القدرات على استشراف المستقبل والتخطيط له والتغير مع الزمن. وتهدف رؤية 2030 التي أطلقها ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، إلى التقليل من مركزية النظام السياسي والاقتصادي في البلاد. ووفقاً لتلك الاستراتيجية، فإن السبيل إلى ذلك هو الاعتماد على أنظمة هجينة ومتنوعة تعمل على إضفاء اللا مركزية على الموارد والسلطة.

سمو الشيخ محمد بن زايد يزور مزارع المواطنين التي تشكل إحدى دعائم الأمن الغذائي في الإمارات- “وام”

النظام الاتحادي هو أحد الأمثلة على الأنظمة الهجينة؛ ولكن هنالك أمثلة أخرى عديدة. فالمجلس الوطني الاتحادي يستحضر مبادئ الديمقراطية إلى نظام حكم وراثي. والمجلس نفسه عبارة عن نظام هجين، نصف أعضائه منتخبون والنصف الآخر معينون. ومشروع التوطين هو إثبات آخر على أنه من الممكن تعزيز الهوية المحلية، بينما تستمر الدولة في كونها مركزاً دولياً. والنماذج الهجينة والمرنة حاضرة أيضاً في المجال الاقتصادي، حيث كانت الدولة الريعية تعاني تشابك الأنظمة الاقتصادية قبل انتشار الوعي الإقليمي بعصر ما بعد النفط، إلا أن قطاعات اقتصادية جديدة ومصادر دخل محلية جديدة بدأت في الظهور خلال العقدَين الماضيَين؛ كضريبة القيمة المضافة على سبيل المثال، وطورت البلاد اقتصاداً متنوعاً، وبنت مفاعلاً نووياً سلمياً يقلل من الحاجة إلى الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء المحلية. وتوفر المقاربات الهجينة أداة مهمة للتعامل مع الواقع المتغير. ويلعب التنوع دوراً مهماً في إقرار السياسات الرئيسية وبناء الاكتفاء الذاتي للإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضًا: صعود الإمارات ومعنى محمد بن زايد

الشرعية

قد تبدو الاستمرارية والمرونة وكأنهما طرفا نقيض؛ ولكنَّ مزيجاً منهما هو المفتاح لتحقيق الشرعية المحلية والدولية. فوفقاً لمسح أجرته مؤسسة “ASDA’A” عام 2020، تعتبر الإمارات العربية المتحدة الدولة الأولى التي يرغب الشباب العربي في العيش فيها، والدولة الأولى التي يرغبون في استنساخ تجربتها في بلادهم. وهذه الشرعية توفر مقداراً هائلاً من الثقة للبلاد؛ كي تعمل وتتخذ خطواتٍ جريئة. وقد ظهرت هذه الخطوات في كل من مواقف القوة الناعمة والقوة الصلبة التي اتخذتها الإمارات؛ خصوصاً خلال السنوات الثلاث الماضية. واتفاقيات إبراهيم هي تجسيد لهذه الثقة التي لا يمكن بناؤها إلا من خلال شرعية متينة.

محطة براكة للطاقة النووية- “وام”

في الختام، فإن الاستمرارية والمرونة والشرعية هي العوامل الثلاثة التي جعلت من الإمارات العربية المتحدة بلداً مستقراً في الشرق الأوسط. فبدلاً من أخذ مواردها الاقتصادية كأمر بديهي، قامت الإمارات بالتخطيط لاستراتيجيات بعيدة المدى مدروسة بشكل جيد للغاية. والذين يفهمون طبيعة الإمارات يمكنهم أن يروا لماذا سُمي عام 2020 بعام الاستعداد للخمسين.

اقرأ أيضًا: كيف يغير اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي خارطة التحالفات في المنطقة؟

على الصعيد الشخصي، فأنا أودُّ أن أهنئ دولة الإمارات العربية المتحدة بيومها الوطني التاسع والأربعين، وآمل أن تفتح هذه الشراكة عقول وقلوب جميع شعوب منطقتنا لأجيال قادمة.

♦باحثة في الشؤون الخليجية؛ تركز على الإمارات العربية المتحدة، وهي محاضرة في جامعة حيفا وزميلة في المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية، نشرت أعمالاً عديدة عن علاقة إسرائيل بالإمارات العربية المتحدة والبحرين.

لقراءة الأصل الإنجليزي: The UAE’s Stability 

اقرأ أيضًا: 

1) تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة: كيف تحول مشروع بريطاني فاشل إلى قصة نجاح عربيـة

2) من معبد يهودي سري إلى البيت الأبيض اندفعت العلاقات الإسرائيلية- الإماراتية عام 2020

3) العلاقات الإماراتية- الأمريكية في ظل إدارة بايدن

4) اليوم الوطني 49.. رؤية الشيخ زايد لا تزال حية وفعالة

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة