الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

استعادة خصوصيتنا

موكسي مارلينسبايك مؤسس خدمة الرسائل المشفرة بين طرفَين.. يحاول "إعادة استخدام الإنترنت إلى الوضع الطبيعي"

كيوبوست – ترجمات

أنا وينر♦

موكسي مارلينسبايك؛ هو المؤسس والرئيس التنفيذي لمؤسسة “سيجنال” التي تقدم خدمة التخاطب المشفر بين طرفَين، والتي أطلقها عام 2014. ومنذ تأسيسها ترافق نمو الشركة مع فترات الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. فعند استخدام التخاطب المشفر فإن محتوى التخاطب -رسالة نصية، محادثة فيديو، مكالمة صوتية.. إلخ- يكون متاحاً لطرفي التخاطب فقط، وفي حال اختراق الاتصال، سواء من قِبل هاكر أو جهة حكومية، فإن المخترق لا يستطيع أن يرى إلا حروفاً وأرقاماً عشوائية لا معنى لها.

شركة “سيجنال” لا تعلن عن معدلات نموها؛ ولكن في عام 2016 قال مارلينسبايك لصحيفة “التايمز” إن معدل التنزيل اليومي لتطبيقه قد ارتفع بمعدل أربعة أضعاف منذ انتخاب دونالد ترامب. وخلال هذا الصيف تدفق على الشركة ملايين المستخدمين الجدد. وبعد أن فرضت الصين قانوناً شاملاً للأمن القومي، في أوائل يوليو، أصبح تطبيق “سيجنال” هو الأكثر تنزيلاً في هونغ كونغ. وقد أدرجت مؤسسة “The Electronic Frontier Foundation” (مؤسسة دولية غير ربحية تعنى بالحقوق الرقمية، وتعزيز الحريات المدنية على الإنترنت- المترجم) تطبيق “سيجنال” ضمن دليل “الدفاع عن النفس ضد التنصت الإلكتروني” الذي تصدره، كما أعرب إدوارد سنودن عن ثقته في التطبيق.

اقرأ أيضاً: دراسة: وسائل التواصل الاجتماعي تقدم “ديمقراطية عفنة”

ويرى مارلينسبايك أن الاتصال المشفر ضروري، ليس فقط في أوقات الاضطرابات السياسية، فجميع مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي يفترضون أن اتصالاتهم آمنة، وبالتأكيد هم لا يرغبون في مشاركة أفكارهم وصورهم مع “فيسبوك” و”غوغل” وشركات الإعلان وحتى الشبكة المظلمة. ويقول: “أشعر بأن (سيجنال) تحاول إعادة استخدام الإنترنت إلى الوضع الطبيعي”. ومنذ إطلاقها تطورت سيجنال من أداةٍ تخصصية يروج لها المهتمون بالخصوصية والمصابون بجنون العظمة إلى تطبيقٍ رئيسي أوصت به صحيفة “وول ستريت جورنال”، ولقي الكثير من الأضواء في العديد من البرامج التليفزيونية، وتشير تقارير إلى أن التطبيق يستخدمه كل من اللجنة الوطنية الديمقراطية، ومجلس الشيوخ الأمريكي، والمفوضية الأوروبية، ووكالات تطبيق القانون، ورودي جولياني، وميلانيا ترامب.

اقرأ أيضاً: دراسة: معظم تطبيقات الهواتف الشائعة تتجسس عليك لصالح “فيسبوك”

في أول لقاء لنا، أكد مارلينسبايك لي أنه لا يريد الخوض في أمور حياته الشخصية، ويشمل ذلك بالنسبة إليه أساسيات سيرته الذاتية، وعمره، ومكان ولادته، واسمه الحقيقي (موكسي هو لقبه منذ الطفولة)؛ حتى إنه رفض تسليط الضوء على أصول اسم عائلته. صديقه الممثل بريت مارلينغ، وصف حواراته مع أصدقائه بأنها جريئة وباهرة. وقال عنه إدوارد سنودن: “إنه مثير للاهتمام بشكل كبير.. ورائع.. ومرح، إنه شخص استثنائي”.

موكسي مارلينسبايك مؤسس والرئيس التنفيذي لـمؤسسة “سيجنال”- مجلة “التايم”

تعد “سيجنال”؛ بوصفها مؤسسة غير ربحية، حالة شاذة بين شركات التكنولوجيا؛ فهي تعتمد بشكل كامل على التبرعات. يقول مارلينسبايك: “لطالما كانت غاية (سيجنال) الرئيسية هي إتاحة التشفير الرقمي للجميع قدر الإمكان بدلاً من تحقيق الربح المادي”. فقاعدة الشيفرة الخاصة بتطبيق “سيجنال” مفتوحة ومتاحة للجميع؛ لتنزيلها والتعليق عليها، حتى إنها تخضع للمراجعة من قِبل المنافسين. معظم الشركات تتعاون مع الحكومات وتوقع معها اتفاقيات، ولكن “سيجنال” تأسست على قاعدة أن المراقبة الجماعية من قِبل الحكومات والشركات يجب أن تكون مستحيلة. وهي نفسها غير قادرة على قراءة رسائل مستخدميها، ولا تجمع بيانات المستخدمين ولا تحتفظ بسجلات المكالمات أو بنسخٍ احتياطية للبيانات، وتدَّعي أنه ليس لديها بوابات خلفية (برمجيات متضمنة تتيح للسلطات والشركات الوصول إلى المحتوى المشفر). وكل ما يمكن أن توفره “سيجنال” من معلومات هو رقم الهاتف المرتبط بالحساب لديها، وتاريخ إنشاء هذا الحساب، وتاريخ آخر اتصال مع خدمة “سيجنال”. وهذا مصدر فخر لها.  كتب مارلينسبايك على مدونته: “يجب على شركات مقدمي الخدمات الإلكترونية، الذين لديهم دور مزدوج بصفتهم أوصياء على بيانات المواطنين الأمريكيين الخاصة، وملتزمين بتنفيذ طلبات المراقبة الحكومية، أن تؤدي دوراً حاسماً في الإعلان عن الممارسات الرقابية للحكومة”.

يقول المدافعون عن تشفير البيانات إن وجود بوابات خلفية سيكون هدفاً فورياً للمعلنين الأجانب والإرهابيين ومخترقي الشبكات. وفي المقابل يقول مناهضو التشفير إنه يوفر الحماية للمؤامرات الإرهابية وللاستغلال الجنسي للأطفال.. وغيرها من الأنشطة الإجرامية. وبالطبع، فإن الحكومات تضغط بشدة للحصول على بوابات خلفية في الأنظمة المشفرة، فقد منعت كل من الصين وروسيا وإيران العديد من تطبيقات التراسل المشفرة، وأقرت بريطانيا قانوناً يجيز للحكومة إلزام مزودي الاتصالات بإزالة الحماية الإلكترونية عن الاتصالات والبيانات، وكذلك فعلت أستراليا.

اقرأ أيضاً: هذا ما اختارته غوغل وأبل لقائمة أفضل تطبيقات العام

وفي وقتٍ سابق من هذا العام أشاد المدعي العام الأمريكي ويليام بار، بمشروع قانون “الوصول القانوني إلى البيانات المشفرة” في الكونغرس، والذي يطلب من مزودي الاتصالات ومصنعي الأجهزة وشركات التكنولوجيا وغيرها فك الشيفرات بناء على أمر قضائي.

في الولايات المتحدة، كان التشفير يعد من أدوات الأمن القومي، وكانت معظم أبحاث التشفير تجري بواسطة وكالة الأمن القومي، كما صُنِّفَت الأبحاث الأكاديمية حول التشفير بأنها أسرار دولة، وعوملت أجهزة التشفير على أنها عتاد عسكري وفرضت القيود على تصديرها. واستمر ذلك حتى أواخر القرن العشرين، حين تمكن باحثان من جامعة ستانفورد من اختراع ما عرف بنظام تبادل مفاتيح التشفير، وسجَّلت جامعة ستانفورد هذا الاختراع باسمها؛ منهية احتكار وكالة الأمن القومي تقنيات التشفير.

ومع ظهور “الإنترنت” وانتشارها أصبح التشفير أمراً ضرورياً للمعاملات الآمنة، وبدأت “حرب التشفير” بين الحكومة الأمريكية ومجموعة من المهندسين والنشطاء الذين اعتبروا التشفير أمراً أساسياً للمجتمع الحر.

منذ طفولته، كان مارلينسبايك مولعاً بموضوع التشفير، وبدأ يتعلم تدريجياً المزيدَ عن نظام تبادل مفاتيح التشفير الذي كان له وقع السحر عليه. يقول مارلينسبايك: “دون أي ترتيب مسبق، يمكن لشخصين أن يتحادثا بطريقة لا يستطيع أحد فهمها، إنه أمرٌ لا يصدق. يمكنك البدء من لا شيء”. ومع انتشار الإنترنت بشكل أكبر، بدأ مخترقو الشبكات (الهاكرز) بالتسلل عبر خدمة المحادثة (I.R.C) التي كانت شائعة في حينها للوصول إلى معلومات مفيدة؛ مثل البرامج المحمية بحقوق الملكية أو إجراء مكالمات دولية مجاناً. لذلك كان انعدام الأمان على شبكة الإنترنت يشكل تهديداً للشركات، وليس للأفراد. يقول مارلينسبايك: “كانت المخاطر قليلة جداً؛ فالاقتصاد لم يكن متصلاً مع الإنترنت”.

بعد تخرجه في الثانوية في أواخر التسعينيات، توجه مارلينسبايك إلى سان فرانسيسكو وعمل في شركة برمجيات؛ حيث كان أصغر الموظفين سناً. في سيليكون فالي، كانت ثقافة القرصنة التي أعجب بها مارلينسبايك تتحول إلى صناعة أمن المعلومات. ومع تزايد الشركات المرتبطة بالإنترنت، بدأت هذه الشركات بتأسيس أقسام خاصة فيها للأمن السيبراني؛ لحمايتها من القبعات السواء (المتسللين السيئين). وبدأ مهندسو البرمجيات بتسويق أنفسهم على أنهم القبعات البيضاء (المتسللون الجيدون)، وفرضوا على الشركات أجواء عالية مقابل عملهم. يقول مارلينسبايك: “على كلا الجانبين أصبح الأمر كله يدور حول المال”.

القبعات السود ترمز إلى المتسللين السيئين.. والقبعات البيض ترمز إلى المتخصصين في الأمن السيبراني

في ذروة فقاعة “دوت كوم”، ترك مارلينسبايك وظيفته في البرمجة، وأمضى بعض الوقت في التسكع والسفر عبر البلاد؛ حيث عاش حياة التشرد. في ما بعد أنشأ موقع “مشروع المكتبة الموزَّعة”؛ حيث يمكن للناس فهرسة مقتنياتهم من الكتب وتبادلها مع الآخرين. مع أن الموقع، الذي لم ينشأ بالأصل لغاية ربحية، اجتذب المئات من الناس، إلا أنه لم يُلاقِ النجاح. ربما أحب الناس فهرسة مكتباتهم؛ لكنهم لم يحبوا فكرة اللقاء الشخصي لتبادل الكتب.

اكتشف مارلينسبايك في عام 2002 ثغرة أمنية كبيرة في برنامج “إنترنت إكسبلورر” التابع لشركة “مايكروسوفت”، ونشر على صفحته الشخصية thoughtcrime.org برنامجاً يقوم بهجمات متكررة على المواقع؛ حيث استعمل مستخدمو الإنترنت هذا البرنامج للعثور على نقاط الضعف في مواقعهم وخدماتهم. ولاقى عمله هذا اهتماماً كبيراً من مجتمع المتسللين والمجتمعات الأمنية على حد سواء، إلا أنه لم يرغب في استثمار هذا العمل اقتصادياً. وفي ما بعد أضاف إلى الموقع “زر التبرع” وهو أشبه ما يكون بصندوق الإكراميات. قال لي أحد أصدقائه المقربين “أعتقد أن موكسي، لحسن الحظ، هو شخص لا يحفزه المال”.

اقرأ أيضاً: دراسة: وسائل التواصل الاجتماعي قد تنقذ حياتك في الكوارث

اكتشف مارلينسبايك ثغرة خطيرة في الإنترنت أثرت على كل المتصفحين تقريباً، فقد مكنت المتسللين من شن هجمات تسمى “الرجل الوسيط” يمكن للمهاجم من خلالها أن يعترض اتصالاً بين طرفين وسحب البيانات منهما. وفي عام 2009 استعرض هذه الثغرة في مؤتمر “بلاك هاتس دي سي” السنوي للأمن السيبراني، وفي نهاية حديثة أطلق أداة جديدة أطلق عليها “SSLstrip” تقوم بشن هجمات تلقائية على “الرجل الوسيط” باستخدام الثغرة الأمنية التي اكتشفها. وقد رفع هذا العمل مارلينسبايك إلى مرتبة الخبراء. يقول عالم التشفير والأستاذ في جامعة ستانفورد دان بونيه، الذي يدرس “SSLstrip” لطلابه: “لقد غير SSLstrip كيفية عمل متصفحات الإنترنت، وتسبب في تغيير شبكة الإنترنت”.

لطالما كانت لدى مارلينسبايك مخاوف من أن منتجات وخدمات شركات التكنولوجيا الخاصة -شركات الاتصالات ومخدمات البريد الإلكتروني ومحركات البحث والشبكات الاجتماعية- كانت تقوم على شبكات جمع البيانات الجشعة، وأصبح من الواضح أن الدولة توسع جهاز المراقبة الضخم بمساعدة الشركات الخاصة.

في عام 2010، انتقل مارلينسبايك مع صديقه ستيوارت أندرسون، الذي يحمل شهادة الدكتوراه في علم الروبوتات، إلى “باي إيريا”، وأسسا شركة “ويسبر سيستمز” لأمن أجهزة الهواتف المحمولة، وعملا على مجموعة من الأدوات، منها “ريدفون” و”تيكست سيكيور”، وهما تطبيقان لتشفير الاتصالات يعملان بنظام أندرويد. وفي عام 2011 مع انطلاق الربيع العربي قاما بتصميم نسخ دولية من “ريدفون” و”تيكست سيكيور”؛ كي يستعملها المحتجون المصريون خصوصاً.

وبعد أقل من عام باع مارلينسبايك وأندرسون؛ الموظفان الوحيدان في شركة “ويسبر سيستمز”، الشركةَ الناشئة إلى شركة “تويتر” مقابل مبلغ لم يُعلن عنه. وبعد الإعلان عن الاستحواذ، قامت “تويتر” بإيقاف “ريدفون” و”تيكست سيكيور” مؤقتاً، مما أثار قلق الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان. وبعد ثلاثة أسابيع، أعلنت “تويتر” أنها ستطرح رموز التطبيقَين ضمن المشروعات مفتوحة المصدر؛ مما يجعل خدماتهما متاحة للجميع.

اقرأ أيضاً: 20 شخصية تقود ثورة التكنولوجيا في الألفية الثانية (1)

شغل مارلينسبايك منصب مدير أمن المنتجات في “تويتر”، وبدأ الاستعداد لتشفير نظام واسع النطاق، إلا أن هذا لم يحدث. وعلى الرغم من تحفظ مارلينسبايك في الحديث عن الفترة التي قضاها في “تويتر”؛ فإن نيك بيلتون قال في كتابه حول السنوات المبكرة لـ”تويتر”: “كانت أجواء اجتماعات مجلس الإدارة تشبه أجواء مسلسل لعبة العروش (Game of Thrones)، كان هنالك الكثير من الغدر، ولم يكن هنالك مَن يقود السفينة”، وتراجع الاهتمام بالأمن لصالح الاهتمام بالنمو، ولا تزال الرسائل المباشرة على “تويتر” غير مشفرة بين طرفَيها.

مع ازدياد زخم المظاهرات في الولايات المتحدة المدير التنفيذي لـ”تويتر” ينصح بتنزيل تطبيق “سيجنال”- “زا بزنس”

غادر مارلينسبايك “تويتر” في أوائل عام 2013، متخلياً عن أسهم بقيمة مليون دولار، وسرعان ما أنشأ مؤسسة “أوبن ويسبر سيستمز” غير الربحية، وعاد إلى العمل على نسخ مصدر مفتوح من “ريدفون” و”تيكست سيكيور”.

لا يدَّعي مارلينسبايك الفضل في نمو تطبيق “سيجنال” في العقد الأخير، ويقول: “إنه يحدث وأنت تجاريه”، ويستعرض عدداً من العوامل التي أدت إلى تزايد الاهتمام بالتشفير؛ مثل انتشار أجهزة الهاتف المحمول الذكية، وانتشار تطبيقات الدردشة.

كانت مؤسسة “أوبن ويسبر سيستمز” تعمل من مكتبٍ متهالك، وتتلقى تمويلاً من “مؤسسة حرية الصحافة” وتعمل بميزانية محدودة بمساعدة من مؤسسات مهتمة بالحريات العامة. وعمل مارلينسبايك مع مصمم تشفير آخر، هو تريفور بيرين، على بروتوكول “تيكست سيكيور”؛ من أجل تقديم منتج مباشر ومقنع بدرجة كافية تجذب اهتمام المنصات الأخرى لاعتماده.

في أواخر عام 2013 التقى مارلينسبايك برايان أكتون، مؤسس تطبيق “واتس آب” الذي عبر عن اهتمامه بإضافة تشفير من طرف إلى طرف على خدمة الرسائل. بعد ذلك بوقت قصير، في أوائل 2014 استحوذت “فيسبوك” على “واتس آب” مقابل 22 مليار دولار. وفي السنة نفسها، قامت مؤسسة “أوبن ويسبر سيستمز” بدمج تطبيقَي “ريدفون” و”تيكست سيكيور” في تطبيق اتصالات واحد يعمل على نظامي “أندرويد” و”iOS”، وأطلقت عليه اسم “سيجنال”. أمضى الجزء الأكبر من عام 2015 في رحلات إلى ماونتن فيو، حيث عمل مع أكتون على إضافة بروتوكول “سيجنال” إلى تطبيق “واتس آب”.

في عام 2017 مُنح مارلينسبايك وبيرين جائزة ليفتشين على عملهما في بروتوكول “سيجنال”؛ وهي جائزة جديدة أنشأها رجل الأعمال والمؤسس المشارك في PayPal ماكس ليفتشين لتطبيقات التشفير.

اقرأ أيضاً: كم يجني الهاكرز من عمليات الاختراق الإلكترونية؟

في ذلك العام، غادر أكتون “فيسبوك” إثر خلافات مع كبار المسؤولين في الشركة شيرلي ساندبيرغ ومارك زوكربيرغ، حول توسيع شبكة الإعلانات المستهدفة لتشمل تطبيق “واتس آب”؛ الأمر الذي أعاقه التشفير بين طرفَي الاتصال على “واتس آب”. وفي عام 2018 أعلن مارلينسبايك وأكتون تأسيس مؤسسة “سيجنال” غير الربحية، وقام رئيس مجلس إدارتها أكتون، بمنحها قرضاً دون فوائد قدره 50 مليون دولار.

أراد كل من مارلينسبايك وأكتون أن يبرهنا أنه من الممكن بناء تكنولوجيا رئيسية لا تخضع لرأس المال الاستثماري أو للأسواق. وبفضل طبيعتها غير الربحية وعلى الرغم من التكاليف الباهظة لإنتاج وصيانة البرنامج؛ فإن “سيجنال” ظلت بعيدة عن العوامل التي أثرت على علاقة ويسبر سيستمز مع “تويتر” وعلاقة “واتس آب” مع “فيسبوك”.

تطبيق “واتس آب” يستعمل بروتوكول “سيجنال” لتشفير المكالمة بين طرفَيها- “بزنس توداي”

يتم تعويض “سيجنال” عن استخدام بروتوكول “سيجنال” من خلال سياسة “ادفع بقدر ما تشاء”. وقد استعملت “سكايب” هذا البروتوكول في إعدادات “المكالمات الخاصة”، وكذلك استعمله تطبيق “ماسنجر” التابع لـ”فيسبوك” في خاصية “المكالمات السرية”. وقد رفض مارلينسبايك الإفصاح عن المبلغ الذي تبرعت به أي من الشركتَين.

تدفع “سيجنال” إلى موظفيها رواتب تنافسية، إلا أنها لا تزال تعاني صعوبات في التنافس مع الشركات الكبرى على المهندسين، ويتقاضى مارلينسبايك بصفته رئيساً تنفيذياً للمؤسسة راتباً من ستة أرقام يُعتبر متواضعاً في صناعة البرمجيـات، ويقل عن راتب متوسط في “فيسبوك”.

تشغِّل “سيجنال” حالياً 36 موظفاً؛ حيث يحاول مارلينسبايك إيجاد طرق لاتخاذ القرارات بشكل جماعي. تقول نورا تراب، مديرة قسم “iOS” في “سيجنال”: “إذا كان لا بد من وجود شخص يمثلنا، فمن الجيد أن يكون موكسي هو هذا الشخص؛ ولكني أعتقد أن وجود فرد واحد يلعب هذا الدور يتعارض قليلاً مع طريقة عملنا وأدائنا”.

بالطبع هنالك تحديات متأصلة في موضوع الاتصالات الرقمية؛ فمن الممكن التقاط صورة لشاشة الجهاز “Screen shot” أو يمكن أن يتعرض الجهاز المحمول إلى السرقة أو القرصنة. كما ينتقد بعض المهتمين بشؤون خصوصية الاتصالات؛ ومن بينهم سنودن، طلب “سيجنال” أن يقوم كل مستخدم بتسجيل اشتراكه في تطبيقها عن طريق رقم هاتفه، ويعترض آخرون على الإعدادات الافتراضية لـ”سيجنال” التي تعلم المستخدمين بانضمام كل مستخدم جديد إلى خدماتها.

يقدم تطبيق “سيجنال” ميزات غير عادية؛ مثل الرسائل التي تختفي بعد فترة زمنية محددة، وقد طالب المستخدمون بتوفير الرسومات المعبرة “Stickers” على أن تكون مشفرة أيضاً بين طرفَي الاتصال. وفي الوقت الحالي يعمل مهندسو “سيجنال” على العديد من التحسينات؛ مثل تطوير محادثات فيديو متعددة الأطراف، وتسريع عمل أنظمة الدردشة الجماعية وتقويتها.

اقرأ أيضاً: دول حاربت مواقع التواصل الاجتماعي

يقول مارلينسبايك: “إن أي شيء تصنعه في مجال التكنولوجيا الرقمية يكون جزءاً من منظومة بيئية متكاملة، وهذه المنظومة دائمة التغير، و(سيجنال) هو برنامج مهووس بالأمن ويقوم باحتواء التهديدات الجديدة بشكل مستمر”. وعبَّر عن حسده للكتاب والموسيقيين وصانعي الأفلام: “على العكس من البرمجيات، فهؤلاء عندما يكملون عملاً ما  يكون هذا العمل قد انتهى إلى الأبد. فالعمل الموسيقي مثلاً يبقى على حاله لسنوات عديدة، ولكن البرنامج يجب أن يتغير باستمرار”.

اقرأ أيضاً: دور وسائل التواصل الاجتماعي في “الربيع الأمريكي” ومستقبل الانتخابات الأمريكية

مع اندلاع احتجاجات (Black Lives Matter) “حياة السود مهمة” بدأ موظفو “سيجنال” بتلقي طلبات وتعليقات من منظمي الاحتجاجات والمسعفين والمحتجين، وعملت تراب ليل نهار على تطوير أداة لتشويش وضوح الوجوه لإخفاء هوية المحتجين في صور الاحتجاجات، وقامت “سيجنال” بإطلاق هذه الأداة على الفور. لقد تغيَّرت الكثير من الأمور؛ فقبل عشر سنوات كان الحديث عن إلغاء أجهزة الشرطة والسجون أمراً مستبعداً، وفجأة بدأ الناس في تشكيل مجموعات على تطبيق “سيجنال” لمراقبة الشرطة، وأصبح الأمريكيون يتحدثون عن سلوك أجهزة الشرطة التمييزي في التعامل مع المواطنين.

تطبيق “سيجنال” أصبح يتضمن خاصية تشويش وضوح الوجوه- “تيك تشيرش”

ومع ذلك، فقد بقي الكثير على حاله. تفاجأ برؤية المتظاهرين يتوقفون لالتقاط الصور مع الحرس الوطني، وكأن الاحتجاجات كانت مجرد استعراض تم تنظيمه في شارع أبوت كيني، ليتم تصويره وتوثيقه على وسائل التواصل الاجتماعي.

يقول مارلينسبايك: “في التسعينيات كان هنالك تركيز كبير على فكرة النشر الذاتي، أي أن يتمكن الفرد من أن يكون منتجاً ومستهلكاً للمعلومات في الوقت نفسه. عندها سيكون العالم مكاناً مختلفاً. وهذا كله جاء من ثقافة زاين. (ثقافة زاين نسبة إلى منشورات زاين التي كانت تنشرها مجموعات متخصصة بشأن ما، ويقرؤها المهتمون بالشأن ذاته. وتاريخياً كانت وسيلة لتبادل الأفكار بحرية في ظل الأنظمة الاستبدادية- المترجم).

ويتابع قائلاً: “لم يكن أحد ليتوقع أن هذا ما ستصبح عليه الأمور، ولكن الآن فإن أي شخص يمكنه الوصول إلى منصة النشر نفسها التي يستخدمها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية”. وأضاف بعد تنهيدة طويلة: “ما لم نكن نتوقعه عندما كنا في غاية التفاؤل هو مدى ضآلة أثر منصات التواصل في تغيير الأشياء على الأرض. في الماضي كنا نحلم أنه إذا قتل شرطي شخصاً في ضواحي سانت لويس، فسيكون متاحاً أن يعلم كل الأمريكيين بذلك على الفور، وهذا قد تحقق. ما أخطأنا في توقعه هو أن هذا الشيء سيكون كافياً”.

سألته “كافياً من أجل ماذا؟”، فأجاب بشكل قاطع “لمنع حدوث ذلك مرة أخرى”.

♦كاتبة في “ذا نيويوركر”

المصدر: ذا نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة