الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

استراتيجية الخروج من سوريا

من تداعيات الحرب في أوكرانيا أن روسيا حولت مواردها نحو هذه الحرب.. مما دفع إيران لملء الفراغ في سوريا

كيوبوست- ترجمات

كريستوفر الخوري♦

بعد السياسة الأمريكية في سوريا المنفصلة عن الواقع، قررت إدارة الرئيس بايدن إعادة ضبط الأهداف الأمريكية في سوريا من خلال الابتعاد عن فكرة الهيمنة على المنشآت النفطية فيها، وهدفها غير الواقعي في إخراج القوات الإيرانية من سوريا التي تربطها علاقة متينة وطويلة الأمد مع الولايات المتحدة. وأرسلت الإدارة إشارات مباشرة وغير مباشرة إلى السوريين بأنها ستقلص وجودها العسكري في سوريا ليقتصر على 900 جندي فقط. وقد كان الدافع وراء هذا التغيير هو الاقتناع بأن النفوذ الأمريكي والدبلوماسي في سوريا لا يزال محدوداً للغاية على الرغم من سيطرة القوات التي تدعمها الولايات المتحدة على مساحات شاسعة شرقي سوريا، والاقتناع بأن الخيارات البديلة غير واعدة. كما أن تحقيق الأهداف السياسية بات بعيد المنال بعد خروج الرئيس السوري بشار الأسد منتصراً.

ولكن سحب القوات الأمريكية من سوريا بعد الانسحاب من أفغانستان ستكون له تكلفة سياسية باهظة، وسيزيد من زعزعة الثقة في التزام الولايات المتحدة بحلفائها في الشرق الأوسط. وفي المقابل، أصبح الوضع الراهن للوجود الأمريكي في سوريا محفوفاً بالمخاطر؛ فالقوات الأمريكية والروسية تعمل على مسافة قريبة من بعضها، وتزايدت مؤخراً الهجمات التي تشنها الميليشيات الموالية لإيران على القوات الأمريكية. وبذلك بات على إدارة بايدن أن تفكر في الجدوى من استمرار الوجود العسكري في سوريا. وفي الواقع فإنه من غير المرجح أن الظروف ستتحسن؛ بل الزمن يحمل معه المزيد من المخاطر والمزيد من الضعف لموقف الولايات المتحدة التفاوضي حول ما ستحصل عليه من نظام الأسد أو من روسيا لقاء انسحابها من سوريا.

اقرأ أيضاً: تحليل للغارات ضد قادة داعش في شمال سوريا

ولا بد للولايات المتحدة أن تركز جهودها باتجاه التفاوض على خروج سريع يضمن الحفاظ على وصولها إلى المجال الجوي السوري، ويضمن سلامة السوريين الذين قاتلوا معها لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.

سوريا تتحول إلى بيئة خطرة للعمل فيها؛ ولكن “داعش” لا يتحمل المسؤولية الكبرى عن تصاعد العنف فيها، فمعظم الأعمال الحربية ترتكبها قوات حكومية؛ بما فيها نظام الأسد وتركيا. وقد تراجع نشاط “داعش” بمعدل انخفاض سنوي لعدد عملياته يزيد على 60%، ولم يعد التنظيم قادراً على شن هجمات في سوريا أو العراق أو التخطيط لهجمات في الخارج. وهذا يعني تراجعاً كبيراً في العمليات المشتركة بين القوات الأمريكية وحلفائها في قوات سوريا الديمقراطية. ولم يتجاوز عدد هذه العمليات في هذا العام العمليتَين فقط. وتحولت العمليات العسكرية الأمريكية إلى مناطق لا توجد فيها تلك القوات؛ مثل إدلب وغيرها من الأراضي الخاضعة شكلياً لعناصر من المعارضة السورية؛ حيث نجحت هذه العمليات في قتل بعض قادة تنظيم الدولة الإسلامية وإلقاء القبض على عدد منهم، مما يعني أن الوجود على الأرض قد يكون مفيداً؛ ولكنه ليس ضرورياً حماية مصالح الأمن القومي الأمريكي.

الولايات المتحدة تراجع استراتيجيتها للخروج من سوريا- “وول ستريت جورنال”

وعلى الرغم من انخفاض خطر “داعش”؛ فإن المخاطر على القوات الأمريكية في ازدياد، ويُسهم في ذلك التوتر الكبير في العلاقات الروسية- الأمريكية منذ غزو أوكرانيا. ففي يونيو على سبيل المثال، استهدفت الطائرات الروسية بشكل مباشر قوات مغاوير الثورة التي تدعمها الولايات المتحدة بالقرب من قاعدة التنف العسكرية الأمريكية؛ الأمر الذي يزيد من خطر وقوع اشتباك غير مقصود بين القوات الروسية والأمريكية العاملة في سوريا.

اقرأ أيضاً: هل تعيد أنقرة تكرار سيناريو التدخل العسكري في شمال سوريا؟

ومن تداعيات الحرب في أوكرانيا أن روسيا حولت مواردها نحو هذه الحرب؛ مما دفع إيران لملء الفراغ في سوريا، حيث ازداد نفوذها وتصاعدت عمليات المجموعات التي تدعمها، والتي تستهدف القوات الأمريكية بنيران مباشرة أو غير مباشرة، إلى أن بلغت 18 هجوماً صاروخياً أو بطائرات مسيرة هذا العام. ومع استمرار التعثر في المفاوضات النووية يزداد احتمال أن تستخدم إيران الميليشيات الموالية لها في سوريا لممارسة ضغط إضافي على الولايات المتحدة.

ومن جهة أخرى، تزيد تركيا من ضغوطها على القوات الكردية التي تدعمها أمريكا. ومؤخراً، هدد الرئيس التركي بالذهاب إلى الخيار العسكري، لفرض منطقة عازلة بعمق 30 كيلومتراً في سوريا. وقد زادت تركيا من هجماتها على القوات الكردية بالطائرات المسيرة والمدفعية بعد جولة محادثات ثلاثية تمت في يونيو الماضي بين تركيا وإيران وروسيا؛ مما أسفر عن مقتل أكثر من 50 من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية. وقد جعل ازدياد النشاط التركي قيادة قوات سوريا الديمقراطية تعلن استياءها من الولايات المتحدة لعدم ردع هذا النشاط، ووصل الأمر إلى أنها سهَّلت نشر المزيد من القوات الحكومية السورية في الأراضي التي تسيطر عليها؛ لإحباط التوغل التركي المتوقع مع اقتراب الانتخابات التركية التي يخشى أردوغان هزيمته فيها.

الشرق الأوسط يستعد لخروج الولايات المتحدة من سوريا- “فورين بوليسي”

ومع تراجع تهديد تنظيم الدولة الإسلامية، أصبح من الممكن احتواؤه من دون تعريض القوات الأمريكية إلى الخطر، وذلك باستهداف قياداته بضربات الطائرات المسيرة والغارات الجوية والصاروخية حتى القضاء على ما تبقى من فلول التنظيم. وقد أثبت هذا الأمر فعاليته في السنوات القليلة الماضية؛ مما يتيح المجال لانسحاب ودي يضمن الحفاظ على العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة على الأرض وتأمين الوصول إلى المجال الجوي السوري. وعلى الرغم من التوترات الجيوسياسية الحالية؛ فإن انسحاب الولايات المتحدة بتنسيق بسيط مع روسيا هو السبيل الوحيد لتحقيق أهداف واشنطن في ضمان أمن شركائها الأكراد، سواء لناحية هجوم تركي أو لناحية اعتقالات قد يقوم بها نظام الأسد للانتقام منهم. ويمكن أن تطلب واشنطن من شركائها العرب السُّنة في المنطقة -مثل الإمارات العربية المتحدة- الذين يقومون بتطبيع العلاقات مع الأسد، أن يفعلوا الشيء نفسه.

اقرأ أيضاً: زيارة الأسد إلى الإمارات.. خطوة مهمة على طريق عودة سوريا إلى الجامعة العربية

 

ولا شك أن الانسحاب الأمريكي بتنسيق بسيط من شأنه أن يحسن بشكل كبير من احتمال التوصل إلى اتفاق دبلوماسي حول الوصول إلى المجال الجوي السوري، وستحتفظ الولايات المتحدة بحق الدفاع عن النفس إذا ما تعرضت إلى التهديد أثناء شن هجمات على تنظيم الدولة الإسلامية. وبعد نحو سبع سنوات من وصول أول جندي أمريكي إلى الأراضي السورية حان الوقت لواشنطن لسحب قواتها منها؛ فالوجود العسكري الأمريكي في سوريا لم يعد رصيداً استراتيجياً، بل أصبح نقطة ضعف.

♦مستشار في مكتب المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف العالمي لهزيمة “داعش”، ومستشار أول للسياسات في معهد توني بلير للتغيير العالمي.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة