الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

ارتباك المعارضة التونسية بعد نجاح الاستفتاء.. الأسباب والتداعيات!

قيادات المعارضة في تونس تهاجم الاستفتاء وتشكك في نتائجه في خطوة تعكس خوفها من المرحلة المقبلة

كيوبوست

بعد أن ذهب رهانها على فشل الاستفتاء سدى وتأكد مرور الدستور الجديد الذي اقترحه الرئيس قيس سعيّد، تجد المعارضة التونسية نفسها في وضع صعب وتحدوها حالة من الارتباك والخوف أيضاً. فبعد إعلان هيئة الانتخابات نتائج التصويت، سارعت مختلف مكونات المعارضة للتشكيك في النتائج وعدم الاعتراف بالمسار الجديد الذي تتجه نحوه البلاد، في خطوة تعكس خوف هذه المكونات السياسية من المرحلة المقبلة؛ فالامتناع عن المشاركة في أي استحقاق يُشرف عليه سعيد ونظامه سيزيد عزلتهم ويبعدهم أكثر عن المشهد، والمشاركة تعني إقراراً بمسار سعيد وبرنامجه؛ وهو ما لا يرغبون فيه. زد على ذلك أن بعض الأحزاب والقيادات السياسية تنتظرهم بعض القضايا الخطيرة التي قد تؤدي بهم إلى السجون، وحل أحزابهم؛ لا سيما حركة النهضة، إلى جانب تشرذم المعارضة وانقساماتها الكبيرة العصية عن الالتقاء في جسم واحد يجمعها. 

ولم تتأخر قيادات المعارضة في التعليق على نتائج الاستفتاء ومهاجمتها على غرار أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني، وحمة الهمامي، رئيس حزب العمال، وعبير موسى، رئيسة الحزب الدستوري الحر، وإجماعهم على أن الاستفتاء لم يكن شرعياً.

اقرأ أيضاً: تونس تصوت بـ”نعم” على الدستور الجديد

وقال الشابي مباشرةً بعد الإعلان عن النتائج التي صدرت عن هيئة الانتخابات: “إن الأرقام مضخمة، ولا تتفق مع ما تمت ملاحظته في الجهات ومن قِبل مراقبين، هذه الهيئة لا تتحلى بالنزاهة والحياد، والأرقام مبنية على التزوير. المرجع الوحيد للشرعية في البلاد هو دستور 2014. قيس سعيد لم يبقَ له أي مكان. خاب انقلابه، يجب أن يفسح المجال لانتخابات عامة رئاسية وتشريعية حتى يسود الاستقرار”.

كما لم ينسَ الشابي أن يحذر من أي التزام يقدمه صندوق النقد الدولي مع السلطة الحالية، معتبراً أن ذلك سيؤدي إلى المزيد من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية.

وبدت تصريحات الشابي أكثر حدة وارتباكاً؛ وذلك لعدة اعتبارات، فالرجل الذي ظل لسنوات يحذر من الإسلاميين ويعتبرهم خطراً على البلاد، لم يتردد في الارتماء بين أحضان حركة النهضة منذ إعلان سعيّد الاجراءات الاستثنائية، بعد أن أوهمه الغنوشي أن مسار سعيد زائل قريباً، وأن الدول الداعمة للحركة في الخارج ستضغط من أجل عودتها إلى السلطة، وأنه سيكون الورقة التي تراهن عليها الحركة لتولي الرئاسة بمجرد العودة إلى المشهد السياسي. ولم يتردد الشابي الحالم بأن تكلل مسيرته السياسية بسكن قصر قرطاج، وأصبح ابناً باراً للحركة، يهتف بما تهتف ويؤمن بكل خياراتها وتحركاتها، آملاً في أن يأتي منصب الرئاسة؛ لكن اليوم وهو يرى نجاح الاستفتاء وما يعنيه ذلك من بداية مسار جديد بعيداً عن تطلعاته، فإن شبح اندثار الحلم مجدداً أصبح قائماً أكثر من أي وقت مضى، ولهذا لم يستطع الشابي أن يحافظ على هدوئه المعهود، وهاجم بقوة سعيد ونتائج الاستفتاء، بل تجاوز ذلك إلى صندوق النقد الدولي؛ في تحرك قد يكون الأخير للرجل قبل أن يعاين كيف أن انقلابه على مبادئه الأولى وارتماءه في أحضان الإسلاميين لم يمنحاه الرئاسة قط؛ بل سيخرجانه من الباب الصغير ويلطخان مسيرته السياسية برمتها. كذلك الشأن بالنسبة إلى قيادات الحركة داخل ما يُسمى بجبهة الخلاص؛ سارعوا للتشكيك في الاستفتاء، مهددين باللجوء إلى المحكمة الإدارية، في خطوة يدركون أنها لن تغير حقيقة أن قرابة ثلاثة ملايين قالوا كلمتهم، وأن مرحلة جديدة دون حركة النهضة قادمة لا محالة. وهم بذلك يسابقون الزمن عسى أن يغيروا شيئاً قبل أن يفقدوا ما حصلوا عليه طيلة عشرية كاملة.  

هل يكون الارتماء في حضن “النهضة” بلا ثمن للشابي؟- (صورة وكالات)

أما عبير موسى فلم تتأخر هي أيضاً في مهاجمة المسار الذي اتخذه سعيّد، بقولها إنه “فرض فرضاً على التونسيين عبر الاعتداء على سيادتهم وتزوير إرادتهم، نشكر التونسيين أنهم لم يشاركوا في هذا المسار”.

 وأضافت: “قيس سعيّد اختزل تونس في شخصه. وهو يعد لقانون انتخابي، هذا الغرور والنرجسية وحب الذات والاحتقار غير مسبوق لشعب تونس”.

اقرأ أيضاً: دستور تونس الجديد.. بين رهانات سعيد ورفض المعارضة

ولعبير موسي أسبابها هي أيضاً؛ فعندما كانت تخوض معركتها مع حركة النهضة داخل البرلمان، كانت تعتقد أن جهودها ستنتهي بتصدرها وحزبها المشهد السياسي؛ ولكن تدريجياً بدأ سعيّد يكشف أن له مشروعه الذي يريد إنجازه لن يكون فيه الحزب الحر الدستوري في الواجهة، ولن تكون فيه موسى الزعيمة كما كانت تطمح. ولهذا أصبح خصمها الجديد قيس سعيّد؛ لا سيما بعد أن أيقنت أن خصمها القديم حركة النهضة في طريقه إلى الاختفاء من المشهد السياسي.

ولكن عبير موسى وحزبها ورغم مواقفها المناوئة والمهاجمة لسعيد ومساره؛ فإنها لن تكون قادرة على المواصلة على هذا النسق، وسيكون أمامها خياران؛ إما مواصلة رفض الانخراط في أي استحقاق تحت رعاية السلطة الحالية، وهذا يعني عدم المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، وبالتالي تأكيد خروجها من المشهد السياسي؛ وهذا ما لا ترغب فيه حتماً، وإما اضطرارها إلى التهدئة في المرحلة المقبلة والاستعداد للانتخابات التشريعية؛ خصوصاً أن نتائج سبر الآراء تقول إنها ستكون الفائزة. وليس من المرجح أن تتجه موسى لخسارة هذا المكسب المؤكد؛ ولكن في كل الأحوال ستجد نفسها في وضع مربك، لأن كلا الخيارَين يتطلبان تنازلات لا ترغب في تقديمها.

عبير موسى بين خيارَين كلاهما صعب- (صورة وكالات)

من جانبه أيضاً، لم يتخلف حزب العمال الذي يرأسه القيادي اليساري حمة الهمامي، عن مهاجمة الاستفتاء، وقال في بيان له: “إن تونس تدخل بعد الاستفتاء مرحلة جديدة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية”.

وأضاف أن “مرحلة ما بعد الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد ستزيد من حدة الأزمة الاقتصادية والمالية التي ستدفع فاتورتها الطبقات والفئات الكادحة والشعبية والمفقّرة نتيجة تنفيذ إملاءات المؤسسات المالية الدولية”.

ولا يبدو الأمر غريباً عن حزب العمال؛ خصوصاً القيادي صاحب التاريخ النضالي الكبير حمة، أن يكون في ثوب المهاجم؛ فهو صاحب اللاءات الدائمة. ولكن الموقف هذه المرة له مبررات مختلفة، فحمة الهمامي الحالم هو الآخر بقيادة تونس، يرى أن نجاح مسار قيس سعيّد سيكون كفيلاً بإنهاء مسيرته السياسية دون أن يكون في مركز القرار وفي السلطة ولو مرة واحدة؛ وهو الذي ظل دائماً في دفة المعارضة. يدرك حمة الهمامي أن اليسار التونسي عموماً فشل في كسب ثقة التونسيين على مدار العشرية الفارطة؛ بسبب أخطائه الكثيرة وانقساماته وتشرذمه، والأهم تناقضاته. ولهذا يخشى حمة واليسار عموماً نجاح مسار سعيد؛ لأن حدوث ذلك سيكون إعلاناً رسمياً لخسارة ما تبقى لهم لدى فئة قليلة من التونسيين، لأن ذلك سيؤكد مجدداً أن حمة واليسار برمته فشلا مرة أخرى في إفشال مسار جديد تماماً كما حدث مع حركة النهضة في السنوات الماضية. وطبعاً لن ينخرط حمة وحزبه خصوصاً في أي استحقاق تحت سلطة سعيّد، وهو موقف يعتقد أنه يعكس انسجاماً مع أفكاره؛ ولكنه في الحقيقة سينتهي به خارج المشهد السياسي.. أي سيكون عليه مراجعة أفكاره ومواقفه والتفكير في تكريس ديمقراطية داخل حزبه قبل الإيهام بالدفاع عنها لصالح الدولة.

حمة الهمامي وضياع حلم الرئاسة ومزيد من تشرذم اليسار- (صورة وكالات)

وفضلاً عما سلف، فإن التحدي الأكبر للمعارضة التونسية اليوم هو انقساماتها الحادة وعدم التقائها على مستوى الأفكار ولا الأهداف؛ فلا يمكن بأية حال من الأحوال أن تضع موسى يدها مع ما يُسمى بجبهة الخلاص التي تتزعمها حركة النهضة؛ وهي التي ترفع شعار محاربة الإسلاميين في تونس، ولا يمكن لليسار أن يتحالف لا مع عبير موسى وحزبها، والتي يصنفها كامتداد لحزب ابن علي الذي قضى سنوات طويلة في مواجهته، ولا مع جبهة الخلاص؛ وهو الذي رفض في كل المحطات التحالف مع “النهضة” أو المشاركة في حكومة لديها داخلها الأغلبية. وعليه، فإن المعارضة ستكون دون تأثير كبير على مسار قيس سعيّد ما دامت عبارة عن دكاكين متفرقة لا تجتمع ولا تتوحد أبداً.

اقرأ أيضاً: هل تحذف تونس مرجعية الإسلام من الدستور؟

معارضة مشتتة

المحلل السياسي نبيل الرابحي، يعتبر أن المعارضة التونسية اليوم مشتتة ومنقسمة إلى مجموعات متنافرة لا تلتقي مطلقاً، وهو ما يجعل تأثيرها محدوداً في المرحلة المقبلة.

نبيل الرابحي

وقال الرابحي لـ”كيوبوست”: “ستواصل المعارضة تنظيم التظاهرات والمسيرات وترفع الشعارات المناوئة لسعيّد، نعم؛ ولكن دون أثر يُذكر، بل على العكس ستخدم مشروعه. فنشاطها وتحركها بحرية سيفند ما يروجونه بشأن ديكتاتورية قيس سعيد؛ لأن هذا النوع من الأنظمة لا يسمح مطلقاً للمعارضة بالتحرك كما يحدث اليوم، وسيستمر مع المعارضة في تونس. وفي ظل الانقسامات الحادة، لن يكون لها ثقل حقيقي على الأرض؛ لا سيما أن المعطيات المتوفرة والتجربة الآنية خصوصاً، تثبت أن هذه المعارضة لا تملك آليات التعبئة ولا آليات التوافق ولا آليات التواصل. وأعتقد أن هذه العناصر مجتمعة تؤسس يوماً بعد يوم لاندثار المعارضة وإنهاء كل أشكال تأثيرها، والأهم أن كل هذا سيمنح مشروع سعيّد مزيداً من القوة ومزيداً من المشروعية، الذي أعتقد أنه بات في طريق مفتوح نحو أهدافه التي رسمها والتي يتطلع شق كبير من التونسيين لأن تكون مرحلة جديدة ترمم ما تم هدمه وتدميره في العشرية الماضية”. 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة