الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

استراتيجية الصين الكبرى: الاتجاهات والمسارات والتنافس طويل المدى

كيوبوست

من المرجح أن يتصاعد التنافس بين الصين والولايات المتحدة لسنوات عديدة قادمة، نظراً لأنه من غير المحتمل أن ينسحب أي منهما من الشؤون العالمية في المستقبل المنظور. كما أن كلا الدولتين تعتبر الدولة الأخرى منافساً استراتيجياً لها، بما يرتبه ذلك من ارتيابهما بشدة في نوايا وتصرفات الطرف الآخر.

ويسعى هذا التقرير لاستكشاف ما قد تنطوي عليه المنافسة الممتدة بين الولايات المتحدة والصين حتى عام 2050. ويتم تناول ذلك من خلال تحديد وتوصيف الاستراتيجية الكبرى للصين، وتحليل الاستراتيجيات الوطنية المكونة لها (الدبلوماسية، والاقتصادية، والعلمية والتكنولوجية، والعسكرية)، وتقييم مدى نجاح الصين في تنفيذ ذلك على مدى العقود الثلاثة القادمة.

نائب رئيس مجلس الدولة الصيني “ليو هي” والرئيس الأمريكي ترامب يتصافحان – “رويترز”

الاستراتيجية القومية الصينية:

وضعت الصين أربع استراتيجيات كبرى متتالية منذ عام 1949: وهي استراتيجية الثورة (1949-1977)، واستراتيجية التعافي (1978-1989)، واستراتيجية بناء القوة الوطنية الشاملة (1990-2003)، واستراتيجية التجديد الوطني (2004 – حتى الآن). وعلى الرغم من وجود اختلافات بين هذه الاستراتيجيات الأربعة، فإنه يلاحظ وجود بعض الأهداف الاستراتيجية الدائمة المستمرة عبر عقود.

اقرأ أيضاً: لماذا يحوم التنين الآسيوي حول الشرق الأوسط؟

ومن بين هذه الثوابت (1) استعادة السلامة الإقليمية والحفاظ عليها و(2) منع سيطرة قوة أخرى على منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ومنذ عام 1978، تمت إضافة هدفان استراتيجيان إضافيان وهما: (3) خلق بيئة دولية مواتية للتنمية الاقتصادية و(4) أن يكون للصين صوت ودور في تشكيل النظام العالمي المتغير. وركزت كل استراتيجية من هذه الاستراتيجيات الأربع الكبرى على جعل الصين أقوى. ومع ذلك، فقد كان لقادة جمهورية الصين الشعبية المتعاقبين أولويات متباينة، كما ركزوا على أساليب وموارد مختلفة.

وتتكون المصالح الأساسية والدائمة للصين في ثلاث مصالح أساسية، وهي:

  • الأمن: يقصد بها الحفاظ على أمن النظام السياسي والأمن القومي للصين.
  • السيادة: أي حماية السيادة الوطنية وسلامة الأراضي والوحدة الإقليمية للأراضي الصينية.
  • التنمية: الحفاظ على الظروف الدولية المواتية لتحقيق الصين تنمية اقتصادية مستدامة.

وتتمثل المتطلبات الأساسية لنجاح الصين في تنفيذ استراتيجيتها الكبرى: “التجديد الوطني” في الإدارة الذكية للنظام السياسي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وتتمثل أهدافها الرئيسية في الارتقاء بالصين لتصبح دولة تتمتع بحكم جيد، واستقرار اجتماعي، وازدهار اقتصادي، وتقدم تقني، وقوة عسكرية، وذلك بحلول عام 2050.

التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني متعددة

اختلالات الاقتصاد الصيني:

ينمو الاقتصاد الصيني بوتيرة عالية خلال الأربعين عاماً الماضية، وهو في طريقه لتجاوز حجم الاقتصاد الأمريكي في العقود القادمة. ومثل أي دولة نمت بسرعة خلال هذه الفترة الطويلة، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني يتباطأ. وبعد أن بلغ متوسط نموه 10 في المائة سنوياً بين عامي 1980 و2009، بدأ الاقتصاد الصيني في التباطؤ، حيث بلغ متوسط نموه حوالي 8 في المائة منذ عام 2010. ومع ذلك، فإن هذا النمو السريع كانت تكلفته مرتفعة، إذ يتسم الاقتصاد الصيني بالاختلالات التالية:

  • الاختلال الأول: اقتصاد ضخم ومواطنون فقراء نسبياً: تمتلك الصين حالياً ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، حيث بلغ 11.2 تريليون دولار (بالقيمة الأسمية) في عام 2016. ومع ذلك، لا يزال المواطنون الصينيون أفقر بكثير حتى من العديد من جيرانهم الآسيويين، فقد بلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 8123 دولاراً في عام 2016، في حين بلغ متوسط كوريا الجنوبية 27538 دولاراً، وبلغ متوسط الولايات المتحدة 57467 دولاراً.
  • الاختلال الثاني: ارتفاع الاستثمار وانخفاض الاستهلاك: كانت الصين تعتمد بشكل مفرط على الاستثمار لدفع النمو الاقتصادي. ولهذا السبب، أصبحت الاستثمارات الإضافية أقل فاعلية كمصدر للنمو الاقتصادي. وعلى العكس من ذلك، ظل الاستهلاك منخفضاً في الصين، حتى بالمقارنة مع اقتصادات شرق آسيا الأخرى. ومن أهم عوامل إعادة التوازن في الصين بعيداً عن الاستثمار، زيادة نصيب استهلاك الأسر من الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك، تُظهر الاتجاهات الاقتصادية منذ عام 2007 انخفاض حصة الاستهلاك، مما يشير إلى استمرار اعتماد النمو الاقتصادي على الإنفاق الحكومي والاستثمارات الأجنبية والصادرات لتحفيز النمو وتحقيق الاستقرار في الاقتصاد خلال أوقات الأزمات.
  • الاختلال الثالث: الاعتماد الكبير على الصادرات: اعتمد نموذج التنمية الصيني اعتماداً كبيراً على الصادرات، والتي شكلت حوالي 22 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015، بينما كانت الصادرات اليابانية 17 في المائة، وذلك على الرغم من أن الاقتصاد الصيني أكبر من ضعف الاقتصاد الياباني. وخلال أسرع معدلات النمو الاقتصادي في اليابان بين عامي 1960 و1985، شكلت الصادرات حوالي 11.5٪ من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط. ومع ذلك، شكلت الصادرات الصينية 23.4٪ من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط خلال أسرع فترة نمو في الصين بين عامي 1990 و2010.
  • الاختلال الرابع: تراجع حجم القوى العاملة وشيخوخة السكان: تواجه جمهورية الصين الشعبية تراجعاً سريعاً في القوى العاملة وشيخوخة السكان، بسبب اتباعها لسياسة الطفل الواحد على مدار ثلاثة عقود. وفي عام 2000، كان 10 في المائة من سكان الصين يبلغون من العمر 60 عاماً، أو أكثر؛ بينما في عام 2015، كان أكثر من 15 بالمائة من المواطنين الصينيين أكبر من 60.45 عاماً، وسوف يتفاقم هذا الاتجاه في العقود القادمة.
  • الاختلال الخامس: إنتاج مرتفع مع استفادة محدودة من الملكية الفكرية: أثبتت جمهورية الصين الشعبية نفسها بالفعل كدولة رائدة في تطوير الملكية الفكرية، ولكنها تواجه صعوبات في تحويل ذلك إلى مخرجات اقتصادية. ففي عام 2016، أنتجت جمهورية الصين الشعبية أكثر من ضعف براءات الاختراع التي أنتجتها الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن تطبيق هذه التقنيات والاستفادة بها اقتصادياً كانت محدودة بسبب انخفاض جودة براءات الاختراع. كما لا تزال الصين تعتمد أيضاً على التقنيات الأجنبية، إذ تدفع الشركات الصينية بشكل متزايد للشركات الأجنبية رسوم ترخيص الملكية الفكرية، بينما تحقق الشركات الأمريكية فائضاً من بيع هذه البراءات.
  • الاختلال السادس: الوجود الكبير للدولة في الاقتصاد الصيني: استمر وجود الدولة في الاقتصاد الصيني، مما أدى إلى توقف الإصلاح الحقيقي. ويُلاحظ وجود الدولة الصينية على جميع مستويات الاقتصاد، فأكبر الشركات في الصين هي الشركات والبنوك المملوكة للدولة، وتسهم الشركات المملوكة للدولة بحصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي الصيني، كما أن وجود مسؤولين من الحزب الشيوعي في الشركات الخاصة أمراً شائعاً، وتقتصر قدرة الشركات الأجنبية على الاستثمار في السوق الصيني في قطاعات معينة، في حين يتم دعم المصدرين من خلال سياسات الحكومات المحلية والحكومة المركزية.
الرئيسان الصيني والأمريكي

أربعة سيناريوهات

تتبنى الصين استراتيجية وطنية طموحة طويلة الأجل لتحقيق الأهداف الشاملة لاستراتيجيتها الكبرى. ويسعى التقرير للإجابة على سؤال كيف ستبدو الصين بحلول عام 2050؟، وأجاب التقرير عن ذلك من خلال وضع أربع سيناريوهات لما قد تبدو عليه الصين بحلول عام 2050، والتي تتمثل في التالي:

  • الصين المنتصرة: تنجح بكين، وفقاً لهذا السيناريو، في تحقيق كافة أهداف استراتيجيتها الكبرى، أي يتوقع هذا السيناريو أنه بحلول عام 2050، ستصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم، ورائدة في مجال الابتكار، فضلاً عن امتلاكها قوات مسلحة حديثة، وذات قدرة عالية على نشر قواتها حول العالم.
  • الصين الصاعدة: تنجح بكين في تحقيق العديد من أهداف استراتيجيتها الكبرى، ولكن ليس كلها. فبينما تصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم، فإنها لا تزال متخلفة عن الولايات المتحدة والدول الكبرى في العلوم والتكنولوجيا. كما أن جيش التحرير الشعبي سيظل هو القوة العسكرية المهيمنة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وسيكون نشطاً للغاية خارج الجوار المباشر للصين. ومع ذلك، لن يصل جيش التحرير الشعبي إلى مرحلة تحقيق التكافؤ مع الجيش الأمريكي.
  • الصين الراكدة: تفشل بكين في تحقيق أي من الأهداف طويلة المدى، التي وضعتها لنفسها، إذ تتراجع معدلات نمو الاقتصاد الصيني، بصورة تجعله يتخلف عن القوى العظمى الأخرى. وتدعي بكين تحقيقها معدلات نمو سنوية تتراوح بين 1 و 2 في المائة، غير أن هذه الأرقام تكون مزيفة وتفتقد للمصداقية. وفي ظل هذا السيناريو، سيستمر استشراء الفساد الرسمي، كما سيزداد الاقتتال الداخلي بين النخبة بصورة واضحة ومتكررة. وستعاني الصين من بعض الاضطرابات الداخلية.
  • انهيار الصين داخلياً: تحاصر بكين بالعديد من المشاكل التي تهدد وجود النظام الشيوعي، وفي هذا السيناريو، ستعاني الصين من أزمات شبه دائمة. وستؤدي الانتكاسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية إلى خلق أزمة وجودية في الأربعينيات من القرن الواحد والعشرين. ويتنبأ هذا السيناريو بحدوث اضطرابات داخلية وانهيار الحزب الشيوعي الحاكم، على غرار الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا، وغيرها من الدول الشيوعية التي انهارت.
  • سيناريوهات متعددة أمام الصين

تم الاعتماد في تطوير السيناريوهات الأربعة السابقة على أربعة عناصر أساسية وهي:

  • التوقعات العامة لتنمية الصين وقدرتها على تحقيق أهدافها
  • الظروف الداخلية والخارجية المحددة والمؤثرة على تطور كل سيناريو
  • تأثير كل سيناريو على دور الصين الدولي
  • تداعيات كل سيناريو من السيناريوهات الأربعة على الولايات المتحدة.

ويخلص التقرير إلى أن أياً من هذه السيناريوهات الأربعة قابلة للتحقيق في مدى زمني يصل إلى ثلاثة عقود. ويعد سيناريو “الصين المنتصرة” هو الأقل لأن مثل هذه النتيجة تفترض هامشاً ضئيلاً للخطأ، وغياب أي أزمة كبيرة، أو انتكاسة خطيرة تواجهها الصين من الآن وحتى عام 2050، وهو افتراض صعب حدوثه.

ومن ناحية أخرى، فإن الصين المنهارة أمر لا يزال أمراً مستبعداً، لأنه حتى الآن، أثبت القادة الصينيون، في معظم الأحيان، مهارتهم في التنظيم والتخطيط، والتغلب على الأزمات، فضلاً عن مهارة التكيف مع الظروف المتغيرة.

الصين أصبحت تهدد سيطرة أمريكا على عرش التجارة العالمية

وبحلول عام 2050، من المرجح أن تشهد الصين مزيجًا من النجاحات والإخفاقات، ولذلك ستكون أكثر السيناريوهات منطقية هي “الصين الصاعدة” أو “الصين الراكدة”. وفي سيناريو “الصين الصاعدة”، ستنجح الصين، إلى حد كبير، في تحقيق أهدافها طويلة الأجل، بينما في السيناريو الأخير، ستواجه الصين تحديات كبيرة وستفشل في الغالب في تنفيذ استراتيجيتها الكبرى.

اقرأ أيضاً: هل تؤدي جائحة كورونا إلى تمكين الصين على حساب الولايات المتحدة؟

ثلاث مسارات تنافسية

يمكن أن تنتج هذه السيناريوهات الأربعة ثلاثة مسارات مثالية محتملة لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، والتي تختلف من حيث شدة الصراع ودرجة التعاون، ويمكن تفصيلها على النحو التالي:

  • الشريكين المتوازيين: في هذا النمط من العلاقة، ستعود العلاقات بين الولايات المتحدة والصين لما قبل عام 2018، حينما عملت كل من واشنطن وبكين بشكل متوازٍ على مجموعة واسعة من القضايا الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية. وعلى الرغم من أن ذلك قد انطوى على قدر كبير من التعاون، فإنه في معظم الحالات لم يكن تعاوناً وثيقاً أو تنسيقاً مكثفاً.

وفي حين أن التعاون المستقبلي بين الولايات المتحدة والصين قد يكون قائماً، فإن التعاون الشامل يبدو أمراً غير واقعي، بالنظر إلى عمق عدم الثقة المتبادلة بين الجانبين ومناخ المنافسة. ومع ذلك فإن هناك تعاون قائم في عدد من الملفات، ففي مجال الأمن، على سبيل المثال، عملت الولايات المتحدة والصين، على حد سواء، لمعالجة التهديدات الأمنية غير التقليدية. وشمل ذلك القيام بدوريات لمكافحة القرصنة في خليج عدن، وتفكيك أسلحة الدمار الشامل في سوريا. ومن المرجح أن يتحقق مسار “الشريكين المتوازيين” في حالة سيناريو الصين الراكدة” أو حتى “الصين الصاعدة”، ولكن ذلك التعاون سيظل قائماً في الأنشطة خارج منطقة جنوب شرق آسيا.

تمثال الرئيس الصيني الراحل ماو تسي تونغ في ووهان- “رويترز”
  • المنافسين المتصادمين: يتوقع أن تكون العلاقة بين الولايات المتحدة والصين أكثر تنافسية. من المرجح أن يتجلى هذا المسار في سيناريو “الصين المنتصرة”، حيث ستصبح بكين حينها أكثر ثقة وحزماً في سياستها الخارجية. ونظراً لأن جيش التحرير الشعبي الصيني سيكون وقتها أكثر جرأة ونشاطاً في السعي لطرد القوات العسكرية الأمريكية من غرب المحيط الهادئ، أو في أي مكان آخر، فإن احتمالية المواجهة والصراع العسكري بين الولايات المتحدة والصين ستزداد.
  • اتجاهات متباينة: يفترض، وفقاً لهذا النمط المتخيل للعلاقة بين الولايات المتحدة والصين، أن يتعاونا بنشاط ويتجنبا الدخول في صراع مباشرة. ومن المرجح أن يحدث هذا المسار في سيناريو “الصين المنهارة” لأن بكين ستكون منشغلة بالمشاكل الداخلية المتصاعدة.

اقرأ أيضاً: كيف تنزلق الولايات المتحدة والصين نحو “دوامة أيديولوجية” و”حرب باردة”؟

التداعيات المستقبلية:

أصبحت القيادة العليا في الصين واضحة وصريحة بشأن تحديد أهدافها الاستراتيجية، لكن الرواية الصينية بأن هذه الأهداف تحقق في النهاية “مكاسب للطرفين”، أي للصين والدول الأخرى أمر محل شك كبير، خاصة بعد مراجعة مجالات التعاون بين الصين وغيرها من الدول.

وفي سياق الاستراتيجية الكبرى لجمهورية الصين الشعبية ومصالحها، حددت بكين عدة أهداف، فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي، والقيادة الإقليمية والعالمية لتطوير البنى الاقتصادية والأمنية، والسيطرة على الأراضي المتنازع عليها. وتتسبب بعض هذه الأهداف في إشعال التنافس والصراع والتوتر المحتمل مع الولايات المتحدة وحلفائها.

ويدرك قادة الصين ذلك بوضوح، ولذلك حددوا الفاعلين والسلوكيات، الذين يرون أنها تمثل تهديداً لتحقيق هذه الأهداف. وتسعى الصين إلى إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، على نحو يمكنها من تحقيق ميزة تنافسية، وحل التهديدات المنبثقة عن تلك المنافسة، دون عرقلة قدرة الصين على تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأخرى، خاصة الاقتصادية منها.

رقابة على الإنترنت في الصين- وكالات

وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تسعى الصين للسيطرة على والتحكم في الاتجاهات والتطورات الإقليمية، فضلاً عن تغيير الوضع الإقليمي الراهن بطرق مواتية للصين، ودون أن يتسبب ذلك في تضخيم “التهديد الصيني”.

ويساعد تحديد الأهداف الاستراتيجية لجمهورية الصين الشعبية، والتهديدات المتصورة منها، والفرص المتوفرة لها الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات في سياق المنافسة طويلة الأجل بين الولايات المتحدة والصين. ويبدو أن الاستعداد لـ “الصين المنتصرة أو الصاعدة” أكثر حكمة بالنسبة للولايات المتحدة لأن هذه السيناريوهات تتماشى مع اتجاهات التنمية الحالية لجمهورية الصين الشعبية وتمثل السيناريوهات المستقبلية الأكثر تحدياً للجيش الأمريكي.

اقرأ أيضاً: ماذا وراء ذُعر الولايات المتحدة من سيطرة “هواوي” على شبكات الجيل الخامس؟ 

وفي كلا السيناريوهين، يجب على الجيش الأمريكي أن يتوقع زيادة المخاطر على القوات الأمريكية المنتشرة في اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، فضلاً عن فقدان القدرة على العمل بشكل روتيني في المجال الجوي والبحري وفي غرب المحيط الهادئ. وتستدعي هذه الظروف مزيداً من الاهتمام بتحسين قدرات “القوات المشتركة”، والحفاظ على قوة قتالية في نقاط الخلاف في المنطقة والقدرة على نشرها بسرعة، وكذلك الاستعداد للعمل من خلال خطوط إمداد لوجستية أطول بكثير مما هو قائم حالياً.

قوات من الجيش الأمريكي – أرشيف

وبالنسبة للجيش الأمريكي، هذا يعني بذل جهود لتحسين القدرة على إنشاء جسر جوي وبحري لنقل الجنود إلى مناطق القتال بسرعة، أو إلى نقاط توتر بسرعة قبل اندلاع القتال. وتستند الأولويات الواضحة لاستراتيجية الدفاع الأمريكية، على تأكيد تفوق القوات الأمريكية البرية في أوروبا، ولكن الأهمية طويلة الأمد لتحدي الصين ستتطلب زيادة الاستثمار في مجموعة من القدرات العسكرية في المحيطين الهندي والهادئ أيضاً.

اقرأ أيضاً: الحرب المحتمة.. هل تنجح الولايات المتحدة والصين في تجنب مصيدة ثيوسيديدس؟

ونظرًا لأن الصين ستكون على الأرجح قادرة على خوض جميع مجالات الصراع عبر رقعة واسعة في المحيطين بحلول منتصف عام 2030، فإن الجيش الأمريكي، كجزء من القوة المشتركة، سيحتاج إلى أن يكون قادرًا على الاستجابة الفورية للأزمات أو الحالات الطارئة في مختلف مناطق الصراع. ولكي تكون الولايات المتحدة مستعدة في بداية أي أزمة أو صراع، فإن هذا سوف يتطلب مزيجاً من نشر قوات أمامية وقوات استكشافية خفيفة ومتحركة، فضلاً عن قدرة قوات الدول الحليفة على العمل معاً. وللحفاظ على الميزة التنافسية، تشمل بعض القدرات التي يجب أن توفرها هذه القوات معاً لأي توترات إقليمية ما يلي:

  • دفاعات جوية متنقلة ومتكاملة مع دول المنطقة.
  • قدرات دعم النيران، بما في ذلك امتلاك الجيش الأمريكي لراجمات الصواريخ بعيدة المدى؛ والمدفعية المضادة للألغام
  • قدرات الهجوم السيبراني والشبكي، وأنظمة الطائرات المضادة للطائرات بدون طيار، والدفاع الجوي قصير المدى المتكامل والمتشابك مع أنظمة الدفاع الجوي التشغيلية، والطائرات المسيرة المخصصة للرقابة والهجوم، وقدرات الحرب الإلكترونية
  • أنظمة الإنذار المبكر الخفيفة عالية الحركة لاكتشاف الطائرات بدون طيار والصواريخ ونيران المدفعية بعيدة المدى
  • قدرات الاستطلاع والحماية وإزالة التلوث الناتج عن استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية
  • الخدمات اللوجستية للتدخل السريع، لتشمل التمركز السري والمسبق في مسرح العمليات.
  • توقعات بمواجهة محتملة بين الولايات المتحدة والصين

ومع وجود هذه القدرات وغيرها تحت تصرف الولايات المتحدة، يجب على الجيش الأمريكي والقوات المتحالفة أيضاً تطوير وتدريب مفاهيم لتعزيز الردع التقليدي الممتد، ومنع تحوّل المنافسة إلى صراع مع بكين. وتتضمن التوصيات المتعلقة بالمفاهيم والأنشطة التي يجب على الجيش الأمريكي تبنيها ما يلي:

  • توظيف نفس أساليب الصين، والربط بين أنظمة الحرب الإلكترونية، والهجوم السيبراني أو الشبكي.
  • زيادة وتيرة التدريبات الثنائية والمتعددة الأطراف قصيرة المدى مع الحلفاء والشركاء الإقليميين لنشر القوات بسرعة في مواقع جديدة ومتفرقة بالقرب من النقاط الساخنة الإقليمية.
  • تحسين القدرات العسكرية وتطبيق مفاهيم جديدة لمواجهة عمليات إعاقة حرية الملاحة.
  • توفير الاتصالات، والاستخبارات للقوات المنتشرة في مناطق متفرقة في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تطوير وإثبات القدرة على إجراء عمليات الدخول القسري بوحدات أصغر حجماً وأكثر فتكاً.
  • دمج نظم الذكاء الاصطناعي في عمليات القيادة والسيطرة والاتصالات والكمبيوتر والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع على جميع المستويات.

إن امتلاك قوات بحرية وجوية ذات قدرات متقدمة، وسرعة الاستجابة والمرونة في قمع الضربات الاستطلاعية الصينية بسرعة وفعالية، إلى جانب استخدام الجيش الأمريكي للعمليات الخاصة والقدرات الموضحة سابقاً، ستحد، إلى حد كبير، من مغامرة القيادة الصينية في توظيف الخيارات العسكرية لحل الصراعات الإقليمية.

اقرأ أيضاً: المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.. حرب باردة من نوع جديد

ويمكن أن تؤثر القوات المسلحة الأمريكية أيضاً على جيش التحرير الشعبي من خلال عدد ونطاق وجوهر الاشتباكات العسكرية-العسكرية. من بين جميع الأسلحة، ربما يكون الجيش الأمريكي هو الأفضل للتأثير على جيش التحرير الشعبي في مجال الاشتباك العسكري على مدى العقود القليلة القادمة لسببين على الأقل. أولاً، ميل الجيش الأمريكي إلى أخذ زمام المبادرة في الاشتباك العسكري مع جيش التحرير الشعبي، ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه. ثانياً، على الرغم من الإصلاحات الرئيسية في الصين، والتي ستؤدي إلى تقليص قوة وتأثير القوات البرية لجيش التحرير الشعبي بمرور الوقت، فإن الأخيرة ستظل مؤثرة للغاية على الصعيد السياسي، نظراً لكونها المستهدف الأول في أي اشتباك عسكري.

غلاف الكتاب

ويتركز منظور الصين الحالي بشأن علاقتها مع الولايات المتحدة على المنافسة التي تشمل مجموعة واسعة من القضايا المتجسدة في مفهوم الصين للقوة الوطنية الشاملة، حيث تقارن الصين قوتها بالنسبة إلى منافسيها الرئيسيين. ويشمل مفهوم القوة الوطنية هذا الاستقرار الداخلي والنمو الاقتصادي والقوة العسكرية والعلوم والتكنولوجيا والأمن الثقافي، من بين العديد من الأمور الأخرى. يمكن أن يساعد تطبيق إطار عمل مثل ذلك المستخدم في هذه الدراسة في إلقاء الضوء على مخاوف الصين بشأن ضعفها النسبي في المجالات الرئيسية. وهذا بدوره قد يزود صانعي السياسة الأمريكيين بفهم أقوى للفرص المحتملة عند ظهورها.

اسم الكتاب: استراتيجية الصين الكبرى: الاتجاهات والمسارات والتنافس طويل المدى

المؤلفين: أندرو سكوبل، إدموند جيه بورك، كورتيز إيه كوبر الثالث، سيل ليلي، تشاد جيه آر أويلاند، إيريك وارنر، جي دي ويليامز.

تاريخ النشر: 2020

دار النشر: راند

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة