الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

“ازدراء الإسلام”.. حرية تعبير أم اعتداء على الدين؟

جدل في المغرب حول ملاحقة بعض الناشطين المتهمين بالإساءة إلى الدين الإسلامي على مواقع التواصل الاجتماعي

المغرب- حسن الأشرف

أعاد الحكم الذي نطقت به محكمة الاستئناف بمدينة خريبكة المغربية، والذي جاء مؤكداً للحكم الابتدائي بسجن مدونة عامَين كاملَين، بتهمة “ازدراء الدين الإسلامي” عبر ما تنشره في صفحتها على منصة “فيسبوك”، إلى واجهة الحدث بالمغرب نقاش الفرق بين حرية التعبير وتجريم الإساءة إلى الأديان.

وقضت محكمة الاستئناف بمدينة خريبكة بحبس المدونة فاطمة كريم، سنتَين سجناً نافذاً، على خلفية اتهامها بالإساءة إلى الدين الإسلامي، من خلال كتابات وتدوينات تنشرها على صفحتها الشخصية عبر موقع “فيسبوك”.

اقرأ أيضاً: محاكمة باحث متصوف في الجزائر تعيد إلى الواجهة الصراع بين الإخوان والعلمانيين

وفي الوقت الذي يرى فيه محللون أنه يتعين الضرب بيد من حديد على كل مَن تسول له نفسه ازدراء الأديان السماوية؛ وعلى رأسها الدين الإسلامي، يرى آخرون أن الحكم بالسجن لا يفيد في مثل هذه القضايا، وأنه يتعين التدرج في النصح وغيره من الأساليب قبل الزجر والحبس.

علمانية وحرية تعبير

ويبدو أن محكمة الاستئناف بخريبكة لم تقتنع بما صرحت به المدونة التي تبلغ من العمر 38 عاماً؛ حيث أكدت أمام القاضي أنها مارست حقها المكفول دستورياً بشأن حرية التعبير؛ عبر كتابة آرائها في نصوص دينية من آيات قرآنية وأحاديث نبوية.

فاطمة كريم

ووَفق المدونة المحكوم عليها بالسجن سنتَين كاملتَين؛ فإنها نفت تعمدها أو نيتها الإساءة إلى الدين الإسلامي بتدويناتها الفيسبوكية، كما اعتذرت لجميع مَن اعتبروا أنها أساءت إلى دينهم؛ لكنها بالمقابل تمسكت بكونها تؤمن بالفكر العلماني ولا تدين بدين الإسلام.

ومن الأمثلة التي استندت إليها المحكمة للنطق بحكم الحبس سنتَين، ما كتبته المدونة في صفحتها الفيسبوكية معلقةً على الآية القرآنية في سورة الرحمن “حور مقصورات في الخيام فبأي آلاء ربكما تكذبان”، قائلةً إنها “دليل على أن مَن كتبها ينحدر من الصحراء”؛ ما جعل النيابة العامة تجد في هذا النعت “مساساً بثوابت ومقدسات الأمة”.

شاهد: فيديوغراف.. انتقاد الأديان بين حرية المعتقد وحرية التعبير

وكان شقيق المدونة قد خرج بتصريحات صحفية قال فيها إن المدونة فاطمة كريم، تحترم دستور المملكة؛ لكنها “اختارت معتقداً دينياً آخر بعدما كانت أشد المدافعين عن الدين الإسلامي لزهاء 34 سنة”، مبرزاً أن هذه القضية تتعلق بحرية التعبير والمعتقد، وتتطلب نقاشات جادة بشأن إصلاح القانون الجنائي بالمغرب.

وفي نوع من “التبرير”، صرَّح شقيق المدونة بأن أخته “لا تتوفر على مستوى علمي كبير يؤهلها لمناقشة موضوعات تتعلق بالدين الإسلامي وباقي الديانات الأخرى، وهو ما جعلها تنساق وتتأثر بمجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي، فصارت تكتب بهدف خلق النقاش والتفاعل مع متابعيها في صفحتها الشخصية، إلى حين اتهامها بتهمة ازدراء الأديان”.

المغرب يراهن على الوسطية والاعتدال الديني

ملفات سابقة

وليست هذه المرة الأولى التي يُحكم فيها على مدون أو ناشط في المغرب بتهمة الإساءة إلى الدين الإسلامي؛ فقبل المدونة فاطمة كريم، ببضعة أشهر فقط، قضت محكمة بمدينة مراكش على طالبة بالسجن 3 سنوات ونصف السنة قبل أن يتم تحويلها إلى شهرَين مع وقف التنفيذ في المرحلة الاستئنافية، ويُطلق سراحها.

وكانت الطالبة التي تحمل الجنسيتَين المغربية والإيطالية تنشر في صفحتها على موقع “فيسبوك” مقاطع تحاكي آيات وسوراً في القرآن الكريم؛ الشيء الذي اعتبرته المحكمة مساً وتحقيراً للدين الإسلامي.

اقرأ أيضاً: لقاء الأديان في السعودية “خطوة إيجابية”

وكانت قضية هذه الشابة وغيرها أيضاً قد أثارت سجالاً وجدلاً بين الحقوقيين؛ فمنهم مَن طالبوا بإلغاء جميع الفصول القانونية التي تترجم حرية التعبير وحرية المعتقد، ومنهم مَن وجد في مثل هذه الكتابات إساءات واضحة لأديان سماوية، ولا تدخل في إطار حرية التعبير والنشر.

وينص الفصل 267 في الفقرة الخامسة من القانون الجنائي المغربي على أنه “يُعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من 20 ألف إلى 200 ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل مَن أساء إلى الدين الإسلامي أو النظام الملكي أو حرَّض ضد الوحدة الترابية للمملكة”.

جدل في المغرب حول ملاحقة بعض الناشطين المتهمين بالإساءة إلى الدين الإسلامي

ووَفق الفصل القانوني، تُرفع العقوبة بالحبس من سنتَين إلى خمس سنوات وغرامة 50 ألفاً إلى 500 ألف درهم، إذا ارتكبت الأفعال المشار إليها في الفقرة الأولى أعلاه بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن والتجمعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم أو بواسطة البيع أو التوزيع أو بواسطة كل وسيلة تحقق شرط العلنية؛ بما فيها الوسائل الإلكترونية والورقية والسمعية البصرية.

مصدر للتعصب الديني

في هذا الصدد، يقول عبد الإله الخضري، مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان، إن ظاهرة ازدراء الدين الإسلامي أصبحت للأسف الشديد “موضة” لدى بعض الأشخاص”، مبرزاً أنه “إذا كنا نقر بأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يتضمن بشكل صريح أية إشارة لمنع ازدراء الأديان، إلا أن المادتين 18 و19 منه، والمتعلقتين بحق حرية التفكير والضمير والدين، وحرية الرأي والتعبير؛ لا تبيح ازدراء الأديان”.

عبدالإله الخضري

ويضيف الخضري، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن “ازدراء الأديان يمثل اعتداء على معتقدات الآخرين، كما يشكل مصدراً رئيسياً للعنف والتعصب الدينيَّين”، مشيراً إلى البند الثاني من المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يحظر أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية وتُشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.

واسترسل المتحدث: “للمفارقة نجد العديد من الدول جرمت إنكار محرقة اليهود على يد النازيين، في وقت لا يوجد فيه قانون يجرم ازدراء الأديان، ولذلك من حق بعض الدول، ذات مرجعية الدين الإسلامي، أن تقوم بإصدار تشريعات تجرم ازدراء الدين الإسلامي أو أي دين آخر؛ لكن المرفوض هو استغلال مثل هذه التشريعات لتصفية حسابات سياسية انتقامية”.

اقرأ أيضاً: كيف ترى الأديان السماوية الثلاث سيادة الرجل على المرأة؟

وأكمل الناشط الحقوقي بأن “ما صدر في حق المدونة فاطمة كريم، يرتبط حصراً بخطابها في مواقع التواصل الاجتماعي المسيء إلى الإسلام وإلى رموزه ومقدساته، وليس مرتبطاً بخلفيات سياسية”، مردفاً بأن العديد من المدونين يجدون سهولة ومتعة في كتابة تدوينات مسيئة إلى الدين الإسلامي تنطوي على جهل مطبق بعقيدة الإسلام، وتنم عن أحقاد وضغائن متراكمة.

وتابع الخضري بأن هناك أيضاً عامل “الرغبة في التميز والنجومية وحشد المتابعين وجني الأرباح المالية، دون الاكتراث بخطورة ما يقدم عليه هؤلاء المدونون ونشطاء مواقع التواصل”، لافتاً إلى أنه “من واجب القضاء الاضطلاع بمهامه لضبط الأمور، والحد من الاعتداءات على معتقدات الآخرين والتجاوزات المثيرة للعنف والتعصب”.

الحفاظ على الأمن الروحي

رشيد وهابي

ومن جهته، يرى المحامي بهيئة الجديدة الدكتور رشيد وهابي، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن “قضايا الاتهام بازدراء الدين الإسلامي يجب أن تحل بشكل تدرجي؛ يبدأ بتقديم النصيحة للمقدم على إهانة الدين من طرف علماء متفتحين ومتنورين”.

وأضاف وهابي أن هذه المقاربة مستمدة من أسلوب “وادعوهم بالتي هي أحسن”، فإن فشلت معه النصيحة تمت متابعته في حالة سراح، ويحكم عليه فقط بالغرامة المالية، فإن لم يرتدع يمكن للنيابة العامة أن تعتقله ويحكم عليه بالحبس النافذ.

وشدد الخبير القانوني على أنه “من مهام الدولة الحفاظ على الأمن الروحي؛ لأن الدين مكون أساسي من مكونات الشخصية والهوية المغربية”، مضيفاً أن “عدم تحريك المتابعات بشكل تدريجي ضد مَن يهينون الدين بالأقوال أو الكتابة، يجعل إساءتهم تصل إلى الكثيرين”.

اقرأ أيضاً: الانتشار والتأثير.. مستقبل الأديان في العالم

وأكمل المتحدث: “إذا عاد هؤلاء إلى إهانة الأديان دون اكتراث بالنصيحة؛ يمكن للنيابة العامة حينها متابعتهم في حالة سراح، وتقضي بالحكم ضدهم بالغرامة المالية، وإذا لم تكن هذه الأخيرة رادعة وعاودوا إهانة الدين، يمكن حينها اعتقالهم والحكم عليهم بالحبس النافذ”.

وخلص وهابي إلى أن “التدرج من النصيحة إلى الحبس النافذ يمكن أن يدفع الكثيرين منهم إلى التوقف عن إهانة الدين بعد النصيحة”، مرجحاً أن العديدين سيتردعون بعد الحكم عليهم بأداء الغرامات المالية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة