الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

استقالات وهمية لقيادات “النهضة” لإنقاذ الحركة من الغرق

رضوان المصمودي يستقيل من "النهضة" ليحميها ويباشر تحركاته نحو عدم إخراج الحركة من المشهد السياسي

تونس- فاطمة بدري

أعلن القيادي بحركة النهضة المقيم بالولايات المتحدة رضوان المصمودي، استقالته من المكتب السياسي للحزب الإسلامي قبل أيامٍ قليلة، في فترة تشهد فيها الحركة إحدى أسوأ أزماتها على الإطلاق منذ توليها الحكم سنة 2011.

استقالة لا تشبه استقالات القيادات السابقة التي جرت بعد أحداث الـ25 من يوليو هرباً من سفينة الحركة الغارقة؛ لأنها تصدر عن قيادي ظل يدافع حتى اللحظات الأخيرة عن الحزب، وبلغ حد المطالبة بقطع المساعدات الطبية عن تونس؛ رداً على تجميد البرلمان، وانتقاده الشديد والمتواصل لقيس سعيّد؛ بسبب الخطوات التي أقدم عليها والتي من المرجح أن تبعد “النهضة” عن المشهد السياسي.. كل هذه العوامل وغيرها تجعل من هذه الاستقالة خطوة تمت بضغط من قيادات الحركة؛ حتى تتجنب الملاحقة القانونية المتعلقة بعقد اللوبيينغ الذي قامت الحركة بتوقيعه مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحميله المسؤولية؛ لا سيما أن هذه الخطوة تمت بالتزامن مع محاولات “النهضة” مهادنة سعيّد بتقديمها جملة من التنازلات التي قد تصل حد استقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان.

اقرأ أيضًا: هل ينجح سعيد في إصلاح خراب عقد من حكم الإسلاميين بتونس؟

وقال المصمودي، في تدوينةٍ نشرها عبر صفحته على موقع “فيسبوك”: “أعلن اليوم استقالتي من المكتب السياسي لحزب حركة النهضة؛ لكي أتفرَّغ للدفاع عن الديمقراطية.. بعيداً عن الصراعات والضوابط الحزبية والتجاذبات السياسية”.

أهداف غير معلنة

لكن الأوساط السياسية والشعبية في تونس رجحت أن استقالة المصمودي لها أهدافها غير التي أعلن عنها الرجل، وأنها مرتبطة بأزمة الحركة الخانقة اليوم ومحاولاتها اليائسة للوصول إلى مخرج لما يجري دون أن يبعدها عن المشهد السياسي. ويبدو أن المصمودي أُجبر أو دُفع للاستقالة لهدفَين اثنين.

الغنوشي مهندس استقالة المصمودي- (صورة وكالات)

أولاً، بعد أيام قليلة من نفي “النهضة” أية صلة لها بعقد اللوبيينغ رداً على نشر موقع وزارة العدل الأمريكية عقد لوبيينغ بتاريخ يوم 29 يوليو 2021 يحمل اسم “حركة النهضة.. أيام بعد أحداث الـ25 من يوليو”، يؤكد تلقي خدمات لوبيينغ بقيمة 30 ألف دولار. سارع القيادي التونسي أمريكي الجنسية رضوان المصمودي، إلى تقديم استقالته من الحركة وتفرغه للدفاع عن الديمقراطية خارج الأطر الحزبية كما ادَّعى.

التزامن بين الحدثَين بدا واضحاً أنه ليس اعتباطياً ولا يمكن بأية حال من الأحوال اعتبار ما أقدم عليه الرجل مجرد ردة فعل على ما آلت إليه الأمور داخل الحركة؛ بل تم بإيعاز من قيادات الحركة، خصوصاً رئيسها راشد الغنوشي. ذلك أن الحركة تعرف أن التحقيقات في قضية اللوبيينغ لدى إلحاقها بتقرير دائرة المحاسبات الذي يدينها بتلقي أموال من الخارج لتمويل حملتها الانتخابية، يمكن استخدامها قانونياً لحل الحزب؛ وهو سيناريو مخيف بالنسبة إلى الحركة.

اقرأ أيضاً: ما الذي يحدث في تونس؟ كل ما تحتاج إلى معرفته

ولهذا وحتى تتجنب هذا المطب، سارعت الحركة بدفع المصمودي للاستقالة حتى تدَّعي في ما بعد أن ما حدث خطوة فردية أقدم عليها هذا الشخص دون استشارة الحركة، وتحميله مسؤولية هذه القضية إذا ما أخذ هذا الملف منعرجات خطيرة تهدد كيانها.

ثانياً، المصمودي هو رئيس مركز دراسات الإسلام والديمقراطية، الذي يديره منذ 1999 لفائدة حركة النهضة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يعد مركز ضغط في واشنطن وله صلاته الكبيرة وعلاقاته مع سياسيين نافذين في هذا البلد؛ بما في ذلك أعضاء من الكونغرس، ولهذا فإن استقالته من الحركة ستمكنه من ممارسة ضغوطه لفائدتها عبر عقود الدعاية وعبر العلاقات السالف ذكرها دون مؤاخذته بانتمائه المباشر إلى الحزب الإسلامي التونسي. و”النهضة” في حاجة إلى هذا الدور في هذا التوقيت بالذات؛ لأنها ترى مهلة الثلاثين يوماً توشك على النهاية وسعيّد ماضٍ في إجراءاته دون ضغوط خارجية لدفعه للعودة إلى ما قبل 25 يوليو، وهو ما يعني فرضية خروجها من المشهد السياسي؛ وهو السيناريو الأسوأ الذي لا تريده الحركة ولا الدول الداعمة لها.

محمد الهادي حيدري

الصحفي التونسي المختص في الشأن التونسي محمد الهادي حيدري، أكد أن استقالة المصمودي لا يمكن مقارنتها بالاستقالات الأخرى التي عصفت بالحركة مؤخراً؛ لأن الرجل هو عيون الحركة في الخارج في مراكز صنع القرار.

وقال موضحاً لـ”كيوبوست”: “يعلم الجميع أن المصمودي رجل علاقات عامة وله علاقات واسعة مع دوائر صنع القرار في واشنطن، ولهذا من الغباء التسليم بأن الرجل استقال في هذا التوقيت من الحركة هرباً من سفينتها الغارقة. أنا على ثقة بأن ما تم كان بترتيب وتوجيه من الغنوشي؛ حتى يتفرغ الرجل للترويج لوجهات نظر الحركة والتأثير على الرأي العام في الولايات المتحدة عبر الميديا هناك وعبر بعض السياسيين الذين تربطهم به علاقات ليست خفية على المتابعين لنشاط الرجل. ولهذا ليس غريباً أن نلمس في الأيام القادمة تغيراً في الموقف الأمريكي إزاء الوضع في تونس؛ لأن اللوبيينغ الذي يحركه الرجل بعشرات آلاف الدولارات سينشط بقوة أكثر؛ خصوصاً بعد خروجه من الحركة، وتحركه بحرية أكبر في هذا الاتجاه، لإدراكه أن إدارة هذا النشاط لحساب الحركة بشكل مباشر قد يعرضها لملاحقةٍ قضائية، ويزيد من إرباكها في الداخل.

إن الحركة التي ظلت لعقود تلاحق الحكم والسلطة لن تتركهما بسهولة؛ ستقاوم بقوة ولن تكترث لما قد تؤول إليه الأمور في البلاد، هي حالياً تقاوم وترفض الاستسلام لفكرة أنها قد تبعد عن الحكم، والمصمودي أحد أبرز أوراقها القوية في هذه الفترة، وما الاستقالة إلا خطوة في سياق خطط الحركة الكثيرة من أجل العودة إلى ما قبل 25 يوليو”، يضيف حيدري.

اقرأ أيضًا: لماذا أقال سعيد سفير تونس في واشنطن؟

مناورة جديدة

وفي محاولة منها للموازنة بين تحركاتها في الداخل والخارج، أصدرت الحركة بياناً الخميس، 12 أغسطس، لم يصف أحداث 25 يوليو بالانقلاب للمرة الأولى، وحمل إشارات واضحة على استعداد الحركة تقديم تنازلات؛ من بينها استقالة راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان، في خطوةٍ عكست توجه الحركة للتهدئة مع الرئيس سعيّد، وتجنب الصدام مع الشارع التونسي الذي بات يحملها مسؤولية الفشل عن أزمات البلاد، ويرفض عودتها إلى الحكم.

وهي بصدد القيام باتصالات مع بعض الأطراف، تعرض استقالة الغنوشي من البرلمان مقابل التهدئة مع سعيّد، والتي تعني العودة إلى البرلمان؛ ولكن بعد إجراء حوارٍ بين كل الأطراف.

مناورات حركة النهضة لن تجدي مع إصرار سعيّد- (صورة وكالات)

وفي محاولة التأثير على الرأي العام والإيهام بأن الحركة قد فهمت رسائل التونسيين التي أطلقوها عبر احتجاجاتهم وغضبهم الذي وُجِّه حصراً إلى مقراتها، واتحادهم وراء سعيّد وقراراته؛ خصوصاً المتعلقة بتجميد البرلمان الذي تسيطر عليه هي وحلفاؤها، أعلنت الحركة، في بيانها، أنها ستقوم بـ”تغييرات على الهياكل القيادية، بما يناسب ما استخلصناه من رسائل الغاضبين ومقتضيات المرحلة الجديدة”.

كما قال القيادي المحسوب على الشق المعارض للغنوشي، عبداللطيف المكي، في لقاءٍ تليفزيوني: “إن رئيس البرلمان مستعد للتنازل عن رئاسة البرلمان في حال وجود حل جماعي لعقدة المسار الديمقراطي”.

اقرأ أيضًا: شباب حركة النهضة يسحب البساط من تحت الغنوشي

وهذه الخطوات ليست جديدة على الحركة التي تجيد المناورة والانحناء للعواصف من أجل البقاء في الحكم؛ فمنذ صعودها إلى الحكم سنة 2011 تعودت حركة النهضة على أن تكون الحزب الأقدر على المراوغة والمناورة حيناً، والترويج لفكرة أنها من داعمي الحوار مع الفرقاء السياسيين، وحتى التحالف مع أحزابٍ بخلفيات فكرية مناقضة لها، وأخرى فاسدة حيناً آخر؛ فقط حتى لا تغادر الحكم.

يعيش الشارع التونسي حالة احتقان من تصرفات النهضة

ففي سنة 2013 ولتجاوز الأزمة السياسية الخانقة التي أثارها اغتيال الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، قررت “النهضة” الخروج من الحكم والمشاركة في حوار وطني انتهى، آنذاك، بتشكيل حكومة تكنوقراط، وبعد انتخابات 2014 التي أعقبت هذه الفترة، شكَّلت ائتلافاً هجيناً مع حزب “نداء تونس” الليبرالي، تقربت من رئيسه الراحل الباجي قائد السبسي؛ من أجل البقاء في السلطة، ولكن في المقابل عملت على اختراق هذا الحزب تدريجياً حتى نجحت في تقسيمه، واستمالة جملة من قياداته على غرار يوسف الشاهد، الذي تحول إلى حليفٍ لها، ومكنها من أن تكون الحاكم الفعلي.

اقرأ أيضًا: محمد البوغديري لـ”كيوبوست”: نطالب بتغيير الدستور التونسي بعد أن أثبت نظام الرئاسات الثلاث فشله

وفي انتخابات 2019، وبعد أن رفضت كل الأحزاب التحالف معها باستثناء ائتلاف الكرامة الذي يعد ذراعها العنيفة، قامت بالتحالف مع حزب “قلب تونس” الذي يُلاحق رئيسه نبيل القروي، بتهم فساد وتبييض أموال، من أجل الحكم.

لكن لا يبدو أن هذه المرة تشبه غيرها من المحطات السابقة؛ لأن الرئيس قيس سعيّد الذي خبر جيداً سياسة الحركة وأساليب المناورة التي تتقنها من أجل الحكم، لن يمنح الحركة الفرصة لالتقاط أنفاسها والعودة إلى المشهد السياسي تحت مسمى الحوار الوطني الذي تروج له بعد أن أدركت أن رصيدها الشعبي في تونس قد تآكل جداً، فضلاً عن غياب الدعم الخارجي رغم النداءات التي أطلقها الغنوشي وبعض قيادات الحركة نحو المجتمع الدولي.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة