الواجهة الرئيسيةترجمات

استقالتي من صحيفة “ذا إنترسيبت”

ظواهر القمع والرقابة والتجانس الأيديولوجي التي تجتاح الصحافة الوطنية بشكل عام وصلت إلى المنفذ الإعلامي الذي شاركت في تأسيسه.. وبلغت ذروتها في الرقابة على مقالاتي

كيوبوست- ترجمات

غلين غـرينوالد♦

اليوم، أرسلت استقالتي من المنفذ الإخباري الذي شاركتُ في تأسيسه مع جيريمي سكاهيل ولورا بويتراس “ذا إنترسيبت”، وشركتها الأم “فيرست لوك ميديا”.

وكانت الضربة القاضية الأخيرة هي انتهاك محرري الصحيفة حقوقي التعاقدية المتعلقة بحرية التحرير؛ حيث كان نشري مقالاً قد كتبته في الأسبوع الماضي مشروطاً بإزالتي المقاطع التي تنتقد المرشح الرئاسي الديمقراطي جو بايدن، الذي يؤيده بشدة جميع محرري “ذا إنترسيبت” في نيويورك، والذين شاركوا جميعاً في قمعي.

جو بايدن- وكالات

استند مقالي إلى رسائل بريد إلكتروني حديثة وشهادات شخصية تثير الجدل حول سلوك المرشح جو بايدن، ولم يكتفِ محررو الصحيفة بمنع نشر المقال، وإنما طالبوا أيضاً بحرماني من ممارسة أحد حقوقي التعاقدية الأخرى، التي تسمح لي بنشر المقال في صحف أخرى.

لم أعارض رفضهم آرائي المتعلقة بهذه الدلائل الخاصة بجو بايدن، وحاولت حثهم على التعبير عن آرائهم المخالفة من خلال كتابة مقالات تنتقد وجهة نظري، وفسح المجال لحرية القارئ باختيار الرأي الذي يراه صحيحاً، كما تفعل أية وسيلة إعلامية واثقة وسليمة. ولكن وسائل الإعلام الحديثة لا تبث المعارضة، وإنما تسحقها. وهذا ما اختاره المحررون المؤيدون لجو بايدن حين منعوا نشر مقالتي.

سيتم نشر المقال المذكور على هذه الصفحة قريباً (تم نشر المقال هنا الآن، مرفقاً بجميع رسائل البريد الإلكتروني مع محرري “ذا إنترسيبت” المتعلقة بالرقابة على المقال). كما تجدون أدناه أيضاً رسالة الاستقالة التي أرسلتها إلى رئيس شركة “فيرست لوك ميديا”، مايكل بلوم.

اقرأ أيضاً: كيف تفرض الصين مقص الرقابة الثقافية والإعلامية على الغرب؟

ومن الآن فصاعداً سأنشر مقالاتي هنا على “سابستاك”؛ حيث جاء العديد من الصحفيين الآخرين أيضاً، بمَن فيهم صديقي العزيز المراسل الشجاع القدير مات تايبي؛ لنمارس صحافة خالية من السياسات القمعية المتزايدة التي تسيطر على وسائل الإعلام الوطنية المحلية في جميع أنحاء البلاد.

لم يكن قراري هذا سهلاً: إنني أضحي بدعم مؤسسة كبيرة وأجر مضمون؛ لاعتقادي الراسخ بأن ثمة أناساً يؤمنون بالصحافة الحرة والمستقلة وحرية التعبير عن الرأي، سيدعمون أعمالي بالاشتراك في هذه الصفحة.

تواجه حرية الصحافة قيود متعددة

كما هي حال أي شخص لديه أطفال وأسرة وعدد من الالتزامات، اتخذت هذا القرار بخوف، إلا أنني مقتنع بأنه لا يوجد أي خيار آخر. لم ولن أتمكن من النوم ليلاً وأنا على علم أنني سمحت لأية مؤسسة أن تمنعني من التعبير عن رأيي والإيمان به؛ خصوصاً مؤسسة قد شاركت في تأسيسها لهدف جوهري هو ضمان عدم حدوث شيء من هذا القبيل مع الصحفيين الآخرين، فضلاً عن سبب هذه المشكلة التي هي كتابتي مقالاً ينتقد سياسياً ديمقراطياً قوياً يدعمه محررو صحيفتي في الانتخابات المقبلة.

لكن الأمراض وغياب الليبرالية والعقلية القمعية التي أدَّت إلى هذا المشهد الغريب لمنعي من نشر مقال من قِبل صحيفتي الخاصة ليست منفردة في “ذا إنترسيبت” فحسب، وإنما هذه هي الفيروسات التي لوثت تقريباً جميع المؤسسات اليسارية الوسطية السياسية والأكاديمية وغرف تحريرها. لقد بدأت الكتابة في مجال السياسة منذ 15 عاماً؛ بهدف محاربة الدعاية الإعلامية والقمع الإعلامي. وبغض النظر عن المخاطر الناتجة، لن أقبل بأي موقف أكون فيه مجبراً على تقديم صحافتي وحريتي بالتعبير عن الرأي إلى قيودها الخانقة، مهما كان هذا الأمر آمناً ومربحاً لي.

لقد أسست في عام 2005 مدونة على برنامج “Blogspot”، ليس رغبةً في أن أصبح إعلامياً، وإنما بصفتي مواطناً مهتماً بموضوعات الحرب والإرهاب والحريات المدنية، يرغب في التعبير عما يعتقد أنه موضوع مهم يجب سماعه. وقد ازدهرت تلك المدونة؛ لأن قرائي، وإن خالفتهم في وجهات نظرهم، كانوا يعلمون جيداً أنني كنت صوتاً حراً مستقلاً، غير مرتبط بأي فريق. كان اسم المدونة الذي اخترته (Unclaimed Territory- منطقة حرة)، يعكس روح التحرر من أسر أية عقيدة سياسية أو فكرية محددة أو قيود مؤسساتية.

اقرأ أيضاً: لينين الرملي والرقابة.. قصص وحكايات لكاتب مصري

عندما قام “سالون” بعرض فرصة عمل كاتب عمود في عام 2007، ومن بعده صحيفة “ذا غارديان” في 2012، قبلت بعرضَيهما بشرط أنني سأتمتع بالحرية المطلقة، باستثناء حالات خاصة جداً (مثل أن يتسبب المقال في مسؤولية قانونية على الصحيفة). كنت أنشر مقالاتي وأعمدتي مباشرةً على الإنترنت دون الحاجة إلى الخضوع للرقابة، أو تدخل تحريري مسبق، أو أي تدخل آخر قانوني، ودون الحاجة إلى أخذ أية موافقة على النشر. وقامت الصحيفتان بتجديد نظام النشر لديهما، لاستيعاب هذا الشرط. وطوال عملي معهما كانتا تحترمان هذه الالتزامات.

عندما غادرت صحيفة “ذا غارديان” في أوج قضية سنودن في عام 2013، كان الهدف الأساسي والرئيسي من ابتكار “ذا إنترسيبت” هو إنشاء صحيفة تجمع الصحفيين الموهوبين المسؤولين؛ ليتمتعوا بالحرية الصحفية المطلقة التي كنت أطالب بها لنفسي. فأنا مؤمن بأن “على المحررين أن يلعبوا دورهم في تعزيز الصحافة الناقدة على الوقائع، لا أن يسهموا في وضع الحواجز في وجه الإعلام والصحافة لكبتها وتقييدها”.

غلين غرينوالد يستقيل من “ذا إنترسبت” بعد مقال له ينتقد فيه جو بايدن

لقد قررنا (مؤسسو الصحيفة الثلاثة) عدم التدخل في إدارة العمليات اليومية للصحيفة؛ حتى نتفرغ لممارسة الكتابة الصحفية، وخولنا كبار المحررين؛ لا سيما رئيس التحرير، بالموافقة. وكانت مسؤولية رئيس التحرير الأساسية هي ضمان تطبيق قيم الرؤية الصحفية الفريدة من نوعها التي تمثلها هذه الصحيفة، وذلك بالتنسيق المباشر معنا.

كانت حرية التحرير والصحافة، وحماية حق الإعلامي في التعبير عن رأيه بصدق، هي القيم الكبرى الأساسية لصحيفتنا. يمكن تحقيق هذه القيم من خلال تشجيع الصحفيين على التعبير عن أنفسهم بأسلوبهم الخاص غير المقيد بمعتقدات وأفكار مسبقة أو أجندة أيديولوجية شخصية؛ بما فيها أجندات المؤسسين الثلاثة.

لا يمكن التعرف على “ذا إنترسيبت” في وضعها الحالي عند مقارنتها مع الرؤية الأولى لها. فليس هناك الآن من مجال لبثّ الأفكار المعارضة والأصوات المهمشة. لم تعد “ذا إنترسيبت” تنشر، إلا نادراً، رأياً مستقلاً لا ترحب به وسائل الإعلام الكبرى. وبات من النادر أيضاً نشر أي محتوى إلا إذا كان موافقاً بدرجة كبيرة للمحتوى المنشور في ما لا يقل عن اثنتي عشرة صحيفة يسارية وسطية أخرى.

الخروج عن الإطار العام والمساءلة والتشكيك يتطلب شجاعة، ولكن الخوف من تنفير حراس الليبرالية التقليدية؛ خصوصاً الموجودين على “تويتر”، هو السمة الرئيسة الموجودة لدى قيادة فريق تحرير “ذا إنترسيبت” الموجود في نيويورك. نتيجةً لذلك، تخلَّت “ذا إنترسيبت” عن مهمتها الأساسية المتمثلة في تحدي المؤسسات والأوصياء الأكثر قوة في محيطها الثقافي والسياسي، وأصبحت تسعى نحو إرضاء تلك القوى.

الأسوأ من كل هذا أن “ذا إنترسيبت” -مع استبعادها المؤسسين من أي دور في مهمتها التحريرية أو اتجاهها التحريري، بالإضافة إلى اتخاذ قرارات اعترضت عليها لأنها تمثل خيانة لمهمتنا الأساسية- استمرت في تداول اسمي علناً من أجل جمع الأموال للصحافة التي لا أدعمها؛ ما أدى إلى تعزيز فكرة مسؤوليتي عن الأخطاء الصحفية لضمان إلقاء اللوم عليَّ شخصياً بدلاً من إلقائه على المحررين.

اقرأ أيضاً: لماذا يجب انتخاب دونالد ترامب وليس جو بايدن؟

أسوأ مثال عن إساءة استخدام اسمي للتهرب من المسؤولية هو كارثة “Reality Winner”، وكما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، مؤخراً، لم أشارك في هذه القصة إطلاقاً. أثناء إقامتي في البرازيل، لم يُطلب منِّي العمل على أي مستندات أرسلها وينر إلى غرفة أخبارنا في نيويورك دون تحديد الإعلامي المسؤول، ولم أكن أدري بوجودها إلا قبل فترة قصيرة جداً من نشرها. كانت بيتسي ريد هي مَن أشرف على هذه القصة وأدارها وحررها، وهو الأمر الطبيعي؛ نظراً لحجم التقرير وتعقيده، ونظراً لموقعها كرئيس تحرير.

كان محررو “ذا إنترسيبت” هم الذين ضغطوا على المراسلين الذين يعملون على الخبر لإرسال هذه المستندات لتصادق عليها الحكومة بسرعة؛ بسبب حرصهم على إثبات موقف “ذا إنترسيبت” المؤيد لما عُرف بـ”روسيا جيت” أمام وسائل الإعلام الكبرى والليبراليين البارزين. أرادوا نفي التصور الذي خلقته مقالاتي التي تشكك في الادعاءات المركزية لتلك الفضيحة. كانت شراهتهم للحصول على موافقة وسائل الإعلام الكبرى التي قد شرعنا لمحاربتها، هي السبب الرئيسي للتسرع والتهور في التعامل مع هذا المستند الذي أرسله وينر.

لورا بويتراس، مؤسسة مشاركة لصحيفة “ذا إنترسيبت”

حتى يومنا هذا لم توافق “ذا إنترسيبت” على تقديم أية محاسبة علنية لما حدث في قصة Reality Winner””؛ لتحديد المسؤولين عن تلك الأخطاء، ودورهم فيها، علماً بأنه يجب عليها توفير الشفافية لنفسها ما دامت مؤسسة تطالب الآخرين بالشفافية؛ ولكنها لن تفعل هذا، لأن أية محاسبة جادة ستفقدهم قدرتهم على الاستمرار في الاختباء ورائي، وقدرتهم كذلك على إيهام الجمهور بأنني الشخص المخطئ في عملية إعداد التقارير التي جرى استبعادي منها تماماً منذ البداية.

على الرغم من كل هذا؛ فإنني لم أرغب في مغادرة “ذا إنترسيبت”. مع تدهورها وتخليها عن مهمتها الأصلية، فكرت أنه ما دامت “ذا إنترسيبت” مستمرة في تزويدي بالموارد اللازمة لنشر ما أؤمن به شخصياً، وعدم التدخل في حريتي التحريرية أو إعاقتها، يمكنني المضي بقبول كل شيء آخر.

اقرأ أيضاً: مَن يهمس في أذن جو بايدن حول سياسة المناخ؟

لكن الرقابة الغاشمة على مقالي هذا الأسبوع -حول مواد هنتر بايدن وسلوك جو بايدن في ما يتعلق بأوكرانيا والصين، بالإضافة إلى انتقادي محاولة إغراء وسائل الإعلام- قضت على آخر مبررات بقائي. كان هذا يعني أن هذه الصحيفة لم تقتصر على منع الحرية التحريرية للصحفيين الآخرين؛ الأمر الذي نشأت الصحيفة من أجله منذ سبع سنوات، بل لم تعد توفرها لي أيضاً. إن مثل هذه الرقابة هي خط أحمر بالنسبة إليَّ؛ وهو وضع لن أقبله أبداً مهما كان الثمن. إسكاتي عن انتقاد جو بايدن من قِبل صحيفتي أمر مدهش بالنسبة إليَّ؛ ولكنه أيضاً انعكاس لواقعنا الحالي وبيئتنا الإعلامية غير الحرة.

إلى جانب ممارسة “ذا إنترسيبت” القمع عليَّ، أسهمت أحداثٌ أخرى في قراري بالمغادرة؛ منها: التستر على وينر، والتخلي عن لي فانغ، وإجباره على الاعتذار عندما حاول زميله تدمير سمعته من خلال وصفه علناً وبلا أساس بأنه عنصري وبشكل متكرر، ورفضها الإبلاغ عن الإجراءات اليومية لجلسة استماع تسليم أسانج؛ لأن الصحفي المستقل الذي يقوم بعمل رائع كان مكروهاً من الناحية السياسية، وافتقارها التام إلى المعايير التحريرية عندما يتعلق الأمر بوجهات النظر أو التقارير التي تتملق معتقدات قاعدتها الليبرالية.

اقرأ أيضاً: فوز بايدن وشكل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط!

قد يبدو تافهاً، مع كل هذه الإحباطات والإخفاقات، أنني أكتب هذا بحزن حقيقي وليس بغضب. هذه الصحيفة هي نتيجة قدر هائل من الوقت والطاقة والشغف، قُمت أنا والعديد من الأصدقاء المقربين والزملاء بضخه وتكريسه.

لقد قامت “ذا إنترسيبت” بعمل رائع، وهو الدعم الذي قدمه رؤساء التحرير ومديرو “فيرست لوك” للتقارير الصعبة والخطيرة التي قُمت بها العام الماضي مع زملائي الشباب الشجعان في “ذا إنترسيبت برازيل”؛ لفضح الفساد الموجود في أعلى مستويات حكومة بولسونارو، كما دعمونا بينما كنا نواجه تهديداتٍ بالقتل والسجن.

جيرمي سكاهل مؤسس مشارك لصحيفة “ذا إنترسيبت”- وكالات

يواصل العمل في “ذا إنترسبت” بعض أصدقائي المقربين والصحفيين البارزين الذين يحظى عملهم بإعجابي عندما ينجحون في تجاوز الضغوط التحريرية؛ ومنهم جيريمي سكاهيل، ولي فانغ، ومرتضى حسين، ونعومي كلاين، وريان جريم.. وآخرون. وليس لديَّ عداء شخصي لأي شخص هناك، ولا أية رغبة في إلحاق الأذى بها كمؤسسة. بيتسي ريد هي محررة ذكية وشخصية استثنائية ربطتني بها صداقة وثيقة وقيمة. وكان بيير أوميديار، الممول والناشر الأصلي لـ”فيرست لوك”، يلتزم بعدم التدخل في عمليتنا التحريرية حتى عندما كنت أنشر مقالاتٍ تتعارض بشكل مباشر مع آرائه الراسخة، وحتى عندما كنت أهاجم مؤسسات أخرى كان يمولها. أنا لا أترك اليوم بسبب الانتقام أو الصراع الشخصي، وإنما عن قناعة مبنية على أسبابٍ واضحة.

الانتقادات التي عبَّرت عنها بشأن “ذا إنترسيبت” لا تنطبق عليها وحدها؛ بل على العكس: هذه هي المعارك المحتدمة حول حرية التعبير وحق المعارضة الموجودة داخل كل مؤسسة ثقافية وسياسية وصحفية كبرى. هذه هي الأزمة التي تواجهها الصحافة.

قبل الحدث الاستثنائي الأخير المتمثل في الخضوع للرقابة هذا الأسبوع من قِبل صحيفتي الخاصة، كنت أستكشف بالفعل إمكانية إنشاء صحيفة جديدة. ولقد أمضيت شهرين في مناقشات نشيطة مع بعض الصحفيين والكتاب والمعلقين الأكثر إثارة للاهتمام واستقلالية وحيوية في المجال السياسي حول جدوى تأمين التمويل لصحيفة جديدة من شأنها مكافحة هذه التوجهات. تنص أول فقرتَين من وثيقة العمل على ما يلي:

اقرأ أيضا: جامعة ميشيغان تنسحب من استضافة المناظرة الرئاسية لترامب وبايدن

تتعرض وسائل الإعلام الأمريكية إلى حرب ثقافية تجبر الصحافة على التوافق مع روايات غالباً ما تكون منفصلة عن الحقيقة، وتهتم بوجهات النظر التي لا تعكس الجمهور الأوسع، وإنما تعكس أقلية من نخب من الحزبيين المفرطين؛ مما أدى إلى خلق بيئة غير حرة شديدة التقييد، لا تُنشر فيها كميات كبيرة من الأخبار والتقارير، وما يُنشر فيها يجري تقديمه من خلال عدسة منحرفة ومنفصلة تماماً عن الواقع.

مع استحواذ هذه الديناميكية على معظم المؤسسات الإعلامية الكبرى، توجد حاجة ماسة إلى وسائل الإعلام الحرة والقادرة على تجاوز حدود هذه الحرب الثقافية المستقطبة، ومعالجة طلب الجمهور المتعطش لوسائل الإعلام النزيهة الحرة التي تلتزم أصول العمل الصحفي والفكر والبحث، دون خوف من انتهاك التقاليد الثقافية أو ثوابت النخبة.

بالتأكيد لم أتخلَّ عن الأمل في تحقيق هذا المشروع الطموح. ومن الناحية النظرية كان بإمكاني البقاء في “ذا إنترسيبت” حتى ذلك الحين؛ حيث يوجد دخل مستقر وآمن لعائلتي من خلال ابتلاع إملاءات الرقابة الجديدة.

لكنني سأشعر بالخجل الشديد من نفسي إذا فعلت ذلك، وأعتقد أنني سأخون مبادئي وقناعاتي التي أحثّ الآخرين على اتباعها. بالتالي وفي غضون ذلك، قررت أن أسير على خطى العديد من الكتاب والصحفيين الآخرين الذين طُردوا من الدوائر الصحفية القمعية المتزايدة بسبب آرائهم المختلفة والمعارضة.

آمل أن أستغل الحرية التي توفرها هذه المنصة الجديدة، ليس فقط لمواصلة نشر الصحافة الاستقصائية المستقلة والتحليل الصريح وكتابة الرأي التي يتوقعها قرائي، ولكن أيضاً لتطوير “بودكاست”، والاستمرار في برنامج YouTube “System Update”، الذي أطلقته في وقت سابق من هذا العام بالشراكة مع “ذا إنترسيبت”.

هنتر بايدن ابن المرشح الرئاسي جو بايدن- وكالات

للقيام بذلك ولجعله قابلاً للتطبيق، سأحتاج إلى دعمكم: فالأشخاص القادرون على الاشتراك في النشرة الإخبارية المرفقة بهذه المنصة سيمكِّنون عملي من الازدهار والانتشار، وربما أكثر مما كان عليه من قبل. بدأت مسيرتي المهنية في الصحافة بالاعتماد على رغبة قرائي في دعم الصحافة المستقلة التي يعتقدون أنها ضرورية للحفاظ عليها. إن العودة إلى هذا النموذج؛ حيث يجيب المرء فقط للجمهور الذي يجب أن يخدمه الصحفي، أمر شاق إلى حد ما في هذه المرحلة من حياتي؛ ولكنه أيضاً مثير للغاية.

خطاب نية للاستقالة

مايكل،

أكتب إليكم لأعلمكم أنني قررت الاستقالة من “فيرست لوك ميديا” و”ذا إنترسيبت”.

السبب المباشر (ولكن ليس الوحيد أبداً) هو أن “ذا إنترسيبت” تحاول فرض الرقابة على مقالاتي في انتهاك لعَقدي، وللمبادئ الأساسية لحرية التحرير. المثال الأحدث وربما الأكثر فظاعة هو عمود رأي كتبته هذا الأسبوع، والذي ينتقد المرشح جو بايدن المدعوم من جميع محرري “ذا إنترسيبت” في نيويورك، قبل خمسة أيام من الانتخابات الرئاسية.

يفرض هؤلاء المحررون الرقابة ويرفضون نشر المقال ما لم أوافق على إزالة جميع الأقسام الناقدة للمرشح الذي يريدون فوزه. كل ذلك ينتهك الحق المنصوص عليه في عقدي مع “فيرست لوك ميديا” في نشر مقالات دون تدخل تحريري إلا في ظروف ضيقة جداً من الواضح أنها لا تنطبق هنا.

والأسوأ من ذلك، أن محرري “ذا إنترسيبت” في نيويورك، غير المسرورين بنشر مقالي، يطالبون أيضاً بحرماني من ممارسة حقي التعاقدي المنفصل مع “فيرست لوك ميديا” في ما يتعلق بالمقالات التي كتبتها؛ ولكن التي لا تريد “فيرست لوك ميديا” نشرها بنفسها. بموجب عقدي، لديَّ الحق في نشر أي مقالات ترفضها “فيرست لوك ميديا” مع منشور آخر. لكنَّ محرري “ذا إنترسيبت” يطالبون بالامتناع عن نشر المقال عبر أي منفذ صحفي آخر، ويستخدمون تهديدات لإجباري على عدم القيام بذلك، معلنين أنه سيكون “ضاراً لـ”ذا إنترسيبت” إذا قُمت بنشره في مكان آخر.

طوال الوقت الماضي، ومع تفاقم الأمور، فكرت في أنه ما دام موقع “ذا إنترسيبت” مكاناً لا يتم فيه انتهاك حقي في الاستقلال الصحفي، فإني قد أستطيع الاستمرار فيه مع كل عيوبه الأخرى. أما الآن، وبعد الاعتداء على حقوقي وقمعي من قِبل فريق التحرير المستبد والمذعور في نيويورك؛ فإنه لا يمكنني البقاء في صحيفة تفرض معتقداتها وخياراتها الأيديولوجية والحزبية على جميع الكتاب، وترفض نشر أي مقال يتعارض مع وجهات النظر تلك، وهذا ما خُلقت “ذا إنترسيبت” لمنعه أصلاً.

شكراً لك

غلين غرينوالد

المصدر: سبابستاك

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة